خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ كيف أعادت التهديدات الإرهابية تشكيل سياسات تأمين الفعاليات في أوروبا؟
تفتتح أسواق عيد الميلاد الأوروبية خلال ديسمبر من العام 2025 وسط إجراءات أمنية مشددة وارتفاع في التكاليف التشغيلية، بينما تستجيب السلطات في ألمانيا وفرنسا ومناطق أخرى في أوروبا لما تصفه بتهديدات متزايدة تمس السلامة العامة. في ألمانيا، ارتفعت نفقات تأمين الفعاليات العامة، بما في ذلك أسواق عيد الميلاد، بنحو 44% منذ العام 2022 وحتى العام 2025، وفقًا لمسح جديد صادر عن الرابطة الاتحادية لتسويق المدن والبلدات. وقد بدأ السوق الرئيسي في برلين هذا الموسم خلف حواجز إسمنتية، ورقابة فيديو معززة، ووجود موسع لشركات الأمن الخاصة. وتحذر عدة بلديات صغيرة من أن المتطلبات الإضافية قد تضطرها إلى تقليص فعاليات الأسواق أو إلغائها العام 2026.
إجراءات مكافحة الإرهاب في ألمانيا تتجاوز مسؤوليات منظمي الفعاليات المحلية
يقول ديفيد روس، رئيس الإنتاج في سوق جندارمن ماركت في برلين: “المتطلبات أصبحت أكثر صرامة، لكن هذه الإجراءات المتشددة، بحسب قوله، تمنح الزوار شعورًا بالطمأنينة، تابع روس: “يمكنني أن أترك كل شيء خلفي هنا أشعر بالأمان”. ورغم حصول العديد من المدن على تمويل عام لتشغيل الأسواق الموسمية، فإن البلديات الصغيرة والمنظمين من القطاع الخاص غالبًا ما يتحملون معظم النفقات. وقد بدأ المسؤولون المحليون بمطالبة الولايات الألمانية الست عشرة بتحمل جزء أكبر من العبء المالي، مؤكدين أن إجراءات مكافحة الإرهاب تتجاوز مسؤوليات منظمي الفعاليات المحلية. تأتي هذه الترقيات بعد الهجوم بسيارة رباعية الدفع في سوق عيد الميلاد بمدينة ماغديبورغ في ديسمبر 2024، والذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة أكثر من ثلاثمئة. ومنذ ذلك الحين، عززت العديد من المدن الألمانية بنيتها التحتية، وأعادت النظر في خطط إدارة الحشود، ورفعت مستوى الرقابة في التجمعات الموسمية الكبرى.
فرنسا، مستوى التهديد الإرهابي بأنه “مرتفع جدًا”
سارت فرنسا في الاتجاه نفسه. فقد ألغت السلطات حفل رأس السنة المعتاد في جادة الشانزليزيه بعد أن أثارت الشرطة مخاوف بشأن إدارة الحشود، وحين وصفت وزارة الداخلية مستوى التهديد الإرهابي بأنه “مرتفع جدًا”. وصنفت الوزارة أسواق عيد الميلاد والفعاليات الشتوية الأخرى كـ “أحداث عالية المخاطر”، ما دفع المدن إلى نشر مزيد من عناصر الأمن، واستحداث نقاط فحص جديدة، وفرض قيود على الدخول عند الضرورة. يقول آلان منديزوا، المدير التنفيذي لجمعية هنري جاكسون: “إن السؤال الحقيقي هو لماذا تتسامح الحكومات الأوروبية مع وضع يفرض عليها نشر إجراءات أمنية استثنائية كي يتمكن الناس من الاحتفال بتقليد ظل جزءًا من الحياة الأوروبية لقرون”.
أضاف جاكسون: “هم يستجيبون للتهديد، لكنهم لا يواجهون المتطرفين الذين يسببونه. لماذا يُطلب من الأوروبيين تجاوز طبقات من الأمن بدلًا من أن تجعل السلطات حياة ناشري الكراهية والتهديد أكثر صعوبة؟”. تابع منديزوا: “أوروبا بحاجة إلى استراتيجية صارمة تستهدف المتطرفين سجنهم، أو ترحيلهم إذا لم يكونوا مواطنين لأنه لا يمكن مواجهة هذه المخاطر بالتحصينات وحدها إلى ما لا نهاية. ستزداد الإجراءات الأمنية كل عام ما لم تُعالج الأسباب الجذرية، الأوروبيون يزدادون ضيقًا مما يحدث في مجتمعاتهم، وإذا لم يقدم القادة الحاليون تغييرًا حقيقيًا فسيختار الناخبون قادة آخرين”.
دول أوروبية أخرى تعزز عملياتها
تعزز دول أوروبية أخرى عملياتها خلال موسم الأعياد. بات يخضع سوق عيد الميلاد الشهير في سالزبورغ بالنمسا، الذي يجذب نحو 1.5 مليون زائر سنويًا، لرقابة مستمرة على مدار الساعة بواسطة أمن خاص وشبكة من 33 كاميرا مخصصة. وفي مناطق أخرى في النمسا، بما فيها ولاية شتايريا، ألغيت بعض الأسواق بالكامل لأن المنظمين يقولون إنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف الإجراءات الأمنية المفروضة. وفي براغ، وُضعت كتل إسمنتية كبيرة على ضفاف الأنهار الشعبية وحول مناطق الحركة الكثيفة، كما زادت الشرطة من دورياتها لمراقبة الأهداف المحتملة. وفي بودابست، انتشر مزيد من عناصر الشرطة بالزي المدني وسط الحشود لرصد السلوكيات المشبوهة وتسريع الاستجابة عند الحاجة.
