الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...

مفاوضات جنيف حول الملف النووي الإيراني، مسارات التفاوض والحسابات الدبلوماسية

فبراير 17, 2026

 المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

مفاوضات جنيف حول الملف النووي الإيراني، مسارات التفاوض والحسابات الدبلوماسية

تشهد العلاقات بين الحكومة الإيرانية والوكالة الدولية للطاقة الذرية توترا متصاعدا منذ العام 2025، في سياق إقليمي ودولي شديد الحساسية يرتبط مباشرة بملف البرنامج النووي الإيراني وتداعياته السياسية والأمنية. ويقضي وزير الخارجية الإيراني جدول عمل مزدحما في جنيف، حيث تتقاطع مسارات التفاوض الفني مع الحسابات الدبلوماسية الواسعة المرتبطة بالعلاقة مع الولايات المتحدة ودول أوروبية فاعلة. أجرت إيران محادثات رفيعة المستوى مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن النزاع القائم حول طبيعة برنامجها النووي ومدى التزامها بتعهداتها الدولية. وكتب المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، على موقع “إكس” عقب اجتماعه مع وزير الخارجية عباس عراقجي، أن “المناقشات الفنية المعمقة” التي جرت في جنيف يمكن أن تمهد الطريق للجولة المقبلة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة. ويعكس هذا التصريح محاولة واضحة لإبقاء قنوات التواصل مفتوحة، رغم حجم الخلافات التقنية والسياسية التي لا تزال عالقة. “أنا في جنيف ومعي أفكار حقيقية لتحقيق اتفاق عادل ومنصف. ما ليس مطروحا على الطاولة، الاستسلام أمام التهديدات”، هذا ما قاله عراقجي في 16 فبراير 2026 لدى وصوله لإجراء محادثات مع رافائيل جروسي، رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

لماذا سويسرا؟

لعبت سويسرا دورا دبلوماسيا محوريا، حيث كانت بمثابة قناة لتبادل الوثائق والمقترحات عندما كانت الاتصالات المباشرة بين واشنطن وطهران محدودة أو معدومة. إن اختيار سويسرا كمكان لعقد الاجتماع قد سلط الضوء مرة أخرى على دورها على مدى عقود طويلة كقناة خلفية رئيسية بين دولتين لم تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية منذ عام 1980.

قطعت الولايات المتحدة العلاقات الدبلوماسية مع إيران، وفرضت عقوبات على واردات النفط الإيرانية، وجمدت الأصول الإيرانية في القرن الماضي. توجهت واشنطن إلى برن في نوفمبر 1979 طلبا للمساعدة في علاقاتها القنصلية والدبلوماسية مع طهران. وقبلت سويسرا رسميا مهمة الحماية في مايو 1980. تطور دور سويسرا من مجرد نقل الرسائل إلى تمثيل المصالح بشكل كامل. ومنذ ذلك الحين، تتولى السفارة السويسرية في طهران جميع الشؤون القنصلية بين البلدين، بما في ذلك طلبات جوازات السفر، وقضايا الأحوال المدنية، وحماية المواطنين الأمريكيين في إيران. تجاوزت العلاقة الحدود الثنائية، إذ مثلت سويسرا المصالح الإيرانية في دول ثالثة، ودعمت انضمام إيران إلى منظمة التجارة العالمية، وهي عملية تم توثيقها رسميا في عام 2016.

لعبت سويسرا دورا مباشرا في المفاوضات التي أدت إلى خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015. استضافت مدينة لوزان محادثات تمهيدية توصل خلالها دبلوماسيون أمريكيون وإيرانيون وأوروبيون إلى إطار عام للاتفاق، الذي تم توقيعه في فيينا، والذي تضمن قيودا على تخصيب اليورانيوم ومراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمنشآت النووية. بعد أن سحب الرئيس دونالد ترامب الولايات المتحدة من الاتفاق في عام 2018، استضافت جنيف اجتماعات غير رسمية بين مسؤولين أوروبيين وإيرانيين للحفاظ على خطوط الاتصال مع طهران. في أعقاب اغتيال الولايات المتحدة لقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في العراق في يناير 2020، استضافت سويسرا اجتماعات سرية أخرى بين الوفود الأمريكية والإيرانية لاحتواء خطر المواجهة العسكرية المباشرة.

