المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
مكافحة الإرهاب ـ تداعيات هروب سجناء داعش في سوريا والتدابير الواجب اتخاذها
شكل هروب عناصر من تنظيم داعش من سجون كانت خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا، خلال يناير 2026، تطورًا أمنيًا بالغ الخطورة، خصوصًا أنه جاء في سياق تحولات سياسية وعسكرية عميقة أعقبت انسحاب قوات قسد من مناطق استراتيجية وانتقال السيطرة التدريجية إلى الحكومة السورية. لا يمكن التعامل مع هذا الحدث بوصفه حادثًا أمنيًا عابرًا، بل ينبغي قراءته كمؤشر على خلل بنيوي في إدارة ملف معتقلي التنظيم، مع تداعيات تتجاوز الجغرافيا السورية لتطال الأمن الإقليمي والأوروبي.
جاءت عملية الهروب في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تميزت بتفكك الترتيبات الأمنية السابقة بين التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية، وبانحسار الدور الأميركي المباشر في إدارة مراكز الاحتجاز، إلى جانب تصاعد الخلافات بين قسد ودمشق حول آليات دمج القوات والسيطرة على الموارد والسجون. هذا الواقع أفرز فراغًا أمنيًا مؤقتًا، سرعان ما تحول إلى فرصة مواتية للجماعات المسلحة، سواء عبر هجمات مباشرة على السجون أو نتيجة فوضى السيطرة الناجمة عن تبدل الجهات المسؤولة. الجهاديون ـ كيف تغيرت خريطة نشاط داعش عالميًا؟
التداعيات الأمنية داخل سوريا
يمثل هروب عناصر متمرّسة قتاليًا فرصة حقيقية لتنظيم داعش لإعادة تنظيم صفوفه وبناء شبكات لوجستية وخلايا نائمة، مستفيدًا من خبرات ميدانية تراكمت خلال سنوات الصراع. يوفر الحدث مادة دعائية للتنظيم تعزز سردية “كسر السجون” التي استخدمها تاريخيًا لرفع المعنويات واستقطاب عناصر جديدة. وتؤكد تجارب سابقة، مثل هروب سجناء أبو غريب في العراق عام 2013 وهجوم سجن الحسكة عام 2022، أن مثل هذه الأحداث غالبًا ما تسبق موجات جديدة من العنف وعدم الاستقرار. في الوقت ذاته، أعادت الحادثة تسليط الضوء على هشاشة منظومة الاحتجاز في شمال شرق سوريا، حيث تحولت السجون من أدوات احتواء إلى نقاط ضعف استراتيجية، في ظل غياب إدارة موحدة، ونقص الحماية التقنية والاستخباراتية، فضلًا عن استخدامها كورقة ضغط وتفاوض سياسي بين الأطراف المحلية المتصارعة.
التداعيات الإقليمية
تتجاوز انعكاسات هروب سجناء داعش الحدود السورية، إذ تزداد احتمالات تسلل عناصر فارّة إلى الأراضي العراقية عبر البادية السورية، ما يعزز التنسيق بين فرعي التنظيم في سوريا والعراق، ويضاعف الضغوط على الأجهزة الأمنية العراقية. كما يسعى التنظيم إلى استثمار الحدث دعائيًا، باعتباره دليلًا على استمرارية حضوره وقدرته على تحدي خصومه، الأمر الذي قد يحفّز أنصاره على تنفيذ هجمات فردية أو عمليات محدودة النطاق في المنطقة. من جهة أخرى، من المرجح أن يؤدي هذا التطور إلى تجدد التوتر التركي–الكردي، إذ تستخدم أنقرة مثل هذه الحوادث لتأكيد موقفها القائل بعدم أهلية قوات قسد لإدارة ملفات أمنية عالية الخطورة، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية أو تحركات عسكرية إضافية في شمال سوريا.
