خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ كيف يستعد تنظيم داعش لتنفيذ هجمات مستقبلية بالذكاء الاصطناعي؟
يسعى تنظيم داعش مع تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي إلى استغلال التقنيات والتطبيقات الناشئة للذكاء الاصطناعي من أجل تنفيذ أجنداته الخاصة. والذي يمكّنها من التجنيد والحفاظ على قاعدة مؤيدين عالمية رغم خسائره الميدانية. وقد أثبتت هذه الأساليب في السابق قدرتها على التفوق على جهود الحكومات والشركات في مكافحتها، وهو خطر يتضاعف بفعل الطبيعة الجديدة لاختراقات الذكاء الاصطناعي. يحذّر الخبراء من أن وصول الذكاء الاصطناعي إلى أيدي تنظيم داعش يمثل نقطة تحوّل جديدة، في وقت يسعى فيه التنظيم وأنصاره إلى تحقيق عودة دولية مدعومة بتطورات متقدمة في المجال الرقمي. من ابتكار مذيعي أخبار مزيفين إلى تأمين مستلزمات لعمليات جديدة، وصولًا إلى تهديدات مستقبلية تلوح في الأفق، يقول صامويل هنتر، كبير العلماء ومدير البحوث الأكاديمية في المركز الوطني للتميز في ابتكار وتكنولوجيا وتعليم مكافحة الإرهاب بجامعة أوماها: لقد انتقلنا من الطرح الافتراضي إلى الواقع في ما يتعلق باستخدام الجماعات المتطرفة للذكاء الاصطناعي.
توليد الإرهاب والتطرف
يبدو أن داعش يستخدم الذكاء الاصطناعي كما هو الحال لدى المستخدم العادي، أساسًا لتعزيز تنفيذ مهام تقليدية. ويتمثل الشكل الأكثر شيوعًا لذلك في استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء المحتوى ونشره بسرعة أكبر وبأساليب أكثر جاذبية. يقول هنتر إن الاستخدام الأكثر شيوعًا لدى المتطرفين، مثل تنظيم داعش، يتمثل في تطوير الدعاية. وأضاف أن التنظيم كان تاريخيًا بارعًا ومتقدمًا رقميًا، ولذلك ليس من المستغرب أن يكون من أوائل من يجربون العمل بالذكاء الاصطناعي التوليدي. ووصف انتقال التنظيم إلى استخدام هذه التكنولوجيا في تطبيقات الفيديو بأنه تطور جديد ومثير للقلق.
من الأمثلة التي لفتت الانتباه العام 2024 ظهور مذيعي أخبار مولدين بالذكاء الاصطناعي يقدمون دعاية لتنظيم داعش عبر الإنترنت، عقب هجوم دموي نفذه التنظيم في قاعة حفلات موسيقية قرب موسكو. كان ذلك مجرد واحد من عدد من المقاطع التي أُنتجت ضمن مبادرة مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، أُطلق عليها اسم حصاد الأخبار، وهدفت إلى سرد أنشطة التنظيم حول العالم. يبدو أن الدافع الرئيسي وراء هذه الحملة هو أنصار أحد أكثر فروع داعش نشاطًا على الصعيد الدولي، وهو فرع خراسان المتمركز في أفغانستان، المعروف باسم داعش خراسان.
تبنّى هذا الفرع اثنين من أكثر الهجمات دموية في تاريخ التنظيم الحديث، من بينها الهجوم في روسيا وهجوم سابق في إيران. رغم أن بعض المنتمين إلى فكر داعش يُبدون تشككًا، بل ورفضًا، لاعتماد التكنولوجيا الحديثة، فإن داعش خراسان سعى إلى نشر الوعي بالمخاطر والفرص المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي عبر مجلة صوت خراسان التي تصدرها مؤسسة العزائم التابعة له. بل إن أنصار التنظيم لجأوا إلى تسليح أشكال مألوفة من الإعلام الغربي، مثل التلاعب بإحدى حلقات مسلسل الرسوم المتحركة الشهير فاميلي غاي لإظهار الشخصية الرئيسية وهي تنشد نشيدًا متطرفًا.