كما كانت السفارة السويسرية في طهران بمثابة القناة التي تواصلت من خلالها الولايات المتحدة وإيران في أبريل 2024، عندما شنت إيران هجوما مباشرا على إسرائيل لأول مرة. يقول رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية محمد باقري إن طهران أرسلت رسالة إلى واشنطن عبر السفارة السويسرية تحذر فيها من أن القواعد الأمريكية في المنطقة لن تكون آمنة إذا تدخلت واشنطن.

جهود الدبلوماسية وتوترات عميقة

رافق وزير الخارجية الإيراني وفد من الخبراء النوويين، في إشارة إلى الطابع الفني الحساس للمباحثات. فالقضايا المطروحة لا تقتصر على مستوى التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي، بل تمتد إلى مسائل الرقابة، وآليات التحقق، والوصول إلى المواقع التي تطلبها الوكالة. وكان عراقجي قد توجه إلى سويسرا قبل هذه اللقاءات، تحضيرا لجولة تفاوضية مع الجانب الأمريكي، ما يدل على ترابط المسارين الفني والسياسي في آن واحد. في فبراير 2026، وبعد تصاعد حدة الخطاب السياسي والتهديدات العسكرية التي وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سياق الضغوط الإقليمية، استأنف البلدان قنوات الحوار غير المباشر. وتولى وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي مجددا دور الوسيط، مستفيدا من رصيد الثقة الذي راكمته مسقط في أدوار وساطة سابقة بين طهران وواشنطن.

تعد سويسرا كذلك وسيطا محايدا ذا قيمة بالنسبة للحكومة الإيرانية، نظرا إلى تاريخها الطويل في استضافة المحادثات الحساسة واحتفاظها بقنوات اتصال مستقرة مع مختلف الأطراف. غير أن هذه الجهود الدبلوماسية تجري على خلفية توترات عميقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية. فقد تدهورت العلاقات بشكل ملحوظ بعد الحرب الإسرائيلية على إيران العام الماضي، والتي استهدفت مواقع عسكرية ومنشآت حساسة. وانضمت الولايات المتحدة إلى الهجمات عبر قصف منشآت نووية رئيسية، من بينها محطات تخصيب اليورانيوم. وأعلن ترامب أن هذه المنشآت “دمرت” بالكامل، في تصريح أثار جدلا واسعا حول مدى دقته وتأثيره الفعلي على القدرات النووية الإيرانية.

يؤكد علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية التي تتخذ من بروكسل مقرا لها: “أي تنازل إيجابي لإيران سيكون بمثابة مكافأة للنظام”، وتابع: “بالنسبة لإيران، فإن التوصل إلى اتفاق مع رئيس لم يكتف بتنفيذ ضربات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، بل هدد أيضا بالتدخل العسكري في الشؤون الداخلية لإيران، أمر صعب”. يقول الخبراء إن التفاوض على اتفاقية نووية شاملة جديدة سيكون صعبا للغاية، وإن المسار الوحيد القابل للتطبيق على المدى القصير هو تفاهم رمزي إلى حد كبير يكسب الوقت ويخلق ظروفا أفضل لمفاوضات أكثر تفصيلا وتقنية في المستقبل.

شكوك إيرانية حول الوكالة الدولية للطاقة الذرية

لا يزال مصير نحو 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح بصورة كاملة في التقارير العلنية. وتعد هذه الكمية ذات أهمية استراتيجية، نظرا إلى أنها تقرب إيران نظريا من العتبة التقنية اللازمة لإنتاج سلاح نووي، إذا ما تم اتخاذ قرار سياسي بذلك. وتؤكد طهران في المقابل أن برنامجها سلمي بحت، وأن أنشطتها تندرج ضمن حقوقها المشروعة بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. في أعقاب الضربات العسكرية، فرضت إيران قيودا إضافية على وصول مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أن البيئة الأمنية لم تعد ملائمة للتعاون الكامل، وأن بعض التسريبات السابقة أضرت بأمن منشآتها. ولم يتم التوصل إلى تفاهم مبدئي لاستئناف عمليات التفتيش إلا في سبتمبر 2025، بعد مفاوضات شاقة تناولت نطاق الوصول وآليات تبادل المعلومات. ومع ذلك، لا يزال مدى تنفيذ هذا التفاهم غير واضح، كما لا توجد صورة مكتملة حول وتيرة الزيارات التفتيشية الحالية.

