بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (25)
يشكّل ملف معتقلي تنظيم “داعش” في شمال شرق سوريا أحد أكثر التحديات الأمنية تعقيدًا في سياق التحولات الميدانية والسياسية التي تشهدها البلاد منذ سنوات. فمع استمرار حالة عدم الاستقرار وتغيّر موازين السيطرة على الأرض، باتت مراكز الاحتجاز التي تضم آلاف المقاتلين المشتبه بانتمائهم إلى التنظيم عرضة لضغوط متزايدة ناجمة عن هشاشة البنية الأمنية، وتراجع الدعم الدولي، وانسحاب أو إعادة تموضع القوى المحلية التي كانت تتولى إدارتها. برز خيار نقل أعداد من المعتقلين من سوريا إلى العراق كإجراء استباقي يهدف إلى الحد من مخاطر الهروب والانفلات الأمني، خاصة مع تزايد المخاوف من استغلال تنظيم “داعش” لحالة عدم الاستقرار الأمني في شمال شرق سوريا. غير أن نقل المعتقلين لا يُمثّل حلًا نهائيًا بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الملف في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية، وسط تحديات حول قدرة السجون العراقية على الاستيعاب، وأمن عمليات النقل، فضلًا عن احتمالات انتقال التهديد من الساحة السورية إلى الداخل العراقي.
أعداد المعتقلين وأماكن احتجازهم
يُقدَّر عدد المحتجزين في شمال شرق سوريا بنحو (35) ألف معتقل، موزعين على ما يقارب (27) موقعًا، تخضع لإدارة جهات فاعلة متعددة، تشمل قوات سوريا الديمقراطية والقوات الأمنية التابعة لها، إضافة إلى جناحها المدني المتمثل في الإدارة الديمقراطية الذاتية لشمال وشرق سوريا. ويعكس هذا التعدد في الجهات المشرفة تعقيد البنية الإدارية والأمنية لملف الاحتجاز في المنطقة. ووفقًا لآخر بيانات أُتيحت حول هذه المواقع ونشرت في أواخر العام 2024، كان ما يقارب (9000) مقاتل من عناصر “داعش”، غالبيتهم من الذكور، محتجزين في (25) مركز احتجاز.
تدير قوات سوريا الديمقراطية وقوات الأمن التابعة لها، بما في ذلك وحدات حماية المرأة وقوات الأمن الداخلي، عدد (15) مركزًا، في حين تتولى إدارة الشؤون الخارجية والداخلية والإسكان الإشراف على (10) مراكز أخرى، من بينها مركزان مخصّصان لإعادة تأهيل الشباب في “حوري وأوركيش”. وتشير المعطيات إلى أن الغالبية العظمى من المحتجزين في هذه المراكز هم من الرجال البالغين، إلى جانب نحو (1000) فتى مراهق أو شاب صُنِّفوا في الأصل كقاصرين، إضافة إلى (100) امرأة، بعضهن محتجزات مع أطفالهن، وهو ما أثار انتقادات حقوقية واسعة لسياسة احتجاز القاصرين في مرافق من هذا النوع. يشكل السوريون أغلبية عدد المحتجزين، إلى جانب بضع مئات من العراقيين ونحو (2000) شخص من جنسيات أخرى. وقد سُجّل تراجع ملحوظ في أعداد العراقيين المحتجزين منذ عام 2021، نتيجة الجهود المتواصلة التي تبذلها الحكومة العراقية لإعادتهم إلى أراضيها. الجهاديون ـ مراكز احتجاز “داعش” في سوريا، المخاطر والتحديات
الدوافع الأمنية والسياسية للفرار من السجون
تعدد العوامل المؤثرة في حوادث هروب السجناء من مراكز الاحتجاز في شمال شرق سوريا، بدءًا من الهشاشة الأمنية واللوجستية، وصولًا إلى التغيرات الميدانية والسياسية المتسارعة في المنطقة.