لكن استخدام داعش للذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقتصر على نشر الرسائل المتطرفة. فقد أشار هنتر إلى أن التنظيم يجد سبلًا لتوظيف هذه الأدوات في التخطيط لهجمات حقيقية على أرض الواقع. وتابع إن الاتجاهات في مجالات أخرى تشير إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في تطوير أدوات جديدة، مثل عبوات ناسفة مبتكرة أو تكتيكات جديدة، إما أنه قائم بالفعل أو سيبدأ قريبًا.
وكلاء الذكاء الاصطناعي لدى داعش
الأكثر تأثيرًا وربما الأخطر هو ما يُتوقع مع بزوغ الذكاء الاصطناعي الوكيل، وهو استخدام برامج ذكاء اصطناعي لإدارة عمليات معقدة بشكل أكثر استقلالية وكفاءة مما كان ممكنًا سابقًا. أوضح هنتر أن هذا التطور يزيد من سرعة وحجم الدعاية، ويجعل التعرف عليها ومكافحتها أكثر تعقيدًا، إذ يمكن لما كان يتطلب عددًا من الأشخاص لإنشائه ونشره أن يُنفذ الآن بسرعة وعلى نطاق واسع، مع قدرة مذهلة على تغيير الرسائل واستهداف جماهير مختلفة. أضاف أن إحدى السمات الرئيسية للذكاء الاصطناعي الوكيل هي قدرته على التكيف استنادًا إلى البيانات الآنية والاتجاهات التاريخية والتغيرات غير المتوقعة، ما يجعله أكثر مرونة من نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي التقليدية.
حذّر آدم هادلي، مؤسس ومدير منظمة تكنولوجيا ضد الإرهاب، من أن هذه الاختراقات قد تمنح داعش قدرات أكبر بكثير على التخطيط للهجمات وتنفيذها. واضاف إن وتيرة تطور الذكاء الاصطناعي مذهلة، وإن ما يلوح في الأفق قد يكون مخيفًا، خصوصًا فكرة استخدام الذكاء الاصطناعي كوكيل لتشغيل تقنيات أخرى وتنفيذ عمليات معقدة نيابة عن المستخدم. وأشار إلى أنه قد يصبح ممكنًا خلال أشهر قليلة فقط تكليف نظام ذكاء اصطناعي وكيل بالبحث عبر الإنترنت عن جميع المواد الأولية لصنع القنابل وشرائها وإرسالها إلى عناوين محددة. بعيدًا عن توليد الصور ومقاطع الفيديو الدعائية، التي لا تزال تشكل الغالبية العظمى من محتوى داعش المرتبط بالذكاء الاصطناعي، فإن الذكاء الاصطناعي الوكيل قد ينجز فجأة مهامًا كانت ستستغرق مئات الساعات من عمل الإرهابيين.
التقنيات الناشئة أداة رئيسية لدى الجماعات والتنظيمات المتطرفة
لطالما كان استخدام التقنيات الناشئة أداة رئيسية لدى الجماعات والتنظيمات المتطرفة لكسب جمهور جديد واستغلال فجوات الوعي لدى المؤسسات الخاصة والحكومية. تزامن صعود تنظيم القاعدة في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات مع بدايات عصر الإنترنت، حيث وجد أنصاره بيئة خصبة لنشر الفكر المتطرف عبر مواقع ومنتديات كانت تخضع لرقابة محدودة. كما شكّل استخدام الأشرطة المصورة والأقراص المدمجة مرحلة جديدة مكّنت المتطرفين من نشر مقاطع تدريبية وبث رسائلهم إلى جمهور دولي. أما تنظيم داعش فقد ذهب أبعد من ذلك منذ ظهوره العام 2014، من خلال عمليات اختطاف ومقاطع إعدام نُشرت على الإنترنت. ثم واصل إنتاج كم هائل من المواد الدعائية ومقاطع الفيديو ذات الطابع السينمائي التي تروج لانتصاراته المزعومة في الشرق الأوسط وخارجه.