أصبح المدير العام للوكالة نفسه موضع انتقاد حاد داخل إيران، خاصة من قبل تيارات متشددة تتهمه بالانحياز أو بعدم اتخاذ موقف صارم تجاه قصف المنشآت النووية. وذهبت بعض التقارير الإيرانية إلى اتهامه بالتجسس لصالح إسرائيل، وطالبت بإجراءات قضائية بحقه. وفي المقابل، يرى بعض المسؤولين الإيرانيين أن الوكالة لم تكن ناقدة بما فيه الكفاية للهجمات التي استهدفت البنية النووية الإيرانية، وأنها لم تدافع بقوة عن مبدأ حماية المنشآت النووية الخاضعة للرقابة الدولية. هذا المناخ المشحون يعقد مهمة إعادة بناء الثقة بين الطرفين. فالوكالة تحتاج إلى وصول كاف ومعلومات دقيقة لضمان الطابع السلمي للبرنامج، بينما ترى إيران أن التعاون يجب أن يكون متوازنا ويحترم سيادتها وأمنها القومي. كما أن أي تقدم تقني في المحادثات يظل رهينا بالقرار السياسي الأوسع المتعلق بمستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة، وبتخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية التي تثقل كاهل الاقتصاد الإيراني.

مؤسسات الدولة والأمن الإيرانية في مرمى تهديدات واشنطن

تقف العلاقات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية عند مفترق طرق حساس. فإما أن تنجح الجهود الدبلوماسية في جنيف في ترميم الحد الأدنى من الثقة وفتح مسار تفاوضي مستدام، وإما أن يستمر التصعيد المتبادل بما يحمله من مخاطر إقليمية ودولية. وبين هذين الخيارين، يبقى الملف النووي الإيراني أحد أكثر القضايا تعقيدا وتشابكا في النظام الدولي المعاصر. وبحسب مسؤولين حكوميين، فإن الخطط أكثر تعقيدا من العمليات السابقة. وفي عملية عسكرية مطولة، قد تستهدف إيران كذلك منشآت الدولة والأمن، وليس البنية التحتية النووية فقط، وتتوقع الولايات المتحدة ردا إيرانيا، ما قد يؤدي إلى ضربات متبادلة على مدى فترة طويلة. تقول آنا كيلي، نائبة السكرتير الصحفي للبيت الأبيض، ردا على سؤال حول الاستعدادات لانتشار عسكري أمريكي أطول: “الرئيس ترامب لديه جميع الخيارات مطروحة بشأن إيران”.

صفقات محتملة في مجالات الطاقة والتعدين والطائرات

قبل بدء محادثات جديدة مع الولايات المتحدة، طرحت إيران فرصا استثمارية محتملة في صناعة النفط والغاز المربحة لديها لإغراء الرئيس دونالد ترامب بالتوصل إلى اتفاق نووي جديد من شأنه أن يرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المشددة المفروضة على طهران. أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني للدبلوماسية الاقتصادية حامد قنبري في 15 فبراير 2026 إن صفقات محتملة في مجالات الطاقة والتعدين والطائرات مطروحة على طاولة المحادثات مع الولايات المتحدة. وأضاف قنبري لغرفة التجارة الإيرانية: “لكي يكون الاتفاق مستداما، من الضروري أن تستفيد الولايات المتحدة أيضا في القطاعات ذات العوائد الاقتصادية العالية والسريعة”. استخدم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي استراتيجية مماثلة في أبريل 2025 عندما روّج للاقتصاد الإيراني المتضرر من العقوبات باعتباره فرصة استثمارية “تريليونية” خلال المفاوضات مع واشنطن. ولكن انضمت الولايات المتحدة إلى حملة القصف الإسرائيلية على إيران، وضربت ثلاثة مواقع نووية رئيسية.

يقول علي واعظ: “إن هناك تباينا حاسما بين الحوافز الاقتصادية لإيران ونهج ترامب في السياسة الخارجية”. وتابع: “إن ترامب ليس مهتما بشكل خاص باستثمار الشركات الأمريكية في الخارج. وبدلا من ذلك، يفضل تدفق الأموال الأجنبية إلى الولايات المتحدة، كما حدث عندما تعهدت دول عربية في الخليج العربي باستثمارات ضخمة في الاقتصاد الأمريكي العام 2025”. وأضاف: “حاولت إيران استخدام هذه الورقة العام 2025، لكنها أظهرت أنها لا تفهم أسلوب ترامب تماما. قد يكون استخدام الاستثمار الاقتصادي كوسيلة ضغط أمرا جذابا لترامب، لكن ليس بالطريقة التي اتبعتها إيران”.

