المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مفاوضات عمان حول الاتفاق النووي ـ الأسباب الاستراتيجية لتمسّك إيران ببرنامجها النووي
أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في الثامن من فبراير 2026 أن إيران لن تتخلى عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم. وتابع: “لماذا نصرّ بشدة على التخصيب (اليورانيوم) ونرفض التخلي عنه، حتى لو فُرضت علينا الحرب؟ لأنه لا يحق لأحد أن يملي علينا سلوكنا”. وأضاف أن إيران “دفعت ثمناً باهظاً” لبرنامجها النووي السلمي وتخصيب اليورانيوم. بالتوازي، حذّر وزير الخارجية مجدداًَ من أن إيران مستعدة لضرب القواعد الأمريكية في المنطقة، في حال ما تعرضت لهجوم. وشدد على أن “القضية النووية الإيرانية لن تحل إلا من خلال المفاوضات”. أما في سياق الحشد العسكري، قال عراقجي إن الحشد الأمريكي “لا يخيفنا”، على حد تعبيره. وأضاف بالقول “نحن أمة دبلوماسية ونحن كذلك أمة حرب، لكن ذلك لا يعني أننا نسعى إلى الحرب”.
زار المفاوضان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر حاملة الطائرات الأمريكية “يو إس إس أبراهام لينكولن” في السابع من فبراير 2026، المنتشرة في المنطقة. وكما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، المسؤولة عن الشرق الأوسط، وصرح ويتكوف على وسائل التواصل الاجتماعي بأن حاملة الطائرات وسفن مرافقتها “توفر أمننا وتعزز رسالة الرئيس ترامب للسلام من خلال القوة”. شكًل ملف البرنامج النووي أحد أكثر الملفات تعقيداً في مفاوضان عُمان، وفي أي مفاوضات مستقبلية. يرجع إلى تداخل الأبعاد الأمنية والعقائدية والاقتصادية والقومية بشكل يجعل من الصعب تصور تخلي طهران عن هذا البرنامج.
الردع الاستراتيجي، دروس “حرب الاثني عشر يوماً” يونيو 2025:
كشفت المواجهة العسكرية المباشرة في يونيو 2025، التي عُرفت بـ “حرب الاثني عشر يوماً”، نقطة تحول حاسمة في الحسابات الاستراتيجية الإيرانية. كما كشفت الحرب لإيران أن استراتيجية “الدفاع” والاعتماد على “محور المقاومة” لم تعد كافية لمنع القوى الكبرى من مهاجمة إيران. حيث أن الردع التقليدي الإيراني تآكل بعد تصفية قيادات حزب الله في لبنان وسقوط الحكومة السورية السابقة في ديسمبر 2024، مما أفقد طهران “عمقها الاستراتيجي” لذلك أصبح امتلاك “القدرة النووية” يُنظر إليه داخل إيران باعتباره “الضمانة الوحيدة” لبقاء النظام. بدأت إيران في مراجعة شاملة لعقيدتها الحربية بعد يونيو 2025، حيث تحولت من سياسة “الصبر الاستراتيجي” إلى تبني عقيدة هجومية تعتمد على الردع النووي الكامن. إن امتلاك المعرفة التقنية لتصنيع سلاح نووي في غضون أسابيع يمنح طهران نفوذاً تفاوضياً هائلاً ويمنع محاولات “تغيير النظام” التي تخشى حدوثها.
الأبعاد التقنية واللاعودة، المعرفة لا يمكن تدميرها
لم تعد إيران تعتمد على معدات مستوردة يمكن تجميدها، بل طورت دورة وقود نووي كاملة محلية الصنع، من تعدين اليورانيوم إلى تصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة IR-6 و IR-9. يؤكد الخبراء التقنيون أن “المعرفة لا يمكن تدميرها”؛ فحتى لو تم تدمير المنشآت المادية، فإن الكادر البشري والخبرة الهندسية المتراكمة تظل موجودة وقادرة على إعادة البناء في وقت قياسي. فبعد حرب 2025، قامت طهران بتشتيت منشآتها النووية ونقل أجزاء حساسة منها إلى أعماق أكبر تحت الجبال، مما يجعل تدميرها بالوسائل العسكرية التقليدية أمراً شبه مستحيل. كما أن تقدم إيران في تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% قد يجعلها “دولة نووية” بامتياز، حيث يقدر الوقت اللازم لإنتاج مادة كافية لقنبلة واحدة بأسبوعين إلى شهر واحد فقط.
