المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مكافحة الإرهاب ـ اليسار المتطرف، ما مستقبل أمن الطاقة في ظل التهديدات المتعددة؟
يحذر المكتب الاتحادي لحماية الدستور قطاع الطاقة من مخاطر جديدة، حيث تنامت الهجمات من قبل متطرفين يساريين وقراصنة روس ومستثمرين مشكوك فيهم، ويدعو بيان أمني حديث صادر عن مكتب حماية الدستور (BfV) قطاع الطاقة إلى زيادة اليقظة واتخاذ تدابير وقائية محددة الأهداف. وقد دعا المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) المسؤولين التنفيذيين في شركات الطاقة الألمانية إلى اتخاذ تدابير وقائية ضد الهجمات، والتدخل الأجنبي، والاختراق الإلكتروني. وفي بيان أمني حديث أُرسل إلى جمعيات الأعمال والمسؤولين الحكوميين، تناول المكتب الاتحادي لحماية الدستور ثلاثة سيناريوهات تهديد على وجه التحديد.
ما هي سيناريوهات التهديد؟
تتمثل سيناريوهات التهديد التي تواجه قطاع الطاقة في عدة محاور رئيسية تعكس طبيعة التحديات الأمنية الحديثة وتعقيداتها المتزايدة. أول هذه السيناريوهات هو هجمات المتطرفين اليساريين على البنية التحتية للطاقة، حيث تستهدف هذه الجماعات منشآت حيوية مثل محطات الكهرباء وخطوط النقل والتوزيع. وتعد هذه الهجمات محاولة لإحداث اضطراب مباشر في إمدادات الطاقة، مما يؤدي إلى تعطيل الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها المجتمع بشكل يومي. كما أن هذه الجماعات تنظر إلى شركات الطاقة باعتبارها جزءا من نظام اقتصادي تعتبره غير عادل، وهو ما يدفعها إلى استهداف تلك الشركات بشكل متعمد. الهجوم الذي وقع في برلين في يناير 2026 يمثل مثالا واضحا على هذا النوع من التهديدات، حيث أظهر قدرة هذه الجماعات على التخطيط والتنفيذ وإحداث تأثير ملموس.
يتمثل السيناريو الثاني في الهجمات الإلكترونية التي تشنها أجهزة الاستخبارات الأجنبية، إلى جانب ما يعرف بالناشطين الإلكترونيين. هذا النوع من التهديدات يعد من أخطر التحديات، نظرا لاعتماده على التكنولوجيا الحديثة وصعوبة تتبعه أو منعه بشكل كامل. تهدف هذه الهجمات إلى تعطيل الأنظمة الرقمية التي تدير شبكات الطاقة، مثل أنظمة التحكم الصناعية وقواعد البيانات، مما قد يؤدي إلى انقطاع واسع النطاق في الخدمات. بالإضافة إلى ذلك، تسعى هذه الجهات إلى تقويض ثقة المواطنين في قدرة الدولة على إدارة المرافق الحيوية، وهو ما قد يخلق حالة من القلق وعدم الاستقرار. وتكمن خطورة هذه الهجمات في إمكانية تنفيذها عن بعد دون الحاجة إلى وجود مادي على الأرض، مما يزيد من تعقيد مواجهتها.
يتعلق السيناريو الثالث بالاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي الأحادي الجانب على دول أخرى. في هذا السياق، قد تعتمد دولة ما بشكل كبير على دولة أخرى في توفير التكنولوجيا أو الموارد أو حتى الاستثمارات المرتبطة بقطاع الطاقة. ورغم أن هذا الاعتماد قد يبدو طبيعيا، إلا أنه قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية في حالات التوتر أو الصراع السياسي. إذ يمكن للدولة الموردة استخدام هذا الاعتماد كوسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، مثل فرض شروط معينة أو التهديد بقطع الإمدادات. وعلى المدى الطويل، قد يؤدي هذا الوضع إلى تقليص قدرة الدولة على اتخاذ قرارات مستقلة في مجالي السياسة الخارجية والأمن.