يأتي هذا العرض الجديد من إيران وسط تقارير تفيد بأن الولايات المتحدة وإسرائيل اتفقتا على زيادة ضغوطهما الاقتصادية على طهران، وخاصة من خلال تشديد الخناق على مبيعات الطاقة إلى الصين، التي تشتري ما يقرب من 80 بالمائة من صادرات النفط الإيرانية. يقول راز زيمت، الذي يرأس برنامج إيران في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب: “إن إيران ستحتاج إلى إجراء إصلاحات اقتصادية وسياسية كبيرة” لجعل أي نوع من الاستثمار الأمريكي قابلا للتطبيق. موضحا: “إن اقتصاد إيران يعاني من نقص الشفافية، فضلا عن الفساد والتورط العميق للحرس الثوري المدرج على القائمة السوداء الأمريكية”. فإيران من بين ثلاث دول فقط مدرجة على القائمة السوداء لهيئة مكافحة غسل الأموال العالمية، وهي فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية. ويؤكد زيمت: “لا يوجد سبب يجعل عرض إيران الاستثماري يلقى صدى لدى الولايات المتحدة”.

السيطرة الذكية على مضيق هرمز

بدأ الحرس الثوري الإيراني مناورة بحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي أطلق عليها اسم “السيطرة الذكية على مضيق هرمز” في 16 فبراير 2026. يهدف التدريب إلى اختبار جاهزية القوات العملياتية في مواجهة “التهديدات الأمنية والعسكرية المحتملة”. يأتي هذا التمرين وسط تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، سواء بشأن البرنامج النووي الإيراني أو ردها على الاحتجاجات المناهضة للنظام في يناير 2026. استؤنفت المحادثات بين واشنطن وطهران بشأن البرنامج النووي الإيراني مؤخرا، بعد انهيار المحادثات السابقة عندما شنت إسرائيل ضربات على إيران في يونيو 2025، مما أدى إلى اندلاع حرب استمرت 12 يوما، وشهدت ضربات أمريكية على ثلاث منشآت نووية إيرانية. وتأتي هذه الخطوة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن خطط لإرسال حاملة طائرات ثانية إلى الشرق الأوسط، في الوقت الذي يواصل فيه تهديده بضرب إيران. حيث تُعزز الولايات المتحدة وجودها العسكري قرب إيران. زاد الجيش الأمريكي بشكل ملحوظ من قواته الجوية والبحرية في المنطقة.

يُعزى هذا التعزيز إلى سببين رئيسيين: أولهما، أن هذا التواجد العسكري المكثف يهدف إلى ترهيب النظام الإيراني، وثانيهما، أنه يُمكّن الولايات المتحدة من حشد قواتها بسرعة لشن هجوم على إيران في حال فشل المفاوضات النووية. أغلقت إيران مؤقتا مضيق هرمز لإجراء تدريبات بالذخيرة الحية. بالتزامن مع اجتماعات جنيف وتصاعد التوترات مع الولايات المتحدة، أعلنت طهران أن الحرس الثوري الإيراني بدأ تدريبا في مضيق هرمز والخليج العربي وخليج عمان، وكلها طرق شحن دولية حيوية.

ضغوط جديدة على صادرات النفط الإيرانية إلى الصين 

مع استئناف المحادثات النووية في جنيف، تدرس الولايات المتحدة ممارسة ضغوط جديدة على صادرات النفط الإيرانية إلى الصين، مستهدفة بذلك شريان حياة يدعم اقتصاد طهران وقدرتها على الصمود السياسي. تُصدّر إيران أكثر من 80% من صادراتها النفطية إلى الصين. ووفقا لتقرير من موقع أكسيوس نقلا عن مسؤولين أمريكيين، فقد اتفق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن تعمل واشنطن على خفض مبيعات النفط الإيراني إلى الصين، الأمر الذي قد يزيد الضغط على طهران بشكل كبير. وردا على سؤال حول التقرير، قالت وزارة الخارجية الصينية في 16 فبراير إن “التعاون الطبيعي بين الدول الذي يتم في إطار القانون الدولي أمر معقول ومشروع، ويجب احترامه وحمايته”.

يبرز هذا النزاع مدى أهمية الصين في قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط الغربية. فبكين هي أكبر شريك تجاري لطهران، ومصدر متزايد الأهمية للتعاون التكنولوجي والأمني، مما يجعل مشتريات النفط الصيني هدفا جذابا لإعادة تشكيل ساحة المفاوضات. لكن تزايد الضغوط الأمريكية ورد الصين الخافت يبرزان الدور المعقد الذي تلعبه بكين. فبينما تواجه إيران حشدا عسكريا أمريكيا في المنطقة وضغوطا دبلوماسية متجددة في أعقاب حملة قمع للاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد، حافظت الصين على موقف علني حذر، داعية إلى الاستقرار ومتجنبة المواجهة المباشرة مع واشنطن.

