المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ كيف تخطط ألمانيا لمكافحة التهديدات الهجينة والإرهابية؟
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة والتهديدات الأمنية غير التقليدية التي تشهدها الساحة الدولية، خطا المشرع الألماني خطوة استراتيجية حاسمة لتعزيز ترسانته القانونية والقضائية. فقد صادق المجلس الاتحادي الألماني (البوندسرات) بشكل نهائي على حزمة تشريعية شاملة تهدف إلى تشديد المسؤولية الجنائية وتوسيع نطاق العقوبات المتعلقة بجرائم الإرهاب والتجسس، وهو ما يمثل تحولاً جوهرياً في تدابير الوقاية داخل الدولة الألمانية لعام 2026.
سياق التحول التشريعي ودوافعه الأمنية
يأتي هذا القانون الجديد كتطوير جذري للمنظومة الجنائية، حيث لم يعد الإرهاب في المنظور القانوني الألماني محصوراً في الوسائل التقليدية المتفجرة أو الأسلحة النارية فحسب. فقد أقرت الحكومة الاتحادية بأن “الأدوات الإجرامية” شهدت تحولاً نحو “العولمة البسيطة”، حيث أصبحت الأشياء اليومية المتاحة للعامة، كالسكاكين ووسائل النقل بأنواعها، أدوات محتملة لتنفيذ مخططات إرهابية كبرى. تستند هذه التعديلات إلى ضرورة تنفيذ توجيهات الاتحاد الأوروبي الصارمة بشأن مكافحة الإرهاب، والتي تسعى إلى توحيد المعايير العقابية بين دول الأعضاء. كما يهدف القانون إلى سد الثغرات التي كانت تستغلها أجهزة الاستخبارات الأجنبية في ممارسة أنشطة النفوذ والتجسس على الأراضي الألمانية، مما يجعل من هذا التشريع درعاً قانونياً مزدوجاً يحمي الأمن الداخلي من جهة، والسيادة الوطنية من التدخلات الخارجية من جهة أخرى.
إعادة تعريف الأدوات الإجرامية في القانون الجنائي
أبرز ما جاء في هذا التحول هو توسيع قائمة “الأدوات الإجرامية” لتشمل أدوات الاستخدام اليومي. وقد أكد البيان الصادر عن المكتب الصحفي للحكومة الاتحادية أن الواقع الأمني أثبت تزايد الاعتماد على المركبات والسكاكين في الهجمات الإرهابية، وهو نمط يصعب التنبؤ به بالوسائل التقليدية. وبناءً على ذلك، فإن حيازة هذه الأدوات أو التحضير لاستخدامها ضمن سياق إرهابي أصبح يشكل جريمة قائمة بذاتها، حتى قبل وقوع الفعل المادي. إن تجريم “التحضير لأعمال إرهابية باستخدام أدوات يومية” يمنح الأجهزة الأمنية والادعاء العام قدرة استباقية أكبر على التدخل القانوني. فلم يعد القانون ينتظر وقوع الكارثة، بل بات يلاحق النية المقترنة بتجهيز هذه الوسائل، وهو ما يعكس استجابة برلين للوضع الأمني المتغير والمحفوف بالمخاطر.
مواجهة المقاتلين الأجانب والرحلات المشبوهة
يتصدى القانون الجديد بصرامة لظاهرة “المقاتلين الأجانب”. فقد جرم التشريع الجديد بشكل صريح الرحلات التي تتم إلى مناطق النزاع أو “مناطق الخطر” إذا ثبتت فيها النوايا الإرهابية، كما جرم العودة منها. هذا البعد العابر للحدود في القانون يسعى إلى قطع الطريق أمام تدفق المتطرفين وإعادة تصديرهم إلى الداخل الألماني. علاوة على ذلك، تم توسيع نطاق المسؤولية الجنائية عن تمويل الإرهاب لتشمل أدق التفاصيل. فلم يعد العقاب مقتصراً على تحويل مبالغ مالية ضخمة، بل امتد ليشمل مجرد “محاولات الدعم” وجمع التبرعات، حتى في الحالات التي لا يتم فيها تحويل الأموال فعلياً إلى المنظمات الإرهابية. إن مجرد الشروع في جمع المال لصالح جهة محظورة يُعد الآن جريمة مكتملة الأركان، مما يضيق الخناق على الشبكات المالية الداعمة للتطرف.