التداعيات على الأمن الأوروبي
تحمل حادثة الهروب أبعادًا مقلقة للأمن الأوروبي، خصوصًا أن سجون شمال شرق سوريا تضم أعدادًا من المقاتلين الأجانب، بينهم أوروبيون أو أشخاص على صلة مباشرة بدول الاتحاد. ويعني ذلك ارتفاع احتمالات العودة غير الشرعية، أو انتقال بعض الفارّين عبر شبكات تهريب باتجاه أوروبا، بما يرافقه من مخاطر تنفيذ هجمات فردية أو إعادة تنشيط خلايا نائمة داخل المجتمعات الأوروبية. كما تعيد الحادثة إلى الواجهة مأزق السياسات الأوروبية المتبعة منذ سنوات، والقائمة على الإبقاء على المقاتلين الأجانب خارج الحدود الأوروبية. هذا النهج بات أقل قابلية للاستمرار، في ظل هشاشة الوضع الأمني في سوريا، وما يرافقه من مخاطر قانونية وأخلاقية وسياسية تتعلق بمسؤولية الدول الأوروبية عن رعاياها.
استغلال تنظيم داعش للفراغ السياسي بين قسد وحكومة الشرع
أعاد التصعيد الأمني الأخير في شمال وشرق سوريا، وما رافقه من انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من مناطق استراتيجية وانتقال السيطرة التدريجية إلى حكومة الرئيس أحمد الشرع، طرح سؤال جوهري حول الجهة الأكثر استفادة من حالة الفراغ السياسي والأمني الناتجة عن هذا التحول. وفي مقدمة المستفيدين يبرز تنظيم داعش، الذي لطالما أجاد توظيف الفجوات السلطوية ومراحل الانتقال غير المستقرة لإعادة التموضع واستعادة النشاط. يمثل الخلاف بين قسد وحكومة الشرع بيئة مثالية لداعش، ليس فقط بسبب ضعف التنسيق الأمني بين الطرفين، بل لأن كلًا منهما ينظر إلى المرحلة من زاوية سياسية مختلفة. فبينما تسعى دمشق إلى تثبيت سيادتها وبسط السيطرة الرمزية والعسكرية بسرعة، تحاول قسد الحفاظ على أكبر قدر ممكن من النفوذ السياسي والعسكري، أو على الأقل تحسين شروط الاندماج. هذا التباين في الأولويات أوجد مساحة رمادية على الأرض، لا تخضع لسيطرة أمنية محكمة، وهو ما اعتاد التنظيم استغلاله تاريخيًا.
في هذا السياق، تتحول المناطق الواقعة بين خطوط الانتشار، ومحيط السجون، وأطراف المدن، إلى مساحات رخوة أمنيًا. داعش لا يحتاج إلى السيطرة المكانية الواسعة كما في مرحلة “الخلافة”، بل يكتفي اليوم بحرية الحركة، والقدرة على التخفي، وإعادة بناء الشبكات المحلية. الفراغ السياسي يمنحه هذه الفرصة، خصوصًا عندما تنشغل الأطراف المتصارعة بتثبيت مكاسبها أو إدارة خلافاتها بدل التركيز على التهديد الجهادي. يستفيد التنظيم من التناقض في السرديات المتبادلة بين قسد ودمشق. فالاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن حماية السجون أو التسبب في هروب المعتقلين تضعف الثقة المتبادلة، وتحدّ من فرص التنسيق الاستخباراتي الفعّال. وفي مثل هذه البيئات، يتحرك داعش بأريحية أكبر، مستفيدًا من غياب مركز قرار أمني موحد، ومن تردد التحالف الدولي في التدخل المباشر خلال مراحل إعادة التموضع السياسي. داعش مابين واقع قوات “قسد” في سوريا وتحديات العلاقة مع دمشق
من ناحية أخرى، يوظف التنظيم هذا الفراغ سياسيًا وإعلاميًا، عبر تقديم نفسه كقوة ثابتة في مقابل سلطات متنازعة أو عاجزة . هذه السردية تجد صدى لدى بعض البيئات الهشة، خصوصًا في المناطق العربية التي تنظر بريبة إلى كل من قسد والسلطة المركزية في دمشق. ومع كل حادثة هروب من السجون أو فشل أمني، يعزز داعش خطابه القائم على أن خصومه منشغلون بصراعاتهم الداخلية وغير قادرين على فرض الاستقرار. ويكتسب استغلال الفراغ بعدًا أكثر خطورة في ملف السجون، حيث تشكّل مراكز احتجاز داعش إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية في المرحلة الحالية. فغياب اتفاق واضح ومستقر حول الجهة المسؤولة عن إدارتها، وحمايتها، وآليات التعامل مع المعتقلين، يخلق ثغرات أمنية مباشرة. هذه الثغرات لا تؤدي فقط إلى هروب محتمل، بل تتيح أيضًا للتنظيم التواصل مع عناصره داخل السجون، وإعادة تنشيط شبكات الدعم الخارجي.
