خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
زعمت جماعة” نصرة الإسلام والمسلمين” أنها قتلت أكثر من 100 جندي، وعرضت صورًا لنحو 20 جنديًا قالت إنهم أُسروا في القاعدة. كان هجوم بولكيسي واحدًا من أكثر من 12 هجومًا شنّته جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على مواقع عسكرية وبلدات في مالي وبوركينا فاسو والنيجر خلال مايو ويونيو 2025.
أكد محللون وخبراء أمنيون، أن تصاعد العنف يعكس تحوّلًا استراتيجيًا من جانب جماعة نصرة الإسلام والمسلمين. وقالوا إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين تنتقل من تكتيكات حرب العصابات الريفية إلى حملة تهدف إلى السيطرة على الأراضي المحيطة بالمراكز الحضرية وتأكيد الهيمنة السياسية في منطقة الساحل.
يقول مجاهد دورماز، كبير محللي شؤون أفريقيا في مجموعة فيريسك مابلكروفت لاستخبارات المخاطر: “الهجمات الأخيرة تشير إلى جهد ملموس لتطويق عواصم منطقة الساحل، بهدف إقامة دولة موازية تمتد من غرب مالي إلى جنوب النيجر وشمال بنين”. وأسفرت هجمات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين عن مقتل أكثر من 850 شخصًا في مالي وبوركينا فاسو والنيجر في مايو 2025، وهو ما يمثل ارتفاعًا عن متوسط معدل القتلى الذي بلغ نحو 600 في الأشهر السابقة، وفقًا لبيانات من مجموعة مراقبة الأزمات الأميركية “بيانات مواقع وأحداث الصراعات المسلحة” (ACLED).
يقول المحللون إن تصاعد الهجمات في مايو ويونيو 2025 يمثّل واحدة من أكثر الفترات خطورة في تاريخ منطقة الساحل الحديث، ويؤكد على التهديد الذي تشكله الجماعات المتطرفة، في وقت أصبحت فيه الحكومات الإقليمية منفصلة عن حلفائها العسكريين الغربيين السابقين.
توتر الاستقرار الإقليمي وتأجيج الهجرة نحو أوروبا
تسبّب أكثر من عقد من الأزمات في منطقة الساحل في نزوح جماعي وانهيار اقتصادي. وامتد العنف بشكل مطرد نحو ساحل غرب أفريقيا، مما أدى إلى توتر الاستقرار الإقليمي وتأجيج الهجرة نحو أوروبا. وفي الأول من يوليو 2025، نفّذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هجمات متزامنة على معسكرات ومواقع للجيش في سبع بلدات في وسط وغرب مالي.
المحور الاستراتيجي
كان لزعيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، إياد أغ غالي، دور فعّال في تحولها. كان أغ غالي زعيمًا سابقًا في انتفاضات الطوارق في مالي في تسعينيات القرن الماضي، وقاد جماعة أنصار الدين التي كانت جزءًا من تحالف الجماعات التي احتلت شمال مالي لفترة وجيزة في عام 2012.
فرضت الجماعات المسلحة نسخة متشددة من الشريعة الإسلامية، ففرّ الآلاف، قبل أن يُطرد تلك الجماعات بفضل تدخل عسكري فرنسي. أغ غالي مطلوبٌ من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ووعد القادة العسكريون في مالي وبوركينا فاسو والنيجر، الذين استولوا على السلطة بين عامي 2020 و2023 على خلفية التمردات المطوّلة، باستعادة الأمن قبل إعادة بلدانهم إلى الحكم الديمقراطي. لقد قطعوا علاقاتهم مع الدول الغربية وطردوا قواتها، وألقوا باللوم عليها لفشلها في إنهاء التمرد، ولجأوا بدلًا من ذلك إلى روسيا للحصول على الدعم العسكري.
وبعد نشر المرتزقة، عانت روسيا من انتكاسات، ولم تتمكن من احتواء الانتفاضات. وفي بوركينا فاسو وهي دولة يبلغ حجمها نصف مساحة فرنسا تقريبًا تمارس تلك الجماعات نفوذهم أو سيطرتهم على ما يُقدّر بنحو 60% من الأراضي، وفقًا لمشروع بيانات أحداث الصراعات المسلحة.
وقد وضع أغ غالي، الذي أعلن ولاءه لتنظيم القاعدة، نفسه زعيمًا لتحالف جهادي يضم تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، والمرابطون، وكتيبة ماسينا، بعد اندماجهم في جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في عام 2017.
أكد مصدر أمني غربي، طلب عدم الكشف عن هويته لأنه غير مخوّل له بالحديث علنًا: “إن جماعة نصرة الإسلام والمسلمين برزت كأقوى جماعة متشددة في المنطقة، حيث يُقدّر عدد مقاتليها بنحو 6000 إلى 7000”. وقال المحللون إن هدف أغ غالي هو فرض الحكم الإسلاموي في جميع أنحاء منطقة الساحل، وتوسيع نفوذه إلى الساحل الغربي لأفريقيا، وهي منطقة يبلغ حجمها ضعف مساحة أوروبا الغربية، ويبلغ عدد سكانها نحو 430 مليون نسمة، كثير منهم مسيحيون.