يرى بن كوهين، المحلل الأول في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: “إن السلطات تتعامل بجدية متزايدة مع موسم الأعياد”. وأضاف: “”مستوى التهديد بالتأكيد مماثل للعام 2024، بل ربما أشد حدة، ولهذا تزيد السلطات في ألمانيا وفرنسا إجراءاتها الأمنية في أسواق عيد الميلاد والمهرجانات. خلال العام 2024، شدّد البلدان حملتهما على الأنشطة المتطرفة، لذا سيكونان متيقظين بشكل خاص في العام 2025″. تابع قائلًا: “عمومًا، تُعد المهرجانات المسيحية واليهودية أهدافًا سهلة للمتطرفين، كما ظهر في الهجوم على كنيس في مانشستر خلال أكتوبر 2025. ويحمل عيد الميلاد وعيد الفصح المخاطر ذاتها، وبالتالي فإن اليقظة الإضافية وحضور الشرطة المسلحة بشكل قوي لكن غير لافت أمر ضروري”. رغم كل هذه التعديلات، تظل العديد من الأسواق في أوروبا مفتوحة وتستقطب حضورًا كبيرًا، وإن كان ذلك وسط إجراءات أمنية أشد وضوحًا. ويقول مسؤولون في عدة دول إن هذه الإجراءات ستظل قائمة ما دامت مستويات التهديد مرتفعة.
النتائج
يشير المشهد الأمني المصاحب لافتتاح أسواق عيد الميلاد الأوروبية في ديسمبر 2025 إلى تحوّل تدريجي لكنه واضح في كيفية إدارة المدن الأوروبية للتجمعات العامة. فالتهديدات الإرهابية وإن كانت غير جديدة على القارة، فإن نمطها المتغير وتوسعها في استهداف التجمعات التقليدية والمناسبات الدينية دفع السلطات إلى الانتقال من نمط “الحماية المؤقتة” إلى نمط “التحصين الدائم”. ويبرز ذلك في الزيادة اللافتة بنحو 44% في ميزانيات الأمن للفعاليات العامة في ألمانيا منذ العام 2022، وفي الإجراءات المشددة التي تبنتها فرنسا، والتي وصلت إلى حد إلغاء حدث رئيسي مثل احتفالات رأس السنة في جادة الشانزليزيه.
يعكس هذا التحول إدراكًا متزايدًا بأن الأسواق الموسمية والمهرجانات الشعبية لم تعد مجرد فعاليات ثقافية، بل باتت مرتبطة بمخاطر تنامت خلال السنوات الماضية نتيجة عودة خلايا فردية التطرف، وأنماط “الذئاب المنفردة”، وتوسع الهجمات التي تستهدف الرموز الدينية والثقافية. ويبدو أن هذا الإدراك دفع دولًا أخرى مثل النمسا وتشيكيا والمجر إلى تبني نموذج أمني أشمل يعتمد على المراقبة المستمرة، وإدارة الحشود، ونشر عناصر أمنية بالزي الرسمي والمدني، ما يشير إلى توجه أوروبي نحو “مأسسة الأمن الاحتفالي”.
لا يتعلق التحدي الأساسي الذي يلوح في الأفق فقط بالأمن، بل بقدرة البلديات الصغيرة والمنظمين المستقلين على تحمل التكاليف المتصاعدة. فالمخاوف التي عبّرت عنها بعض المدن الألمانية بشأن احتمال إلغاء أسواق العام 2026 تفتح نقاشًا سياسيًا أوسع حول مسؤولية الحكومات المحلية مقابل مسؤولية الحكومات الإقليمية والفدرالية في تمويل إجراءات مكافحة الإرهاب. ومن المرجح أن يدفع هذا الجدل نحو مراجعة أطر التمويل وتوزيع الأعباء بشكل أكثر عدالة، خصوصًا بعد الهجوم الذي شهدته ماغديبورغ عام 2024.
قد تسهم هذه التطورات على المستوى السياسي، في تعزيز الخطاب الذي يتبنى مواقف أكثر تشددًا تجاه الهجرة والتطرف، كما يشير الخبراء. وقد تشهد أوروبا خلال الأعوام المقبلة صعود أحزاب أو تيارات تطالب بسياسات أمنية وهجومية أكثر قوة، مدفوعة بارتفاع القلق الشعبي من استمرار حالة التأهب. وإذا لم تنجح الحكومات القائمة في تحقيق توازن بين الأمن والحريات العامة، فقد يؤدي ذلك إلى تغيرات انتخابية ملموسة، خصوصًا في دول تشهد بالفعل صعودًا للأحزاب الشعبوية.
من المتوقع استمرار الإجراءات الأمنية المكثفة خلال مواسم الأعياد، وربما توسعها إلى أحداث ثقافية ورياضية أخرى. وستظل الحكومات الأوروبية تعتمد على نهج مزدوج يجمع بين الردع الأمني والمراقبة الوقائية، في انتظار مراجعة شاملة لأسباب التطرف التي ما تزال غير محصورة بوضوح.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=112512