إقليميًا، يعزز هذا الواقع من فرص الربط بين داعش سوريا وداعش العراق، إذ يشكّل الفراغ الأمني في شرق سوريا ممرًا طبيعيًا لإعادة تنسيق العمليات وتبادل الموارد. ومع تراجع الضغط العسكري المركز، يعود التنظيم إلى نمطه المفضل: حرب الاستنزاف، والاغتيالات، والهجمات المحدودة التي تهدف إلى تقويض أي محاولة لبناء استقرار سياسي أو أمني مستدام. لا يستغل تنظيم داعش الفراغ بين قسد وحكومة الشرع بوصفه ظرفًا عابرًا، بل يتعامل معه كفرصة استراتيجية لإعادة إنتاج نفسه بصيغة أكثر مرونة ولا مركزية. وكلما طال أمد الخلاف، أو غابت رؤية أمنية موحدة لإدارة المرحلة الانتقالية، ازدادت قدرة التنظيم على التمدد الهادئ، بما يحمله ذلك من تداعيات لا تقتصر على سوريا، بل تمتد إلى الأمن الإقليمي والأوروبي على حد سواء.
التدابير الواجب اتخاذها ؟
على المستوى الأوروبي، بات من الضروري الانتقال من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة المعالجة الجذرية، عبر تسريع إعادة المقاتلين الأجانب الخاضعين للولاية القضائية الأوروبية، وضمان محاكمتهم ضمن أطر قانونية واضحة، إلى جانب تطوير برامج فعالة لنزع التطرف وإعادة التأهيل. كما تبرز الحاجة إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية بين دول الاتحاد، وتكثيف التعاون مع دول الجوار السوري، خصوصًا العراق وتركيا والأردن. أما على مستوى التحالف الدولي، فيتطلب الأمر إعادة تعريف مهمة التحالف ضد داعش، بحيث لا تقتصر على العمليات العسكرية، بل تشمل حماية مراكز الاحتجاز، ودعم القدرات الاستخباراتية المحلية، وتنفيذ عمليات استباقية تستهدف الخلايا التي قد تتشكل نتيجة هروب السجناء. وعلى الصعيد السوري–الإقليمي، تبرز ضرورة تحييد ملف السجون عن الصراع السياسي، والعمل على إنشاء آليات إدارة مشتركة أو رقابة دولية تقنية، تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، إلى جانب إعادة فرز المعتقلين وفق درجات الخطورة بدل التعامل معهم ككتلة واحدة.
أهمية تعزيز الاتفاق بين قسد وحكومة سوريا والتعاون مع الحكومة العراقية
تأتي الحاجة إلى تعزيز الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية، برئاسة الرئيس أحمد الشرع، في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ الصراع السوري، حيث تتقاطع التحولات السياسية مع تحديات أمنية متصاعدة، في مقدمتها عودة تهديد تنظيم داعش بصيغ أكثر مرونة ولا مركزية. وفي ظل هذه المعطيات، لم يعد الاتفاق خيارًا سياسيًا قابلًا للأخذ والرد، بل ضرورة أمنية ملحّة، تتجاوز الحسابات الضيقة للأطراف المحلية، وتمتد آثارها إلى الاستقرار الإقليمي برمته.
يمثل الاتفاق بين قسد ودمشق إطارًا أساسيًا لسد الفراغ السياسي والأمني الذي خلّفه انسحاب قسد من مناطق واسعة شمال وشرق سوريا. فغياب تفاهم واضح ومستقر حول آليات إدارة المناطق، وحماية السجون، وضبط الحدود، يخلق بيئة مثالية للتنظيمات المتطرفة لإعادة التموضع. تعزيز الاتفاق، وتحويله من تفاهم هش إلى شراكة أمنية عملية، من شأنه أن يعيد بناء منظومة السيطرة، ويحدّ من الفجوات التي يستغلها تنظيم داعش. داعش في سوريا والعراق ـ عودة التهديد في ظل هشاشة الوضع السياسي
أن توطيد هذا الاتفاق يساهم في إنهاء حالة الازدواجية الأمنية التي ميّزت المرحلة السابقة، حيث تعددت مراكز القرار وتداخلت الصلاحيات. وجود مرجعية أمنية موحدة، حتى وإن كانت انتقالية، يسهم في تحسين التنسيق الاستخباراتي، وتبادل المعلومات حول تحركات الخلايا النائمة، ويمنع تكرار حوادث الهروب من السجون أو الهجمات المنسقة على مراكز الاحتجاز.
