المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة التجسس ـ ما حجم أنشطة العملاء الإيرانيين في ألمانيا؟
تُشكّل الحرب الدائرة في منطقة الخليج والشرق الأوسط، والتي اندلعت إثر هجمات إسرائيلية وأمريكية على أهداف في إيران، مصدر قلق بالغ للكثيرين في ألمانيا. فعلى الرغم من أن ألمانيا ليست طرفا مباشرا في هذا الصراع، فإن تداعياته السياسية والأمنية والاقتصادية تمتد بطبيعتها إلى الداخل الألماني. ولهذا السبب تُعقد اجتماعات ومشاورات طارئة على مختلف المستويات الحكومية، سواء على مستوى الحكومة الاتحادية أو حكومات الولايات، إضافة إلى التنسيق مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية. ويجري في هذه الاجتماعات تقييم مستمر للمخاطر المحتملة، بما في ذلك دراسة الانعكاسات الداخلية التي قد تنجم عن استمرار الحرب أو اتساع رقعتها إقليميا. وقد اجتمع وزراء الداخلية الاتحاديون ووزراء داخلية الولايات، من بين آخرين، لمناقشة التطورات، كما تم رفع مستوى المراقبة الأمنية حول عدد من المواقع الحساسة في البلاد.
هل تغير الوضع الأمني نتيجة للحرب؟
من الصعب الجزم بحدوث تغير جذري وفوري في الوضع الأمني، إذ يعتمد الأمر إلى حد كبير على مدة استمرار الحرب وعلى طبيعة تطورها. فكلما طال أمد النزاع أو اتسعت دائرته، زادت احتمالات انعكاسه على الداخل الألماني. ويتوقع المكتب الاتحادي لحماية الدستور استمرار وجود تهديد معنوي كبير للمؤسسات في ألمانيا التي تربطها علاقات وثيقة بإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. ويشمل ذلك السفارات والبعثات الدبلوماسية والقواعد العسكرية والمنشآت المرتبطة بهما. كما يُفترض أن تكون المؤسسات اليهودية، مثل المدارس والمعابد والمراكز الثقافية، أهدافا محتملة لأعمال انتقامية أو تحريضية، سواء من قبل أفراد متطرفين أو شبكات منظمة.
تتخذ السلطات الألمانية عادة في مثل هذه الظروف إجراءات احترازية، مثل تعزيز الحراسة حول المنشآت الحساسة، وزيادة الدوريات الأمنية، وتكثيف المراقبة الاستخباراتية. كما يتم تبادل المعلومات مع شركاء أوروبيين ودوليين لرصد أي تهديدات عابرة للحدود. وتحرص الحكومة على طمأنة المواطنين بأن الأجهزة المختصة تتابع الوضع عن كثب، وأنها مستعدة للتعامل مع أي تصعيد محتمل. ومع ذلك، تبقى المخاوف قائمة من احتمال وقوع حوادث فردية يصعب التنبؤ بها، خاصة في ظل تصاعد الخطاب المتشنج على وسائل التواصل الاجتماعي.
كيف ينظر الإيرانيون المقيمون في ألمانيا إلى الحرب؟
يعيش في ألمانيا عدد كبير من الأشخاص المنحدرين من أصول إيرانية، وتشير التقديرات إلى أن عددهم يقارب 324 ألف شخص، بينهم مواطنون ألمان من أصل إيراني ومقيمون يحملون الجنسية الإيرانية. ويتوق كثيرون منهم إلى تغيير سياسي في إيران، لا سيما أولئك الذين غادروا البلاد لأسباب سياسية أو بحثا عن فرص أفضل. وقد حصل عدد كبير منهم على الجنسية الألمانية وأصبحوا جزءا من المجتمع الألماني سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
ومع ذلك، لا يمكن افتراض وجود موقف موحد بينهم تجاه التصعيد العسكري الحالي. فبعضهم يرى أن الضغوط الخارجية قد تضعف النظام في طهران، بينما يخشى آخرون من أن تؤدي الحرب إلى تقوية التيارات المتشددة داخليا وإلى معاناة أكبر للسكان المدنيين. وعلى مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، قدم أشخاص من توجهات سياسية وأيديولوجية مختلفة إلى ألمانيا طالبين اللجوء، ما يعكس تنوعا كبيرا في المواقف والرؤى داخل الجالية الإيرانية. وفي بداية عام 2025، كان يعيش في ألمانيا ما يزيد قليلا عن 161 ألف مواطن إيراني يحملون الجنسية الإيرانية، إلى جانب عدد كبير من المتجنسين.