الدوافع الاقتصادية والمدنية، الطب والطاقة والزراعة
رغم التركيز الدولي على الجانب العسكري، تمتلك إيران مبررات اقتصادية وتقنية قوية للتمسك ببرنامجها النووي. فإيران تعاني من فجوة كبيرة في إنتاج الطاقة الكهربائية، وتهدف إلى توليد 20 ألف ميجاوات من الطاقة النووية بحلول عام 2040 لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي تراجعت إيراداته بسبب العقوبات. علاوة على ذلك، حققت إيران تقدماً هائلاً في مجال الطب النووي، حيث تنتج محلياً أكثر من 68 منتجاً طبياً إشعاعياً وتصدرها إلى 15 دولة. وتلعب هذه المنتجات دوراً حيوياً في إيران. إن التخلي عن هذه القدرات يعني الاعتماد الكلي على استيراد باهظ الثمن في ظل حصار مالي مشدد. كما تسعى إيران لتحويل تميزها في الطب النووي إلى أداة للدبلوماسية الإقليمية، من خلال تصدير الخبرات والأدوية لدول الخليج والجوار، مما يساعد في كسر العزلة السياسية. لذلك إن هذا التداخل العميق للتكنولوجيا النووية في مفاصل الدولة المدنية يجعل من الصعب “تفكيك” البرنامج دون إحداث شلل في قطاعات حيوية، وهو ما ترفضه طهران جملة وتفصيلاً، معتبرة إياه “أصلاً” لا يمكن التفريط فيه.
فشل الدبلوماسية، وأزمة الثقة المستدامة
يعتبر الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي (JCPOA) في عام 2018 حجر الزاوية في انهيار الثقة بين طهران والغرب. بالنسبة لإيران، أثبتت هذه التجربة أن واشنطن غير قادرة على الالتزام بتعهداتها الدولية، وأن أي اتفاق جديد قد يتم تمزيقه مع تغيير الإدارة الأمريكية القادمة. هذا “العجز في الثقة” دفع طهران لتبني استراتيجية “الضغط مقابل الضغط”، حيث رفعت مستويات التخصيب رداً على العقوبات الأمريكية. حتى مع عودة المفاوضات في مسقط في فبراير 2026، ظلت المواقف متباعدة بشكل جذري. طالبت إدارة ترامب بـ “تفكيك كامل” لبرنامج التخصيب ونقل المخزونات إلى طرف ثالث، وهو ما وصفته طهران بالمطالب “غير المنطقية” و”المهينة”. إن إصرار واشنطن على إدراج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي في أي صفقة نووية يجعل من المستحيل على القادة الإيرانيين قبولها، لأن ذلك سيعني تجريد البلاد من كافة أدوات قوتها في آن واحد. كما أن تفعيل الدول الأوروبية لآلية “Snapback” في سبتمبر 2025 لإعادة العقوبات الأممية زاد من قناعة طهران بأن الغرب يسعى لخنق النظام اقتصادياً بغض النظر عن مدى تعاونه النووي. هذه العزلة الدبلوماسية دفعت إيران لتسريع “الارتباط بالشرق”، حيث عمقت تحالفاتها العسكرية والاقتصادية مع روسيا والصين كبديل استراتيجي عن الغرب.