انهيار السيطرة الأمنية بعد تغيّر السيطرة الميدانية: فقدت قوات قسد بعض مراكز الاحتجاز ووحدات الحراسة المنظمة، مع الانسحاب الجزئي أو إعادة تموضع قسد نتيجة تقدم القوات السورية المدعومة من الدولة السورية في مناطق سيطرتها، ما وفّر بيئة مناسبة لاحتمالات فرار أو احتجاجات داخل السجون. تمكن الجيش السوري في يناير 2026 من طرد القوات الكردية من مساحات شاسعة من شمال شرق سوريا كانت قوات سوريا الديمقراطية تسيطر عليها لأكثر من عقد من الزمان. أعلنت وزارة الداخلية السورية في 19 يناير 2026 أن نحو (120) معتقلًا فرّوا من سجن الشدادي الذي كان خاضعًا لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية. وأضافت الوزارة أنه تم القبض على (81) منهم.
اتهمت قوات سوريا الديمقراطية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة بالتقاعس عن تقديم المساعدة لها بعد طردها من معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها. أعلنت قوات قسد في 20 يناير 2026 أنها انسحبت من مخيم الهول، بسبب “اللامبالاة الدولية” تجاه “داعش” و”فشل المجتمع الدولي في تحمّل مسؤولياته في معالجة هذه المسألة الخطيرة”. تشعر قوات سوريا الديمقراطية الكردية بأن الولايات المتحدة تخلت عنها في الوقت الذي تعزز فيه واشنطن علاقاتها مع الحكومة السورية، التي تعهدت بإعادة فرض سيطرتها المركزية على سوريا بأكملها وتعارض الحكم الذاتي الإقليمي للأقليات الدينية أو العرقية. وقد صرّح المبعوث الأمريكي الخاص توم باراك أن واشنطن لم تعد بحاجة إلى الاعتماد على قوات سوريا الديمقراطية كحليف رئيسي لها في محاربة “داعش”.
الضعف اللوجستي في إدارة السجون: كشفت البيانات الرسمية، وبتقديرات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية في السنوات الأخيرة، عن أبعاد الضعف اللوجستي الحاد الذي تعاني منه قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في إدارة السجون ومرافق الاحتجاز التي تضم عناصر “داعش”، مما ساهم في زيادة مخاطر الهروب والفراغ الأمني. إذ تعتمد قوات الحماية على بنى احتجاز غالبًا ما تكون منشآت معاد استخدامها “مدارس ومستودعات” لا تفي بالمعايير الدولية للحماية والأمن، وتفتقر إلى تجهيزات متقدمة لمراقبة السجناء وإدارة الطوارئ، مما يضعف السيطرة اللوجستية ويجعل هذه المرافق عُرضة لحدوث ثغرات أمنية. كما أدّى تراجع الدعم الدولي والتمويل المخصص لإدارة السجون والمعسكرات إلى تقلص الخدمات الأساسية والإمكانات الأمنية، مما أثر بشكل مباشر على قدرة قسد على توفير جدران احتجاز قوية، وتأمين خطوط الإمداد، وتدريب الكوادر على إدارة معتقلين ذوي خبرات قتالية.
أشارت منظمة هيومن رايتس في فبراير 2025 إلى أن منظمة بلومونت، المسؤولة عن إدارة مخيمي الهول والروج، تلقت أمرًا بوقف العمل من مكتب السكان واللاجئين والهجرة التابع لوزارة الخارجية الأمريكية مساء يوم 24 يناير 2025. وقد علّقت بلومونت أنشطتها وسحبت جميع موظفي إدارة المخيم، بمن فيهم الحراس المسؤولون عن تأمين المواقع والخدمات والمرافق ومخزونات المستودعات للمنظمات غير الحكومية. ونتيجة لذلك، أوقفت عدة منظمات أخرى جميع أنشطتها في المخيمات.