وفيما يتعلق بالوضع الراهن، صرح المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) بما يلي: سيواصل المتطرفون اليساريون ذوو النزعة العنيفة استهداف البنية التحتية للطاقة بشكل متزايد، معتمدين على أساليب متنوعة تتراوح بين التخريب المباشر والهجمات غير المباشرة التي تهدف إلى تعطيل سلاسل الإمداد. وتعد الشركات، باعتبارها ركائز ما يعتبرونه “نظاما رأسماليا قمعيا” استغلاليا، هدفا رئيسيا لهم، حيث يرون أن هذه الشركات تمثل جوهر المشكلات الاقتصادية والبيئية التي يعارضونها. ومن هذا المنطلق، يسعون إلى إضعاف هذه الكيانات عبر استهداف منشآتها أو التأثير على عملياتها التشغيلية. كما أن اختيار البنية التحتية للطاقة كهدف ليس عشوائيا، بل يأتي نظرا لأهميتها الحيوية في حياة الأفراد واستقرار الدول، إذ إن أي خلل فيها يمكن أن يؤدي إلى تأثيرات واسعة النطاق تشمل انقطاع الكهرباء وتعطل الخدمات الأساسية، مثل النقل والاتصالات والرعاية الصحية. وهذا التأثير الكبير يجعل من هذه الهجمات وسيلة فعالة لإيصال رسائل سياسية وإعلامية قوية، وجذب الانتباه إلى قضاياهم.
نشرت حملة “أطفئوا الكهرباء” قائمة بموردي الطاقة والشركات الصناعية المختلفة التي يفترض أنها مسؤولة بشكل خاص عن ظاهرة الاحتباس الحراري، ما يعلن بوضوح أنها أهداف للأنشطة الإجرامية. ويعكس هذا السلوك انتقال هذه الجماعات من الخطاب العام إلى تحديد أهداف دقيقة، الأمر الذي يزيد من مستوى التهديد ويجعل من السهل توجيه هجمات منظمة. كما أن نشر مثل هذه القوائم قد يشجع أفرادا آخرين أو مجموعات صغيرة على تنفيذ هجمات منفردة، مستلهمين نفس الأيديولوجيا. يتطلب هذا النوع من التهديدات من الشركات اتخاذ إجراءات أمنية مشددة، ليس فقط على المستوى المادي، بل كذلك على مستوى المعلومات والاستخبارات الداخلية، من أجل رصد أي مؤشرات مبكرة على التخطيط لهجمات محتملة. كما ينبغي تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص لتبادل المعلومات وتنسيق الجهود، بما يساهم في الحد من المخاطر وتقليل فرص نجاح هذه الأنشطة الإجرامية، وضمان استمرارية عمل قطاع الطاقة دون انقطاع.
التهديد الروسي، تجارب من بولندا
لتوضيح المخاطر المحتملة التي تشكلها الهجمات الإلكترونية، التي تشنها في المقام الأول جهات روسية، يشير المكتب الاتحادي لحماية الدستور (BfV) إلى هجمات البرمجيات الخبيثة في بولندا. تستهدف هذه المجموعة، المعروفة من بين أسماء أخرى باسم “الدب الهائج”، بشكل أساسي شركات في قطاعات الطاقة، والمياه، وتكنولوجيا المعلومات، والاتصالات. ويؤكد المكتب الاتحادي لحماية الدستور أن “روسيا تمتلك القدرة والإرادة لتوجيه مثل هذه الأنشطة ضد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلفاء الناتو”. في العام الماضي، تم رصد محاولات هجومية متفرقة “منخفضة المستوى” مصدرها روسيا، بما في ذلك أنشطة استطلاع قامت بها مجموعة “الدب الهائج”. ومع ذلك، لا يوجد حاليا أي دليل على حملات ملموسة قد يكون لها تأثير ملحوظ. يوضح المكتب الاتحادي أنه في حين أن مشاركة مستثمر أجنبي في شركة واحدة ذات صلة بعمل المجتمع قد تبدو غير إشكالية للوهلة الأولى، إلا أن تراكم مثل هذه الاستثمارات على المدى المتوسط والطويل يمكن أن “يعرض السلامة العامة والنظام للخطر ويقلل من الخيارات الاستراتيجية للسياسة الخارجية والأمنية الألمانية”.