الصين وروسيا كدرع جيوسياسي
أدركت إيران أن رهانها على الغرب كان مكلفاً، فتبنت استراتيجية “التوجه نحو الشرق” بشكل أكثر حزماً بعد حرب 2025. يوفر التحالف مع الصين وروسيا لطهران مساحة للتنفس الاقتصادي والسياسي بعيداً عن الهيمنة الأمريكية. الصين، كأكبر مستورد للنفط الإيراني، تساهم في كسر حصار “الضغط الأقصى”، بينما توفر روسيا الدعم العسكري والاستخباراتي الذي ظهر جلياً خلال مواجهات 2025. كما تمنح عضوية إيران في منظمة شنغهاي للتعاون (SCO) ومجموعة بريكس إطاراً مؤسسياً للالتفاف على النظام المالي المعتمد على الدولار. يرى القادة في طهران أن هذا “التمحور الشرقي” يقلل من فاعلية العقوبات الغربية كأداة ضغط، مما يجعل التنازل عن البرنامج النووي أمراً غير ضروري من الناحية الاقتصادية، لاسيما وأن بكين وموسكو تعارضان علناً إعادة فرض العقوبات الأممية.
حتمية المسار النووي الإيراني
يكشف تحليل الدوافع الإيرانية عن استحالة تخلي طهران عن برنامجها النووي في ظل المعطيات الراهنة. فالبرنامج قد تجاوز مرحلة المشروع العلمي ليصبح “عقيدة” تلخص طموحات إيران في السيادة والأمن والتنمية. إن صراع يونيو 2025، بدلاً من أن يردع طهران، قد دفعها نحو الحافة النووية بشكل أسرع، بعدما ثبت لها أن القوة العسكرية التقليدية والوكلاء لم يعودوا كافيين لحماية النظام. فبالنسبة لصانع لإيران، فإن التخلي عن النووي اليوم يعني، فقدان “الردع الأخير” أمام التفوق العسكري الإسرائيلي والمدعوم أمريكياً. التضحية باستثمارات تقنية واقتصادية هائلة في مجالات حيوية متعددة. الاستسلام لنظام دولي تعتبره إيران منحازاً وغير موثوق. سيظل الملف النووي الإيراني يراوح مكانه بين “الكمون الاستراتيجي” و”الردع النشط”، حيث ستستمر طهران في تطوير قدراتها الفنية تحت الأرض مع ترك الباب موارباً لمفاوضات لا تهدف للتنازل، بل لانتزاع الاعتراف بمكانتها كدولة “عتبة نووية” لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستقبلية، فالتخلي عنه ليس وارداً في قاموسها السياسي.
في المقابل أفادت شبكة CNN بأن إيران مهتمة فقط بمناقشة برنامجها النووي، بغض النظر عن شكله بعد الهجمات الأمريكية العام 2025. وهذا ليس مفاجئاً، إذ أن أي اتفاق يحد من تهديدها الصاروخي سيضعف قدرتها على ردع أي هجمات مستقبلية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي مقابل فرض قيود على تخصيب اليورانيوم، ستسعى إيران إلى تخفيف العقوبات، مما يضع فريق ترامب أمام خيار صعب يتمثل في الدخول في نفس نوع الاتفاق الذي انتقدوا الرئيس السابق باراك أوباما بشدة لموافقته عليه، والذي استبعد الصواريخ الباليستية وسمح فعلياً لطهران بتعزيز نفوذها الإقليمي.
مبررات العمل العسكري، فشل المفاوضات والضغوطات الإسرائيلية
أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أنه سيلتقي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 11 فبراير 2026. وجاء في بيان المكتب أن أي مفاوضات يجب أن تكبح لجام الصواريخ الباليستية الإيرانية، وتجميد إيران دعمها للمحور الإيراني والجماعات الموالية لها في المنطقة. وتشير التقديرات في إسرائيل إلى أن الزيارة تهدف إلى محاولة التأثير على موقف ترامب، قبل أن يتضح مصير المفاوضات، في ظل مخاوف إسرائيلية من اتفاق نووي يبقي النظام الإيراني قائماً.