النفط حجر الزاوية في العلاقات الصينية الإيرانية 

شكل النفط حجر الزاوية في العلاقات الصينية الإيرانية. وقد تم تعويض العقوبات الأمريكية المصممة لكبح طموحات طهران النووية جزئيا من خلال مشتريات بكين من النفط الخام بأسعار مخفضة. تعتمد معظم هذه التجارة على نظام المقايضة، حيث يستبدل النفط الإيراني بأسعار مخفضة بسلع وتكنولوجيا وبنية تحتية صينية. وقد أدى هذا النظام إلى إغراق الأسواق الإيرانية بالمنتجات الصينية، مع المساهمة في دعم إيرادات الحكومة. وقع ترامب أمرا تنفيذيا في 6 فبراير 2026 يسمح لواشنطن بزيادة الضغط الاقتصادي على إيران واستهداف مشتريات النفط الصينية المحتملة. ويمكن أن تؤثر هذه الخطوات على تدفق المعدات الصينية التي تدعم نظام الرقابة المتوسع في إيران، والذي مكن السلطات من قطع الاتصال عن جزء كبير من البلاد خلال احتجاجات يناير 2026.

يشرح مايكل كاستر، رئيس برنامج الصين العالمي التابع لمنظمة المادة 19 البريطانية لحقوق الإنسان، بالتفصيل كيف ساعدت الصين طهران على توسيع نطاق القمع الرقمي داخل البلاد: “يعد الفضاء الرقمي هو المكان الذي يجد فيه المجتمع المدني ثغرات في بنية الرقابة ليجتمع ويعبر ويوثق. ومن خلال اكتساب هذه السيطرة الكاملة على الفضاء الرقمي عبر تقنيات وتكتيكات جديدة من الصين، تستطيع إيران ممارسة مستوى جديد من السيطرة”. كان هذا التعاون واضحا عندما خرج الإيرانيون إلى الشوارع احتجاجا على تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد. وقامت السلطات بقطع خدمة الإنترنت بسرعة غير مسبوقة، مما عزل المواطنين عن العالم الخارجي وقيد انتشار المعلومات.

شراكة أمنية أعمق 

تطورت الشراكة تدريجيا، حيث وقعت شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة مثل هواوي، وزد تي إي، وتياندي، وهيكفيجن، اتفاقيات لتزويد طهران بالمعدات والمعرفة الفنية. وقد استمرت عمليات النقل هذه على الرغم من العقوبات الأمريكية وساعدت في تطوير شبكة المعلومات الوطنية الإيرانية (NIN)، وهي شبكة إنترنت محلية تسيطر عليها الدولة وتخضع لمراقبة مكثفة وتقترب من الاكتمال. بدأت قوات الأمن الإيرانية بتلقي التدريب من نظيراتها الصينية في تكتيكات السيطرة على الحشود وتقنيات المراقبة منذ عام 2005، وهو تعاون تعمق على مدى عقود من التبادلات والاتفاقيات.

انضمت إيران إلى منظمة شنغهاي للتعاون، وهي تكتل إقليمي للأمن والتجارة، في عام 2023 بدعم من الصين. واستضافت قوات من الصين وروسيا وسبع دول أخرى لإجراء تدريبات لمكافحة الإرهاب نظمت في إطار منظمة شنغهاي للتعاون. في عام 2021، أعلنت إيران والصين عن اتفاقية تعاون اقتصادي لمدة 25 عاما لتعزيز التعاون التقني وبناء بنية تحتية واسعة النطاق مثل الطرق السريعة الجديدة والسكك الحديدية عالية السرعة.

أكد سهيل آزادي، عضو هيئة التحرير في موقع “فاكت نامه” الكندي المتخصص في التحقق من الحقائق باللغة الفارسية، أن النسخ المسربة من الاتفاقية تظهر بنودا مصممة خصيصا للتعاون الأمني ونقل التكنولوجيا. ويقول إن بعض هذه المجالات تتداخل مع تبني إيران لمعدات المراقبة الصينية ومع المشاورات المتعلقة ببناء شبكة المعلومات الوطنية. وقد أسفرت تلك الصفقة عن نتائج محدودة، حيث اقتصر الاستثمار الصيني إلى حد كبير داخل إيران الخاضعة لعقوبات مشددة.