عدم إعادة مقاتلي “داعش” الأجانب إلى بلدانهم: أصدر مجلس الأمن في 2017 قرارًا يدعو إلى إعادة رعايا الدول الأجنبية الذين انضموا للتنظيم في المخيمات إلى بلدانهم، ومحاكمتهم ودمجهم في مجتمعاتهم الأصلية، مشددًا على عدم ترك المقاتلين الأجانب في مناطق نزاع غير مستقرة، لأن ذلك يشكّل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الدوليين. ورغم صدور هذا القرار، فإن العديد من الدول لم تطبّقه بالشكل المطلوب، مما أدى إلى تراكم المشاكل القانونية والإنسانية المتعلقة بمصير هؤلاء الأفراد. وفقًا لبيانات إدارة شمال وشرق سوريا، فإن نسبة إعادة الأجانب المُنجزة صغيرة جدًا مقارنة بعددهم الكلي، وهي أقل من (5%) من إجمالي المقاتلين الأجانب المحتجزين في سوريا، إذ تمّت إعادة ما يقارب (6000) شخص من الأجانب إلى بلدانهم أو إلى العراق منذ 2019. من هؤلاء، تم نقل نحو (659) شخصًا إلى العراق، و(17) إلى أستراليا، و(58) إلى فرنسا، و(12) إلى ألمانيا، و(40) إلى هولندا، و(38) إلى روسيا، و(2) إلى المملكة المتحدة.
يُعدّ تقييم المخاطر الأمنية أحد أبرز العقبات التي تحول دون إعادة المقاتلين الأجانب من معسكرات الاعتقال في سوريا، إذ تخشى الحكومات من أن يُشكّل المواطنون العائدون، والذين تربط الكثير منهم صلات ما بتنظيم “داعش”، تهديدات إرهابية مستمرة في حال عدم مراقبتهم أو مقاضاتهم بشكل كافٍ. ويزيد الأمر تعقيدًا التحدي القانوني، حيث تفتقر العديد من الدول إلى أدلة كافية ومقبولة لمحاكمة المحتجزين بموجب القانون المحلي، لا سيما عن الجرائم المرتكبة في الخارج، مما يترك أمامها خيارات محدودة تتجاوز المراقبة أو برامج مكافحة التطرف. ورغم توفر أدلة من ساحة المعركة أحيانًا، إلا أن هذا المفهوم لا يزال في مراحله الأولى، ولا يزال العديد من المدّعين العامين مترددين في محاولة دمجه في إجراءات المحاكم.
استراتيجية “هدم الأسوار” : لم يكن الفرار من السجون حدثًا عفويًا أو ناتجًا فقط عن انهيارات أمنية، بل جاء نتيجة تفاعل بين دعم التنظيم، والظروف السياسية والعسكرية الهشّة، والبنية غير المستقرة لمراكز الاحتجاز. تُعدّ استراتيجية “هدم الأسوار” إحدى الركائز العملياتية المبكرة لتنظيم “داعش”، والتي بدأت بسلسلة من الهجمات المنسقة على السجون التي نفذها التنظيم في العراق بين يوليو 2012 ويوليو 2013. أعلن التنظيم عن الحملة بهدف تحرير أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب المسجونين، وتعزيز صفوف التنظيم، وإظهار قدرته على العمل بقوة رغم سنوات من الضغوط الأمريكية لمكافحة الإرهاب.