تشديد العقوبات على التجسس والنفوذ الأجنبي
استحدث القانون مادة في قانون العقوبات تتعلق بـ “عمليات النفوذ الأجنبي”. هذا التعديل يستهدف العقول المدبرة والمنفذين الذين يعملون لصالح أجهزة استخبارات أجنبية لممارسة ضغوط أو نفوذ غير قانوني داخل ألمانيا. وتصل العقوبات في هذه الحالات إلى السجن لمدة خمس سنوات أو الغرامة المالية، مع التركيز بشكل خاص على حماية المعارضين السياسيين الأجانب المقيمين في ألمانيا من التهديدات أو الإكراه الذي قد تمارسه أنظمة بلدانهم الأصلية. أما في جرائم التجسس التقليدية، فقد تم رفع العقوبة الأساسية لتتراوح ما بين ستة أشهر وعشر سنوات من السجن. هذا الارتفاع الملحوظ في سقف العقوبة يعكس جدية الدولة في التعامل مع التهديدات السيبرانية والبشرية التي تستهدف أسرار الدولة أو استقرارها السياسي والاقتصادي.
المسار التشريعي والتوافق السياسي
مر هذا القانون بمسار تشريعي مكثف، بدأ بموافقة البوندستاغ (البرلمان) في نهاية يناير 2026، وتوّج بموافقة البوندسرات (المجلس الاتحادي). هذا التوافق بين غرفتي البرلمان يعكس إدراكاً سياسياً شاملاً لخطورة المرحلة. ويهدف في جوهره إلى تعزيز السلامة العامة من خلال سد الثغرات القانونية في مواجهة التعبئة الفردية (الذئاب المنفردة) التي تستخدم الأشياء البسيطة، وفي مواجهة الأنظمة الاستخباراتية المعقدة التي تحاول العبث بالنسيج الاجتماعي والسياسي الألماني.
النتائج
تشير القوانين الجديدة التي أقرتها ألمانيا إلى تحول استراتيجي عميق في مفهوم “الأمن الشامل”، حيث بدأت الدولة في دمج الأدوات المدنية والقانونية ضمن منظومة الدفاع والردع. هذه التوجهات ترسم ملامح مستقبلية تتسم بالرقابة الاستباقية والجاهزية الدائمة لمواجهة تهديدات غير تقليدية.
من المتوقع أن يؤدي إدراج “الأدوات” كالسكاكين ووسائل النقل كأدوات جرمية محتملة إلى توسيع صلاحيات الأجهزة الأمنية في مراقبة الفضاءات العامة وتحليل السلوكيات الفردية بناء على معطيات استباقية. هذا القانون ليس مجرد رد فعل على هجمات سابقة، بل هو تأسيس لبنية قانونية تتيح للدولة التدخل قبل وقوع الفعل الإجرامي عبر تجريم “التحضير” بأدوات بسيطة، مما قد يثير نقاشات مستقبلية حول التوازن بين الخصوصية والأمن.
على صعيد التجسس والعمليات الخارجية، تعكس العقوبات المشددة إدراك برلين بأن الساحة الداخلية الألمانية أصبحت ميدانا لصراعات دولية. مستقبلا، قد نرى تزايدا في الملاحقات القضائية التي تطال شبكات التأثير العابر للحدود، ليس فقط في الجوانب العسكرية، بل في الجوانب السياسية والاجتماعية. تجريم عمليات النفوذ ضد المعارضين المقيمين في ألمانيا يشير إلى رغبة الدولة في بسط “سيادة أمنية” كاملة تحمي جميع القاطنين على أراضيها من ضغوط القوى الخارجية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116931
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
