المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا،ECCI
مفاوضات حرب أوكرانيا ـ قراءة في الحسابات الروسية والأمريكية والأوكراني
تدخل مفاوضات السلام بشأن حرب أوكرانيا مرحلة تتسم بتعقيدات سياسية وأمنية متزايدة، في ظل استمرار الخلافات بشأن شروط التسوية وضمانات الأمن ومستقبل الأراضي المتنازع عليها. وتتداخل في مسار المفاوضات مصالح أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة والدول الأوروبية، بما يجعل أي اتفاق محتمل مرتبطًا بتوازنات أمنية وسياسية تتجاوز طرفي الصراع.
استعداد من جانب روسيا للحوار
تشير المفاوضات الأمريكية إلى “استعداد جديد” من جانب روسيا للحوار، لكن خبراء لا يتوقعون حلًا سريعًا للحرب في أوكرانيا. فما الذي يقف وراء تزايد النشاط الدبلوماسي في الوقت الراهن؟ فخلال العام 2026. عادت المفاوضات المحتملة لإنهاء حرب أوكرانيا إلى الواجهة، بعد توقف دام فترة طويلة. وأعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي استعداده للقاء فلاديمير بوتين خلال قمة مجموعة العشرين في ميامي في ديسمبر من العام 2025. لكن الكرملين رفض هذا الاقتراح. وفي الوقت نفسه، لم يستبعد دميتري بيسكوف، المتحدث باسم الرئيس الروسي، إجراء محادثات سلام بين روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة في أكتوبر. وقبل ذلك زار المبعوثان الخاصان للرئيس الأمريكي، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، موسكو وأجريا محادثات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وبعد ذلك، توجه ويتكوف وكوشنر إلى كييف، حيث التقيا في السادس من سبتمبر بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين آخرين في الحكومة الأوكرانية. كما شارك في المحادثات مستشارو الأمن القومي لكل من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة. وأفاد مصدر في قصر الإليزيه للصحفيين بأن الأمريكيين أطلعوا شركاءهم الأوروبيين في كييف على نتائج محادثاتهم مع بوتين. ووفقًا للمصدر، أبلغ المفاوضون باريس بوجود “استعداد جديد من جانب روسيا للتفاوض” بعد انتخابات مجلس الدوما الروسي، وأشاروا إلى ضرورة الاستعداد من أجل “إعادة إطلاق” العملية التفاوضية.
لماذا تريد واشنطن إجراء مفاوضات بشأن أوكرانيا؟
رحبت بروكسل بزيارات المبعوثين الأمريكيين، لكنها تعاملت بحذر مع فرص إجراء مفاوضات. وقال المتحدث باسم المفوضية الأوروبية كريستيان فيغان: “نحن بحاجة إلى إرادة من جانب روسيا، وهو ما لا نراه بوضوح في الوقت الحالي”. وشدد على ضرورة أن يحافظ الاتحاد الأوروبي على ضغوط العقوبات المفروضة على روسيا، وأن يواصل دعم أوكرانيا، من أجل دفع موسكو إلى الدخول في مفاوضات جادة والسعي إلى سلام عادل ودائم. ولا تعني زيادة النشاط الدبلوماسي أن الأطراف اقتربت من التوصل إلى اتفاق. ووفقًا لخبراء تحدثت إليهم DW، فإن لكل طرف من الأطراف المشاركة أسبابًا خاصة به لإظهار اهتمامه بالمفاوضات. وبحسب تقدير خبير الأمن رولاند فرويدنشتاين، وهو أحد مؤسسي مركز Brussels Freedom Hub البحثي في بروكسل، فإن إدارة ترامب لديها مصلحة سياسية خاصة في استئناف المفاوضات. وقال: “تريد الحكومة الأمريكية التوصل إلى اتفاق قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، أو على الأقل خلق آفاق لاتفاق، لأن دونالد ترامب يريد أن يظهر في صورة صانع السلام”.