كم عدد مؤيدي الحكومة الإيرانية الذين يعيشون في ألمانيا؟
من الصعب تحديد عدد دقيق لمؤيدي القيادة الإيرانية في ألمانيا، إلا أن التقديرات تشير إلى أنهم يشكلون أقلية بين المنحدرين من أصول إيرانية. وقد اتخذت السلطات الألمانية خلال السنوات الأخيرة إجراءات ضد مؤسسات اعتُبرت قريبة من طهران. ففي يوليو 2024، حظرت وزارة الداخلية الاتحادية المركز الإسلامي في هامبورغ، المعروف اختصارا باسم IZH. وكانت وزيرة الداخلية الاتحادية آنذاك، نانسي فايزر من الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، قد وصفت المركز بأنه “مركز دعائي إيراني بارز في أوروبا”.
وكان المركز يدير المسجد الأزرق المطل على بحيرة ألستر الخارجية في هامبورغ، وهو معلم ديني معروف في المدينة. وقد أثار قرار الحظر جدلا سياسيا وقانونيا، إذ رُفعت دعوى قضائية ضده ولا تزال القضية معروضة أمام المحكمة الإدارية الاتحادية. وبعد بضعة أشهر من الحظر، رُحِّل رئيس المركز، محمد هادي مفتح، الذي غادر ألمانيا طوعا في نهاية المطاف، ثم مُنع من دخول البلاد والإقامة فيها لمدة عشرين عاما. وتؤكد السلطات أن هذه الإجراءات تستهدف أنشطة محددة ولا تستهدف الجالية الإيرانية ككل.
ما هي أنشطة العملاء الإيرانيين و”الخلايا النائمة” في ألمانيا؟
بحسب تقييمات المكتب الاتحادي لحماية الدستور، لفتت الدولة الإيرانية الأنظار في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة من خلال عدة أنشطة.
أولا، مراقبة شؤون الشتات الإيراني: خاصة معارضي النظام. ولا يقتصر الأمر على خشية بعض النشطاء من التعرض للاعتقال عند السفر إلى إيران، بل تمتد المخاوف أحيانا إلى تعرض أفراد أسرهم داخل البلاد للضغط أو التهديد. ويُنظر إلى هذه الممارسات باعتبارها محاولة للتأثير على نشاط المعارضين في الخارج.
ثانيا، التجسس على أهداف يهودية وإسرائيلية: ففي أعقاب هجوم حريق متعمد استهدف مدرسة في مدينة بوخوم وكان الهدف الأصلي كنيسا يهوديا مجاورا، استدعت الحكومة الألمانية السفير الإيراني آنذاك للاحتجاج. وفي ديسمبر 2023، حكمت المحكمة الإقليمية العليا في دوسلدورف على رجل ألماني إيراني بالسجن لمدة عامين وتسعة أشهر بعد إدانته بالجريمة. وأعربت المحكمة عن قناعتها بأن السلطات الإيرانية تقف وراء الهجوم، وهو ما زاد من حدة التوتر الدبلوماسي بين البلدين.
ثالثا، الهجمات الإلكترونية ومحاولات الحصول على تكنولوجيا ومنتجات تخضع لعقوبات: تشير التقارير إلى أن جهات مرتبطة بإيران تسعى إلى الالتفاف على القيود المفروضة عبر عمليات تجسس إلكتروني أو عبر وسطاء. وتتعامل ألمانيا مع هذه التهديدات ضمن إطار أوسع لحماية بنيتها التحتية الرقمية والصناعية.
تعكس هذه التطورات مدى تشابك الأوضاع الإقليمية مع الأمن الداخلي في ألمانيا. ورغم أن البلاد ليست طرفا مباشرا في الحرب، فإن موقعها السياسي وعلاقاتها الدولية وتنوعها المجتمعي يجعلها معنية بمتابعة كل تطور عن كثب. ويبقى المسار المستقبلي مرتبطا بتطورات النزاع ذاته، وبمدى قدرة الأطراف المعنية على احتواء التصعيد ومنع امتداده إلى ساحات أخرى.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115733
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