تجلّت آثار حملة “هدم الأسوار” في يناير 2022، عندما شنّ عناصر “داعش” أكبر عملية له منذ انهيار خلافته المزعومة مطلع عام 2019: هجوم واسع النطاق على سجن غويران (السيناء) في الحسكة، شمال شرق سوريا، والذي كان يضم نحو (3500) من مقاتلي التنظيم المشتبه بانتمائهم إليه. بدأ الهجوم بتفجير سيارة مفخخة منسق وكمين متزامن، أعقبه انتفاضة داخل السجن. استمرت المعارك قرابة (10) أيام، حيث سيطر التنظيم على أجزاء من السجن والأحياء المجاورة، مستخدمين المعتقلين كدروع بشرية. استعادت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من غارات جوية للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ومستشارين ميدانيين، السيطرة في نهاية المطاف. ورغم إعادة القبض على معظم المعتقلين، تمكن المئات من الفرار، مما يدل على قدرة تنظيم “داعش” التنظيمية المستمرة وضعف الوضع الأمني في مراكز الاحتجاز بشمال شرق سوريا. مكافحة الإرهاب ـ واقع هروب مقاتلي داعش من سجون قسد في شمال شرق سوريا
ترحيل معتقلي “داعش” من سوريا إلى العراق، الدوافع والتحديات
أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” في 21 يناير 2026 أن القوات الأمريكية نقلت (150) مقاتلًا من تنظيم “داعش” من مركز احتجاز في الحسكة إلى “موقع آمن” في العراق. وبموجب هذه المهمة الجديدة، قد يتم نقل ما يصل إلى (7000) معتقل من “داعش” من سوريا إلى منشآت خاضعة للسيطرة العراقية. ووفقًا للأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، فإن تسهيل النقل المنظم والآمن لمعتقلي “داعش” أمر بالغ الأهمية لمنع حدوث عملية هروب من شأنها أن تشكّل “تهديدًا مباشرًا للولايات المتحدة والأمن الإقليمي”. ترتبط هذه الخطوة بالتطورات الميدانية في سوريا، حيث أدّى انسحاب قوات سوريا الديمقراطية قسد أو تراجعها من بعض المناطق إثر اتفاقات وقف إطلاق النار إلى زيادة مخاوف بشأن قدرة تلك القوى المحلية على ضمان أمن مراكز الاحتجاز التي تضم آلافًا من عناصر التنظيم.
كشف مجلس القضاء الأعلى في العراق، في الثاني من فبراير 2026، أن عدد عناصر تنظيم “داعش” الذين تسلّمتهم السلطات العراقية من السجون السورية بلغ (1387) عنصرًا، وتمت المباشرة بالتحقيق معهم عبر عدد من القضاة المختصين في مكافحة الإرهاب. وسبق أن أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” في أغسطس 2025 أن العراق نجح في إعادة أكثر من (25) ألف مواطن عراقي، أي ما يقارب (80%)، من معسكري احتجاز الهول والروج في شمال شرق سوريا. وتعكس هذه الزيادة في عمليات إعادة المواطنين العراقيين من المعسكرات الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية، والتي تضم آلافًا من أفراد عائلات مقاتلي “داعش”، الالتزامات التي سبق أن أعلنتها الحكومة العراقية.
وصف الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الجهود العراقية بـ”مبادرة نموذجية”، وعرض تقديم مساعدات الأمم المتحدة لبرامج إعادة المواطنين، لا سيما تلك التي تستهدف الأطفال دون سن الثامنة عشرة. وبدعم من الصندوق العالمي للمشاركة المجتمعية والمقاومة “GCERF”، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة “اليونيسف”، ومكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب “UNOCT”، طوّر العراق البنية التحتية اللازمة لإعادة مواطنيه بأعداد كبيرة. وقدّم مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب معدات أساسية لتسجيل وتتبع العائدين البالغين، فضلًا عن التدريب على ممارسات المقابلات المراعية للصدمات النفسية. كما طوّر العراق، بدعم من الصندوق العالمي للمشاركة المجتمعية والمقاومة، مبادرة شاملة ومتعددة المراحل لإعادة المواطنين، قد تُشكّل نموذجًا يُحتذى به لجيرانه. ومع ذلك، لا تزال استجابات الدول على نطاق أوسع متقطعة.