في السياق نفسه، تكتسب مسألة دمج قوات قسد ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية السورية أهمية خاصة. فدمج منظم ومتدرج، يحترم الخصوصيات المحلية ويخضع في الوقت ذاته لسلطة الدولة، يقلل من احتمالات الاحتكاك الداخلي، ويمنع تحول المناطق الخارجة عن السيطرة الكاملة إلى مساحات رخوة أمنيًا. كما يبعث برسالة واضحة إلى التنظيمات المتطرفة مفادها أن مرحلة الانقسام قد انتهت، وأن الدولة استعادت زمام المبادرة. غير أن تعزيز الاتفاق السوري الداخلي، على أهميته، لا يكفي وحده لمواجهة التهديد العابر للحدود الذي يمثله داعش. فالتنظيم يعمل ضمن فضاء إقليمي مفتوح، مستفيدًا من الترابط الجغرافي والأمني بين سوريا والعراق. ومن هنا، يبرز التعاون مع الحكومة العراقية بوصفه ركيزة مكملة لا غنى عنها في أي مقاربة فعالة لمكافحة الإرهاب.
ضرورة تفعيل دور التحالف الدولي ضد تنظيم داعش
تفرض التطورات الأمنية المتسارعة في سوريا والعراق، ولا سيما حوادث هروب سجناء تنظيم داعش، وتصاعد الفراغات السياسية والأمنية في مناطق النزاع، إعادة طرح دور التحالف الدولي ضد التنظيم بوصفه عنصرًا حاسمًا في منع عودة التهديد الجهادي بصيغ أكثر تعقيدًا ولا مركزية. ففي ظل التحولات الجارية، لم يعد الاكتفاء بدور مراقب أو داعم غير مباشر كافيًا، بل بات تفعيل التحالف ضرورة أمنية واستراتيجية تتجاوز الحسابات السياسية الظرفية.
أثبتت التجارب السابقة أن تنظيم داعش يتغذى على مراحل الانتقال غير المستقرة، مستفيدًا من تراجع الضغط العسكري، وتفكك منظومات السيطرة المحلية، وتضارب أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين. وفي هذا السياق، فإن انكفاء التحالف الدولي، أو حصر دوره في مهام محدودة، يمنح التنظيم مساحة لإعادة التموضع، وبناء خلايا نائمة، واستعادة زمام المبادرة عبر عمليات استنزاف منخفضة الكلفة وعالية التأثير.
تبرز ضرورة تفعيل التحالف بشكل خاص في ملف السجون ومخيمات الاحتجاز، التي تحولت إلى إحدى أخطر نقاط الضعف في منظومة مكافحة الإرهاب. فغياب إشراف دولي فعّال، وتردد التحالف في التدخل خلال الأزمات، أضعف قدرة الجهات المحلية على تأمين هذه المرافق الحساسة. تفعيل الدور الدولي في هذا المجال لا يعني بالضرورة إدارة مباشرة، بقدر ما يتطلب دعمًا استخباراتيًا وتقنيًا، وتوفير آليات إنذار مبكر، وتنسيقًا سريعًا عند وقوع تهديدات أو هجمات.
أن إعادة تنشيط التحالف ضرورية لضمان استمرار الضغط العسكري والاستخباراتي على خلايا داعش النشطة في البادية السورية والمناطق الحدودية مع العراق. فالتنظيم يعتمد اليوم على نمط حرب العصابات، مستفيدًا من المساحات المفتوحة وضعف التنسيق بين الأطراف المحلية. وفي غياب عمليات مشتركة ومنسقة، تظل هذه المناطق ملاذًا آمنًا نسبيًا للتنظيم، يسمح له بإعادة تنظيم صفوفه وتخزين الموارد.
يكتسب الدور السياسي للتحالف أهمية متزايدة. فوجود إطار دولي نشط يمكن أن يسهم في الحد من تسييس ملف مكافحة داعش، ويمنع استخدامه كورقة تفاوض بين الأطراف المحلية. كما يتيح للتحالف لعب دور ضامن للتفاهمات الأمنية، خصوصًا في المراحل الانتقالية التي تشهد إعادة توزيع للسلطة والسيطرة..