يقول ستيفن كولينسون مراسل أول في قسم السياسة بشبكة CNN: “قد يكون من المنطقي أن يندفع ترامب عبر هذه الفرصة النادرة، لم تكن إيران أضعف من أي وقت مضى في مواجهتها المستمرة منذ 45 عاماً مع الولايات المتحدة، أولاً فمستقبل النظام غامضٌ بسبب أزمة “الخلافة” التي تُقوِّض استقراره، فلا يمكن للآية الله علي خامنئي أن يستمر إلى الأبد. ثانياً لم تكن أزمة شرعيتها السياسية أكثر حدة من أي وقت مضى. فقد دفع اليأس الشديد وانعدام الأمل المتظاهرين إلى الشوارع وسط نقص حاد في الغذاء والماء وظروف اقتصادية قاسية”.
تابع كولينسون قائلًا: “ثالثاً قد تضررت وكلاء إيران الإقليميون بما في ذلك حماس في غزة وحزب الله في لبنان، الذين كانوا يمثلون كدرع ضد الهجمات الخارجية. تُشكّل هذه العوامل الثلاثة مجتمعةً مبرراً منطقياً للعمل العسكري الأمريكي ضد إيران. ولعلّ هذا هو الوقت الأمثل لواشنطن لإسقاط نظامٍ لطالما أثّر سلباً على سياستها في الشرق الأوسط، وهدّد حلفاءها، سواءً في هجمات إرهابية أو عبر الوكلاء. قد لا تدوم هذه الفرصة طويلاً. وإذا لم يغتنم ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الفرصة الآن، فقد يندمان على ضياعها في السنوات القادمة”.
النتائج
سيتجه المسار النووي الإيراني خلال المرحلة المقبلة نحو مزيج معقّد من التصعيد المحسوب والانفتاح التفاوضي المحدود، دون الوصول إلى نقطة التخلي أو التفكيك. فطهران، بعد تجربة يونيو 2025، باتت تنظر إلى برنامجها النووي باعتباره عنصر بقاء استراتيجيًا لا ورقة مساومة مؤقتة. وعليه، من المرجح أن تواصل إيران سياسة “الكمون النووي”، أي الاقتراب التقني من عتبة السلاح دون الإعلان الرسمي عن امتلاكه، مع الحفاظ على هامش إنكار سياسي يتيح لها تفادي رد عسكري فوري.
من المحتمل أن تجد إدارة ترامب نفسها أمام معضلة مزدوجة. فمن جهة، ستتصاعد الضغوط الإسرائيلية للدفع نحو عمل عسكري استباقي، خاصة إذا أظهرت المؤشرات الاستخباراتية اقتراب إيران من القدرة النووية الكاملة. ومن جهة أخرى، يدرك البيت الأبيض أن أي ضربة واسعة قد تفتح جبهة إقليمية متعددة المستويات، وتؤدي إلى استهداف القواعد الأمريكية وحلفاء واشنطن في الخليج، في لحظة دولية تشهد انشغالاً أمريكياً متزايداً بملفات الصين وروسيا.
من المتوقع أن تسلك واشنطن مسار “الضغط المركّب”، عبر تشديد العقوبات، وتكثيف الحضور العسكري، بالتوازي مع إبقاء قنوات تفاوض غير مباشرة مفتوحة، هدفها ليس تفكيك البرنامج، بل إدارته واحتواؤه. في هذا السياق، قد نشهد محاولات لصياغة تفاهم جزئي أو مؤقت، يجمّد بعض أنشطة التخصيب الأعلى مقابل تخفيف محدود للعقوبات، دون التطرق للصواريخ أو النفوذ الإقليمي، وهو ما سيُقدَّم داخليًا في إيران كاعتراف عملي بمكانتها كدولة “عتبة نووية”.
سيؤدي استمرار هذا الوضع إلى تعزيز سباق الردع في الشرق الأوسط على المستوى الإقليمي، مع تزايد اعتماد الأطراف المختلفة على أدوات غير تقليدية لفرض التوازن. أما دوليًا، فإن تعميق الشراكة الإيرانية مع الصين وروسيا سيمنح طهران مظلة سياسية تقلل من فاعلية الضغوط الغربية. وعليه، فإن مستقبل الملف النووي الإيراني لن يُحسم بحرب شاملة ولا باتفاق نهائي، بل سيبقى عالقاً في منطقة رمادية، عنوانها إدارة الأزمة لا حلها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114717
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