دوافع نقل السجناء من سوريا إلى العراق: كان مسؤولو بغداد واضحين في تبرير نقل المعتقلين كخطوة استباقية لحماية الأمن القومي، وأشار المتحدث باسم الحكومة العراقية إلى أن قرار النقل لم يُتخذ إلا بعد دراسة مستفيضة، وأن العملية تهدف إلى منع أي تهديد مباشر للمجتمع العراقي وللدول المجاورة. كما أعلن العراق تشكيل لجنة أمنية خاصة للإشراف على عملية النقل والتعامل مع عناصر التنظيم وصولًا إلى تقديمهم للعدالة في مؤسسات عراقية مناسبة. تتضمن الأسباب القانونية أن العراق، كدولة متضررة بشكل مباشر من هجمات “داعش”، يمتلك إطارًا قضائيًا مؤسسًا لمعالجة قضايا الإرهاب. وقد أعلن المجلس الأعلى القضائي العراقي أن جميع المتهمين، بغض النظر عن جنسيتهم أو موقعهم التنظيمي، سيخضعون للسلطة القضائية العراقية لإجراءات قانونية عادلة في مؤسسات إصلاحية متخصصة. وإزاء ذلك، برز العراق كخيار عملي تكون فيه المحاكمة والمراقبة الأمنية أكثر قدرة على منع تكرار الهجمات أو إعادة تنظيم خلايا إرهابية تهدد الاستقرار في المنطقة.
يرى خبراء الأمن أن نقل هذا العدد الكبير من المعتقلين يندرج ضمن رؤية تهدف إلى منع سيناريو أكثر تكلفة بكثير، “هروب آلاف من عناصر داعش من سجون قوات سوريا الديمقراطية”. ويشيرون إلى أن مثل هذه النتيجة كانت ستكلف العراق أضعافًا مضاعفة من الناحية الأمنية والعسكرية والاقتصادية مقارنة باحتجازهم على أراضيه، لا سيما وأن التنظيم قد يستغل جغرافية العراق كبيئة هشّة مواتية لإعادة التسلل وتجدد النشاط. يُتيح نقل المحتجزين إلى العراق ووضعهم تحت سلطة دولة معترف بها دوليًا فرصًا قانونية لم تكن متاحة سابقًا. ويُشار إلى أن قوات سوريا الديمقراطية تفتقر إلى صلاحية إجراء المحاكمات أو عمليات الترحيل، بينما يمتلك العراق، كدولة، صلاحية القيام بكليهما. ومع ذلك، أوضحت الحكومة العراقية أن استقبال المحتجزين حلّ مؤقت، وأن إعادتهم إلى بلدانهم الأصلية تبقى أولوية.
مخاطر نقل سجناء “داعش” إلى العراق: تتزايد المخاوف في العراق بشأن التداعيات الأمنية لهذه الخطوة في بلد عانى طويلًا من هجمات داعش. وقد عبّر عن هذه المخاوف خبراء أمنيون ونواب في البرلمان، معتبرين أن النقل بحد ذاته لا يخلو من ثغرات أمنية حساسة. فمن الناحية العملياتية، تمثل مراحل النقل، سواء البرية أو الجوية، نقاط ضعف محتملة، إذ يتطلب تحريك مئات السجناء شديدي الخطورة تنسيقًا عالي المستوى بين القوات الأمريكية والعراقية، وأي خلل في الاستخبارات أو الحماية قد يفتح المجال لمحاولات هجوم أو تهريب، خاصة في بيئة إقليمية ما زالت تشهد نشاطًا لخلايا “داعش” النائمة. وقد حذّرت تقارير أمنية من أن التنظيم يمتلك خبرة سابقة في استهداف القوافل والسجون، ما يجعل عمليات النقل نفسها هدفًا مغريًا لإعادة إحياء استراتيجية “هدم الأسوار” بأساليب غير مباشرة.
يواجه العراق تحديًا لا يقل خطورة يتمثل في مخاطر هروب السجناء بعد نقلهم إلى الداخل العراقي، إذ تشير بيانات رسمية إلى أن السجون العراقية تضم أصلًا آلاف المدانين بقضايا إرهاب، وتعمل في بعض الحالات فوق طاقتها الاستيعابية، ما يرفع من احتمالات التمرد أو التنسيق الداخلي بين المعتقلين، خصوصًا إذا لم تُعزَّز إجراءات العزل والحراسة والتأهيل. وفي هذا السياق، حذّر خبراء أمنيون من أن أي اختراق أمني داخل السجون قد يؤدي إلى إعادة تدوير عناصر “داعش” داخل المشهد العراقي بدل تحييدهم.