أما روسيا، وفقًا للخبير، فتسعى إلى تحقيق هدف مختلف لا يرتبط بالانتخابات المقبلة. ويرى أن بوتين يريد إحداث أكبر قدر ممكن من الانقسام بين واشنطن وكييف. وبما أنه لم يتمكن حتى الآن من وقف المساعدات الأمريكية لأوكرانيا، فإن الرئيس الروسي يعمل على تغذية آمال إدارة ترامب في إمكانية التوصل إلى تسوية. ولا تزال الولايات المتحدة تقدم معلومات استخباراتية إلى كييف، كما تبيع أسلحة تدفع تكاليفها الدول الأوروبية. ويقول فرويدنشتاين: “يبقي بوتين على وهم أنه مستعد في أي وقت للتوصل إلى تسوية. لكنه لم يقدم أي تنازل طوال أربعة أعوام ونصف، ولن يفعل ذلك ما دام يعتقد أنه قادر على تحقيق النصر، وهو يعتقد ذلك”. أما كييف، فتسعى بدورها إلى تحقيق مصالحها الخاصة في هذه “اللعبة الثلاثية”، حسب وصف الخبير. وتريد أوكرانيا الحفاظ على مسافة بين ترامب وبوتين. كما تريد أن تظهر لواشنطن أنها لا تقف في طريق التوصل إلى حل سلمي. ووفقًا للخبير، قدمت كييف بالفعل تنازلات مهمة مقارنة بموقفها التفاوضي في عام 2022، وتسعى إلى إيصال رسالة مفادها أن الدور الآن يقع على عاتق روسيا لاتخاذ الخطوة التالية.
هل موسكو مستعدة لتقديم تنازلات؟
يشكك جميع الخبراء الذين تحدثت إليهم DW في إمكانية تحقيق اختراق يقود إلى مفاوضات. ولا يرون حتى الآن مؤشرات على استعداد موسكو فعلًا لتغيير موقفها. وقال أركادي موشيش من المعهد الفنلندي للشؤون الدولية (FIIA): “أنا متشكك للغاية بشأن آفاق محادثات السلام مع الولايات المتحدة، وأكثر تشككًا بشأن مشاركة الأوروبيين”. ووفقًا له، لا يزال الموقف الروسي المعلن “راديكاليًا للغاية”. وأضاف أن بوتين يؤكد بقوة أنه يريد الانتصار في الحرب، وليس مجرد خوض مواجهة دبلوماسية. ويرى موشيش أن موسكو ستركز في أي مفاوضات محتملة، بصورة أساسية، على نتائج العمليات العسكرية والتصعيد. وقال: “في الوقت الحالي، لا أرى أساسًا لمفاوضات جادة”.
أما إيوليان رومانشين، فيرى أن الافتراض القائل بإمكانية فتح نافذة جديدة للمفاوضات بعد انتخابات مجلس الدوما الروسي ليس سوى تفكير قائم على التمني. وقال الباحث الأول في مركز الدراسات المتقدمة للأمن والاستراتيجية والتكامل (CASSIS) في جامعة بون، إن هذه الانتخابات لن تغير السياسة الروسية، لأن القرارات المهمة لا تعتمد على نتائجها. ويرى رولاند فرويدنشتاين أن بوتين لا يملك في الأشهر المقبلة سببًا لتغيير موقفه. لكنه يضيف أن الوضع قد يكون مختلفًا على المدى الطويل.
لماذا المفاوضات “بعد الانتخابات”؟
لا يزال من غير الواضح سبب ربط الكرملين إمكانية استئناف المفاوضات بانتخابات مجلس الدوما الروسي. ويعتقد إيوليان رومانشين أن النقاش حول الانتظار حتى ما بعد الانتخابات قد يكون مرتبطًا بمصالح موسكو. ويرى أن روسيا تريد منع زيادة ضغوط العقوبات، ولا سيما مواصلة تنفيذ قانون العقوبات الذي أعده عضوا مجلس الشيوخ الأمريكي ليندسي غراهام وريتشارد بلومنتال. وبحسب تقديره، فإن الدعوات إلى الانتظار قليلًا، على أمل أن يدخل الكرملين بعد ذلك في مفاوضات جادة، قد تسهم في تأخير هذه الإجراءات. ويرى رولاند فرويدنشتاين أن هناك عاملًا زمنيًا آخر أكثر أهمية في حسابات موسكو، وهو اقتراب فصل الشتاء. ويعتقد أن بوتين يريد تدمير البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا من خلال هجمات واسعة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. ووفقًا لهذا التقدير، يمكن أن يؤدي ذلك إلى مشكلات في إمدادات الطاقة، وإطلاق موجة جديدة من اللاجئين، وسقوط المزيد من الضحايا بين المدنيين. وقال فرويدنشتاين: “سيحاول هذا الشتاء كسر أوكرانيا”. وإذا لم تنجح هذه الحسابات وتمكنت أوكرانيا من الصمود، فقد يتغير الوضع وفقًا لفرويدنشتاين، ولا سيما إذا نجحت كييف في استعادة جزء من أراضيها. ويضيف: “عندها ربما يعيد بوتين في الربيع النظر في موقفه، ويتراجع أخيرًا عن بعض مطالبه القصوى”.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=124518
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