توصيات المكتب الاتحادي لحماية الدستور
ينصح المكتب الاتحادي مسؤولي الأمن في الشركات بإنشاء نظام شامل ومتكامل لإدارة المخاطر، بحيث يشمل هذا النظام جميع الجوانب التشغيلية والتقنية والتنظيمية داخل المؤسسة. ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالتهديدات المحتملة والتعامل معها بشكل استباقي، بدلا من الاكتفاء بردود الفعل بعد وقوع الحوادث. كما يتعين على الشركات تطوير آليات واضحة لرصد المخاطر وتقييمها بشكل دوري، مع تحديث خطط الاستجابة وفقا للتغيرات في بيئة التهديدات. وينبغي توعية وتدريب الموظفين الأكثر عرضة للخطر بشكل منتظم، خاصة أولئك الذين يشغلون مناصب حساسة أو يتعاملون مع معلومات مهمة، وذلك فيما يتعلق بالتهديدات الحالية من أجهزة الاستخبارات الأجنبية. ويشمل ذلك تنظيم دورات تدريبية وورش عمل تركز على أساليب الاختراق والتجسس الحديثة، وطرق الوقاية منها، مما يسهم في رفع مستوى الوعي الأمني وتقليل فرص الاستهداف الناجح.
النتائج
من المرجح أن التهديدات الإرهابية الموجهة إلى ألمانيا خاصة قطاع الطاقة مرشحة للتصاعد من حيث التعقيد والتنسيق خلال السنوات العقد المقبل. من المتوقع أن تستمر الجماعات المتطرفة اليسارية في استهداف البنية التحتية الحيوية، لكن بأساليب أكثر تطورا تعتمد على الجمع بين التخريب الميداني والتأثير الإعلامي الرقمي، بما يزيد من صعوبة احتوائها بسرعة.
تعكس السيناريوهات الثلاثة طبيعة التهديدات المتشابكة التي تجمع بين العنف المباشر، والهجمات السيبرانية، والضغوط الاقتصادية غير المباشرة. وهو ما يفرض على شركات الطاقة والحكومات ضرورة تبني استراتيجيات شاملة لإدارة المخاطر.
ستزداد مسألة الاعتماد الاقتصادي والتكنولوجي على جهات خارجية حساسية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية المتنامية. ومن المحتمل أن تستخدم بعض الدول أو الكيانات هذا الاعتماد كأداة ضغط غير مباشرة، سواء عبر التحكم في سلاسل الإمداد أو عبر التأثير على الاستثمارات الاستراتيجية، مما قد يقيد قدرة الدول على اتخاذ قرارات مستقلة.
تشمل الاستراتيجيات تعزيز الحماية المادية للبنية التحتية، وتطوير أنظمة الأمن السيبراني، وتقليل الاعتماد على مصادر خارجية بشكل أحادي. كما يتطلب الأمر رفع مستوى الوعي لدى العاملين في هذا القطاع، وتدريبهم على التعامل مع مختلف أنواع التهديدات، لضمان استمرارية الخدمات وحماية المصالح الحيوية للدولة والمجتمع.
يتجه المشهد نحو بيئة أمنية أكثر تعقيدا وتشابكا، حيث تتداخل التهديدات التقليدية مع الرقمية والاقتصادية، ما يفرض على الفاعلين في قطاع الطاقة تبني نهج استباقي ومرن لضمان الاستمرارية وتقليل المخاطر المحتملة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=116603
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