يرى منتقدو سياسة النقل أن نجاحها يظل مرهونًا بقدرة العراق على سد الثغرات الأمنية أثناء النقل، وتشديد السيطرة على السجون، ومنع تحولها إلى مراكز استقطاب جديدة، وإلا فإن هذه الخطوة قد تخفف الضغط عن الساحة السورية، لكنها تنقل جزءًا من التهديد بشكل مباشر إلى الداخل العراقي. مكافحة الإرهاب ـ تداعيات هروب سجناء داعش في سوريا والتدابير الواجب اتخاذها
تقييم وقراءة مستقبلية
ـ لم يعد ملف معتقلي “داعش” في شمال شرق سوريا مجرّد قضية احتجاز مؤقت، بل تحوّل إلى أزمة مركّبة تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والقانونية والسياسية والإنسانية. وتُبرز النتائج أن هشاشة البنية الأمنية لمراكز الاحتجاز، إلى جانب تراجع الدعم الدولي، وانسحاب أو إعادة تموضع القوى المحلية، أسهمت بشكل مباشر في زيادة مخاطر الهروب وإعادة تنشيط شبكات التنظيم.
– تؤكد الدراسة أن استمرار احتجاز آلاف المقاتلين، بمن فيهم أجانب، دون أفق قانوني واضح، وفّر بيئة خصبة لاستغلال التنظيم لهذه الثغرات ضمن استراتيجياته التاريخية، وعلى رأسها استراتيجية “هدم الأسوار”. كما شكّل الرفض الدولي في إعادة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم الأصلية عامل ضغط إضافيًا على الجهات المحلية، وأسهم في تدويل المخاطر بدل احتوائها.
– يبرز خيار نقل السجناء من سوريا إلى العراق كحلّ أمني انتقالي تسعى من خلاله بغداد إلى تقليص احتمالات الانفلات الأمني قرب حدودها، والاستفادة من امتلاكها إطارًا قضائيًا أكثر وضوحًا لمحاكمة عناصر التنظيم. غير أن هذا الخيار، رغم ما يوفره من ضبط قانوني نسبي، لا يخلو من مخاطر جدّية تتعلق بأمن عمليات النقل، وقدرة السجون العراقية على الاستيعاب، واحتمالات إعادة تشكّل شبكات التنظيم داخل بيئة احتجاز مكتظة.
ـ من المرجح أن يستمر ملف معتقلي تنظيم “داعش” في شمال شرق سوريا بوصفه أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار الأمني في المدى المنظور، في ظل غياب تسوية سياسية شاملة في سوريا وتراجع مستوى الانخراط الدولي المباشر في إدارة هذا الملف. وتشير المعطيات الحالية إلى أن مراكز الاحتجاز ستبقى عرضة للاختراق، سواء عبر محاولات هروب منظمة أو اضطرابات داخلية، لا سيما إذا استمرت هشاشة البنية الأمنية واللوجستية، وتراجع التمويل والدعم الفني المخصص لإدارتها.
من المتوقع توسيع عمليات نقل السجناء إلى العراق ودول أخرى متضررة، مع تعزيز الأطر القضائية والأمنية، ما قد يحدّ من مخاطر الانفلات قصير المدى، لكنه ينقل العبء الأمني بدل حلّه جذريًا. كما أن التعامل مع ملف معتقلي “داعش” بوصفه مسألة أمنية مؤجلة أو هامشية لم يعد خيارًا ممكنًا، وأن أي إخفاق في معالجته ضمن رؤية دولية متكاملة قد يعيد إنتاج التهديد ذاته الذي سعى المجتمع الدولي إلى احتوائه خلال العقد الماضي.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114472
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
الهوامش
Isis fighters escape Syrian prison after government and Kurdish forces clash
https://2u.pw/vsc03
Caught in the Crossfire: Islamic State Detention Sites at Risk
https://2u.pw/zJU4p
Northeast Syria: Camp Detainees Face Uncertain Future
https://2u.pw/uQiQX
US military starts transferring Islamic State detainees from Syria to Iraq
https://2u.pw/jHyEW