النتائج
ـ لا يمكن فصل استقرار شمال وشرق سوريا عن مسار التفاهم بين قسد وحكومة الشرع، ولا عن عمق التعاون مع الحكومة العراقية. فتعزيز هذه المسارات الثلاثة يشكّل حجر الزاوية في منع إعادة إنتاج تنظيم داعش، وتحويل المرحلة الانتقالية من مصدر تهديد إلى فرصة لإرساء حد أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي في سوريا والمنطقة.
ـ تشير المعطيات الراهنة إلى أن تنظيم داعش لم يُهزم أيديولوجيًا، وأن استمرار الاعتماد على حلول مؤقتة في إدارة ملف المعتقلين ينذر بعودة التهديد بصيغة أكثر لامركزية ومرونة. وفي هذا السياق، تتحول السجون من أدوات احتواء إلى خزانات تهديد قابلة للانفجار في أي لحظة، ما يجعل الأمن الأوروبي أحد المتأثرين الرئيسيين بهذه التطورات.
ـ يمثل هروب سجناء داعش في سوريا جرس إنذار استراتيجي للمجتمع الدولي وأوروبا على وجه الخصوص. فالتعامل مع الحدث بوصفه أزمة موضعية لن يكون كافيًا، ما لم يُرفق بإعادة صياغة شاملة لمقاربة مكافحة الإرهاب العابر للحدود، تجمع بين البعد الأمني والقانوني والوقائي، وتضع في الحسبان أن تجاهل جذور المشكلة سيؤدي إلى إعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيدًا وخطورة.
ـ يشكل تفعيل التحالف الدولي عنصرًا أساسيًا في حماية الأمن الإقليمي والأوروبي. فالتجربة أثبتت أن أي انتكاسة في مكافحة داعش في سوريا والعراق تنعكس مباشرة على أوروبا، سواء عبر عودة المقاتلين الأجانب، أو تنشيط شبكات الدعم والتمويل، أو تصاعد خطاب التطرف العابر للحدود. ومن هنا، فإن تقاعس التحالف لا يمثل مخاطرة محلية فحسب، بل تهديدًا مباشرًا للأمن الدولي.
ـ تفعيل دور التحالف الدولي ضد داعش لم يعد خيارًا سياسيًا قابلًا للتأجيل، بل ضرورة تفرضها الوقائع الميدانية والتحولات الاستراتيجية في المنطقة. فغياب هذا الدور، أو الاكتفاء بإدارته عن بُعد، يمنح التنظيم فرصة لإعادة إنتاج نفسه، بينما يشكل الحضور الفعّال والمتوازن للتحالف أحد أهم الضمانات لمنع عودة التهديد الجهادي، وترسيخ حد أدنى من الاستقرار في سوريا والعراق.
ـ يمثل التنسيق السوري–العراقي عنصرًا حاسمًا في ضبط الحدود المشتركة، لا سيما في مناطق البادية التي تشكّل ممرًا تقليديًا لتحركات التنظيم. تعزيز التعاون الاستخباراتي، وتبادل قوائم المطلوبين، وتنفيذ عمليات متزامنة على جانبي الحدود، من شأنه أن يقطع خطوط الإمداد ويحدّ من قدرة داعش على المناورة بين الساحتين. أن العراق يمتلك خبرة متراكمة في التعامل مع ملف السجون، وإدارة المقاتلين السابقين، وبرامج التفكيك وإعادة الإدماج، يمكن الاستفادة منها في السياق السوري. التعاون في هذا المجال لا يعزز فقط القدرة الأمنية، بل يساهم أيضًا في تطوير مقاربات أكثر شمولًا لمعالجة جذور التطرف، بدل الاكتفاء بالحلول العسكرية. يرسل تعزيز الاتفاق بين قسد ودمشق، مقرونًا بتعاون فعّال مع بغداد، رسالة طمأنة إلى المجتمع الدولي، مفادها أن الأطراف المعنية باتت تدرك خطورة المرحلة، ومستعدة لتحمّل مسؤولياتها في منع عودة الإرهاب. مثل هذه الرسالة قد تفتح المجال أمام دعم دولي تقني ولوجستي، وتخفف من الضغوط الخارجية المرتبطة بملف داعش والسجون.
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=113900
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