وصفت دراسة أجرتها مؤسسة بروكينغز التي تتخذ من واشنطن مقرا لها في أواخر يناير 2026 حول العلاقات الصينية الإيرانية الاتفاق بأنه “جهد للحفاظ على اقتصاد إيران واقفا على قدميه في مواجهة العقوبات الأمريكية”، وهو ما يتماشى مع النهج البراغماتي الذي تتبعه بكين تجاه إيران في ظل استمرارها في مواجهة الضغوط الأمريكية وعدم الاستقرار في الداخل. وجاء في التقرير: “الصين أكثر أهمية لإيران بكثير من العكس، بالنسبة للصين، ستتركز مصالحها في إيران على حماية الاستقرار، وضمان استمرار الوصول إلى صادرات النفط الإيرانية، والسعي لمنع ظهور نظام موال لأمريكا في طهران”.

تفاهم بشأن “المبادئ التوجيهية” الرئيسية

أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن إيران والولايات المتحدة توصلتا إلى تفاهم بشأن “المبادئ التوجيهية” الرئيسية في جولة ثانية من المحادثات غير المباشرة بشأن نزاعهما النووي، لكن هذا لا يعني أن التوصل إلى اتفاق بات وشيكا. أضاف “لقد تم طرح أفكار مختلفة، وتمت مناقشة هذه الأفكار بجدية، وفي النهاية تمكنا من التوصل إلى اتفاق عام بشأن بعض المبادئ التوجيهية، ومن الآن فصاعدا سنتحرك بناء على هذه المبادئ وسندخل في نص اتفاق محتمل”. وقال إنه بعد تبادل الوثائق، سيقرر الجانبان موعدا للجولة الثالثة من المفاوضات. وفي حديثه في مؤتمر نزع السلاح في جنيف عقب المحادثات، قال عراقجي إن “نافذة جديدة من الفرص” قد فتحت، وأنه يأمل أن تؤدي المحادثات إلى حل “مستدام” يضمن الاعتراف الكامل بالحقوق المشروعة لإيران.

النتائج

يبقى مسار العلاقة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية محكوما بتوازن دقيق بين الضرورات الفنية والحسابات السياسية. فإذا نجحت جولات التفاوض في جنيف في تثبيت آليات رقابة أكثر وضوحا وشفافية، فقد يشكل ذلك مدخلا لخفض حدة التوتر وإعادة بناء قدر من الثقة المتبادلة. غير أن هذا السيناريو يظل مرتبطا بمدى استعداد واشنطن لتقديم حوافز ملموسة، سواء عبر تخفيف العقوبات أو تقديم ضمانات بعدم اللجوء إلى الخيار العسكري ما دامت القنوات الدبلوماسية قائمة.

يظل احتمال التصعيد قائما، خاصة إذا تعثرت المفاوضات أو ظهرت تقارير جديدة تثير الشكوك حول مستوى التخصيب أو نطاق التعاون مع المفتشين. عندئذ قد تتجه الولايات المتحدة إلى تشديد الضغوط الاقتصادية والعسكرية، بينما قد ترد إيران بتوسيع أنشطتها النووية أو تقليص مستوى التعاون مع الوكالة. مثل هذا المسار قد يفتح الباب أمام دورة من الردود المتبادلة يصعب احتواؤها سريعا.

يمكن القول أن إدخال مؤسسات الدولة والأمن الإيرانية في دائرة الاستهداف المحتمل يوسع نطاق الأزمة من ملف نووي تقني إلى مواجهة استراتيجية شاملة. وفي حال اندلاع ضربات متبادلة، فإن ذلك قد يدفع أطرافا إقليمية إلى الانخراط بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ما يزيد من تعقيد المشهد الأمني في الشرق الأوسط.

يتوقف المسار المستقبلي على قدرة الأطراف على الفصل بين منطق الردع ومنطق التفاوض. فإذا طغت الحسابات العسكرية، فإن المنطقة قد تشهد مرحلة طويلة من عدم الاستقرار. أما إذا جرى تثبيت إطار تفاوضي مستدام، فقد يتحول الملف النووي من مصدر تهديد دائم إلى ورقة تفاوضية قابلة للإدارة ضمن توازنات دولية أوسع.

رابط مختصر..  https://www.europarabct.com/?p=115045

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

 

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...