تكتيكات متطورة وتواصل محلي
يقول دورماز إن تكتيكات المعركة التي تنتهجها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أصبحت أكثر تعقيدًا على نحو متزايد، بما في ذلك استخدام الأسلحة المضادة للطائرات، والطائرات بدون طيار للمراقبة والضربات الدقيقة. وأكد المحللون إن التنظيم نجح في تجميع موارد ضخمة من خلال الغارات، وسرقة الماشية، واختطاف البضائع، والخطف، وفرض الضرائب على المجتمعات المحلية.
ورغم أنها لم تُعيّن مسؤولين محليين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فرضت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين ضريبة من أجل الحماية. لقد نجحوا في تهدئة بعض النزاعات الطائفية، وفرضوا شكلًا من أشكال الشريعة الإسلامية المتشددة.
ووصف هيني نصايبة، المحلل البارز لشؤون غرب أفريقيا في مركز ACLED، نشاط المجموعة الأخير بأنه “تغيير جذري”. وتابع: “إن سيطرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على مدينة جيبو، عاصمة مقاطعة شمال بوركينا فاسو، والتي يبلغ عدد سكانها أكثر من 60 ألف نسمة، في 11 مايو 2025، وعلى مدينة دياباجا، عاصمة المقاطعة الشرقية التي يبلغ عدد سكانها حوالي 15 ألف نسمة بعد يومين، أمر غير مسبوق. وأضاف: “إن المجموعة استولت على ذخائر تُقدّر قيمتها بثلاثة ملايين دولار في جيبو وحدها”.
طموحات جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين “تتجاوز منطقة الساحل
تركت الهجمات المتكررة عاصمتي مالي وبوركينا فاسو في حالة من عدم الاستقرار، وفكرة سيطرة جماعة نصرة الإسلام والمسلمين على باماكو أو واغادوغو والتي كانت تُعتبر في السابق بعيدة المنال أصبحت الآن تهديدًا محتملاً”.
يرى المحللون إن التواصل الذي قامت به جماعة نصرة الإسلام والمسلمين مع المجتمعات المهمّشة، وخاصة الفولاني، وهي مجموعة رعوية متفرقة على نطاق واسع، كان له دور محوري في التجنيد. يقول دورماز: “تُروّج جماعة نصرة الإسلام والمسلمين لروايتها كمدافعة عن المجتمعات المهمّشة. إنهم لا يقاتلون من أجل الأرض فحسب، بل من أجل الشرعية”.
تتجاوز طموحات جماعة نصرة الإسلام والمسلمين منطقة الساحل؛ فقد وسّعت الجماعة عملياتها لتشمل شمال بنين وتوغو، وتُهدّد دول خليج غينيا التي تستخدمها كقاعدة خلفية”. أكد دورماز: “توغو وبنين هما الأكثر عرضة للخطر بسبب قدراتهما المحدودة في مكافحة الإرهاب، والمظالم المحلية القائمة في مناطقهما الشمالية، والحدود غير المحكمة مع بوركينا فاسو”.
تداعيات توسع نفوذ الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل على أوروبا
موجة هجرة جديدة: يدفع استمرار العنف في منطقة الساحل مزيدًا من السكان إلى النزوح الجماعي، خصوصًا من المناطق الريفية التي تسيطر عليها الجماعة. هذا النزوح يتحوّل غالبًا إلى هجرة نحو الشمال إلى السواحل الأوروبية، خاصة في إيطاليا وإسبانيا. قد تواجه أوروبا ضغوطًا متزايدة على أنظمتها الحدودية وبرامج اللجوء، مما يثير توترات سياسية داخلية بين الدول الأعضاء.
تنامي التهديدات الإرهابية عبر الحدود: توسع الجماعات المتطرفة في منطقة الساحل يعني اكتساب ملاذات آمنة يمكن استخدامها كقواعد لتخطيط وتنفيذ عمليات خارجية. ومع تزايد قدراتهم على جمع التمويل وتطوير التكتيكات، قد تصبح قادرة على تنفيذ أو تحفيز هجمات إرهابية في أوروبا. التهديدات تزداد خاصة في الدول الأوروبية التي تضم جاليات كبيرة من دول الساحل، في حال استُغلت الروابط الاجتماعية والدينية في عمليات التجنيد أو التحريض.
تراجع النفوذ الأوروبي في أفريقيا: إن طرد فرنسا وشركائها الأوروبيين من مالي وبوركينا فاسو، واتجاه هذه الدول نحو روسيا، تفقد أوروبا موطئ قدم استراتيجيًا في منطقة حساسة. تراجع الوجود الأمني الأوروبي قد يُضعف قدرة الاستخبارات على رصد الشبكات الإرهابية وتحركاتها في الوقت الفعلي. سيُسهم ذلك في إضعاف الشراكات الأوروبية الأفريقية في ملفات الأمن، التنمية، والهجرة.
تحدي إضافي لأجهزة الاستخبارات الأوروبية: تعقيد المشهد في الساحل يجعل من الضروري تطوير أدوات المراقبة والتحليل، خاصة في ظل غياب ميداني مباشر بعد طرد القوات الأوروبية. الحاجة إلى تعاون أوسع مع دول شمال أفريقيا التي تمثل نقاط عبور مهمة، ستزداد أهمية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=106224