رغم إعلان هزيمة ما يُسمى بالخلافة عام 2019، لا تزال استراتيجية داعش الإعلامية قائمة بل ومتوسعة، مع إنتاج محتوى بلغات وصيغ أكثر من أي وقت مضى، إلى جانب تصاعد دور داعش-خراسان وفروع أخرى في أفريقيا. في ظل هذه التطورات، تتحرك الحكومات والوكالات الدولية لمحاولة سد الفجوة، لكن السباق مستمر بين تطور التكنولوجيا وسن القوانين، وهو ما يمنح الجماعات المتطرفة فرصة لاستغلال هذا الفراغ، في معركة معقدة بين الأمن القومي والحريات الرقمية.
النتائج
في ضوء المعطيات الواردة، يمكن القول إن استخدام تنظيم داعش للذكاء الاصطناعي يمثل تطورًا نوعيًّا في مسار التهديدات الإرهابية، وليس مجرد امتداد تقني لأدوات دعائية سابقة. فالتنظيم، الذي خسر مساحات واسعة من سيطرته الجغرافية وقدراته العسكرية التقليدية، يسعى بوضوح إلى تعويض هذا التراجع عبر الفضاء الرقمي، مستفيدًا من الطابع اللامركزي والمنخفض الكلفة للتقنيات الحديثة. ويكشف النص أن الذكاء الاصطناعي لم يعد بالنسبة لداعش أداة تجريبية، بل أصبح جزءًا متناميًا من بنيته التشغيلية والدعائية.
يبرز خطر مزدوج. الأول يتمثل في تسريع وتوسيع نطاق الدعاية والتجنيد، حيث يسمح الذكاء الاصطناعي التوليدي بإنتاج محتوى عالي الجودة، متعدد اللغات، ومصمم بدقة لاستهداف فئات بعينها، ما يزيد من صعوبة رصده وإزالته. أما الخطر الثاني، وهو الأشد خطورة، فيكمن في الانتقال من الاستخدام الإعلامي إلى الاستخدام العملياتي، سواء في التخطيط للهجمات أو في تطوير أدوات ووسائل تنفيذها. ومع بروز مفهوم “الذكاء الاصطناعي الوكيل”، يصبح الحديث عن أتمتة بعض مراحل العمل الإرهابي أمرًا واقعيًّا، لا سيما في مجالات جمع المعلومات، واختيار الأهداف، وتأمين المستلزمات اللوجستية.
من المرجح أن يتعمق هذا الاتجاه، خاصة في ظل اتساع الفجوة بين سرعة تطور التكنولوجيا وقدرة الحكومات على تنظيمها. فالجماعات المتطرفة غالبًا ما تتحرك في المناطق الرمادية قانونيًّا وأخلاقيًّا، مستغلة غياب الأطر التنظيمية الصارمة أو ضعف تطبيقها عبر الحدود. كما أن تنامي الأزمات العالمية، من صراعات مسلحة واضطرابات اقتصادية، يوفر بيئة خصبة لاستثمار هذه الأدوات في استقطاب عناصر جديدة، خصوصًا بين الفئات المهمشة أو الساخطة.
من المتوقع أن المواجهة لن تكون تقنية فقط، بل سياسية ومجتمعية أيضًا. فالاكتفاء بتشديد الرقابة على المحتوى أو سن قوانين متأخرة قد يثبت محدودية جدواه، إذا لم يُرافقه فهم أعمق لديناميكيات الخوارزميات، ومساحات الإنترنت غير المنظمة، والدوافع الاجتماعية التي يستغلها التنظيم. كما ستواجه الديمقراطيات معضلة حقيقية بين تعزيز الأمن القومي والحفاظ على الحريات الرقمية، وهي معادلة معقدة قد تمنح داعش هامشًا للمناورة إذا أسيء التعامل معها.
خلاصة القول، إن الذكاء الاصطناعي يفتح أمام التنظيمات المتطرفة جبهة جديدة منخفضة الكلفة وعالية التأثير، ما يفرض على الدول اعتماد مقاربات استباقية وشاملة، تجمع بين التطوير التقني، والتعاون الدولي، والمعالجة الفكرية والاجتماعية، لتجنب تحول هذه الأدوات إلى عامل ترجيح في ميزان التهديدات الإرهابية المستقبلية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112996
