المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
النووي الإيراني ـ مفاوضات جنيف:الضغط الاقتصادي مع إبقاء التهديد العسكري
وسط محادثات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني، أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شكوكا بشأن التزام طهران بالاتفاق مع دونالد ترامب. العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل وثيقة، لكن الاختلافات الاستراتيجية والتكتيكية لا تزال تظهر عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع إيران. مع سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للضغط على إيران للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، يعقد البلدان جولة أخرى من المحادثات في جنيف في 17 فبراير 2026. وتتولى سلطنة عُمان الوساطة في هذه العملية، التي تضم المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، وصهر ترامب جاريد كوشنر، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي. تسعى كل من الولايات المتحدة وإسرائيل إلى منع إيران من أن تصبح قوة نووية، مع الحفاظ على طهران من توسيع نفوذها الإقليمي والجماعات الموالية لها في الشرق الأوسط. تُصرّ إيران على أن برنامجها النووي سلمي، وقد أبدت استياء شديدا من محاولات الحدّ من نفوذها. مع ذلك، قد يكون قادتها على استعداد لتقديم تنازلات لتجنب الصدام المفتوح في ضوء حرب الأيام الاثني عشر التي اندلعت العام 2025.
تسعى واشنطن لتحقيق هذا الهدف من خلال استراتيجية “الضغط الأقصى”، التي تجمع بين العقوبات الاقتصادية والردع العسكري. من جهة أخرى، تُولي إسرائيل أهمية أقل بكثير لأي اتفاق مع طهران، وتشكك بشكل جوهري في جدوى أي اتفاق مع النظام. وتتساءل الحكومة الإسرائيلية عما إذا كانت إيران ستلتزم بالاتفاقيات على المدى الطويل.
تجفيف مصادر دخل النظام
صرحت المحللة الأمنية شكرية برادوست بأنه من الواضح أن إدارة ترامب تتجه نحو إبرام صفقة مع طهران. وقالت: “لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، تعتمد واشنطن على عقوبات اقتصادية هائلة، وخاصة ضد مبيعات النفط الإيرانية”، مضيفة أن الهدف هو تجفيف مصادر دخل النظام بشكل منهجي وحرمانه من أي “مساحة للتنفس” الاقتصادية. تهدف هذه السياسة إلى إجبار إيران على الاستسلام، أو على الأقل تقديم تنازلات بعيدة المدى، دون إشعال حرب إقليمية كبرى. أضافت الخبيرة إن التهديد بالعمل العسكري يلعب دورا داعما في هذه الاستراتيجية، مشيرا إلى الانتشار الأخير لحاملات الطائرات الأمريكية في الشرق الأوسط.
على الرغم من أن ترامب قد لمح علنا إلى إمكانية “تغيير النظام”، إلا أن الخبيرة برادوست ترى أن الضربة العسكرية واسعة النطاق هي الملاذ الأخير لواشنطن. فالولايات المتحدة حذرة من العودة إلى حروب طويلة الأمد، ومن وجهة نظرها، ليس لديها خطة ملموسة لتغيير السلطة بالقوة. من وجهة نظر الولايات المتحدة، يمكن لاتفاق محدود مع إيران أن يكسب بعض الوقت ويتجنب الصراعات الكبرى، حتى وإن لم يعالج جميع المخاوف الأمنية لإسرائيل. كذلك، في الوقت الذي تزن فيه واشنطن مصالح إسرائيل الأمنية، يجب عليها أن تراقب حلفاءها الأوروبيين وأسواق الطاقة العالمية وخطر التصعيد العسكري في المنطقة.
الضغط الاقتصادي مع إبقاء التهديد العسكري
بحسب تقديرات إسرائيل، تمثل إيران تهديدا وجوديا، وتواصل الحكومة الإسرائيلية التأكيد على أن أي اتفاق مع النظام الإيراني يجب أن يزيل بشكل موثوق قدرة البلاد على استخدام القوة. التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال فبراير 2026 بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض لإجراء محادثات خاصة حول المفاوضات النووية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران. وفي تصريحات لم يُفصح ترامب عن تفاصيل كثيرة سوى أنه “أصرّ” على استمرار المفاوضات مع إيران لمعرفة إمكانية التوصل إلى اتفاق. وخلال خطاب كرر نتنياهو موقف إسرائيل القائل بأن أي اتفاق مع إيران يجب أن يدعو إلى تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية وإزالة اليورانيوم المخصب الموجود. مؤكدا “لا ينبغي أن تكون هناك قدرة على التخصيب ليس إيقاف عملية التخصيب، ولكن تفكيك المعدات والبنية التحتية التي تسمح لك بالتخصيب في المقام الأول”، وأضاف نتنياهو أنه “متشكك” في أن إيران ستلتزم بأي اتفاق مع ترامب.
ترى إسرائيل إن المحادثات الأمريكية مع إيران يجب أن تتناول صواريخ إيران الباليستية ودعم طهران للوكلاء الإقليميين. فخلال حرب إسرائيل مع إيران التي استمرت 12 يوما في يونيو 2025، قصفت الولايات المتحدة عدة مواقع نووية إيرانية. وادعى ترامب مرارا وتكرارا أن الضربات “قضت تماما” على القدرات النووية الإيرانية، إلا أن هذا الادعاء لم يُؤكد بشكل مستقل. وقد أظهرت صور الأقمار الصناعية الحديثة لمواقع نووية في إيران دلائل على وجود نشاط نووي.
لا يزال الوضع على الأرض غامضا، إذ توقفت إيران عن التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بعد ضربات يونيو 2025. وتنفي إيران تطويرها أسلحة نووية، لكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية سبق أن خلصت إلى أن إيران قد خصبت اليورانيوم بمستويات أعلى بكثير من المستوى المطلوب للاستخدام المدني. من المرجح أن يكون هذا الغموض بشأن البرنامج النووي الإيراني وخططها المستقبلية سببا لاختلاف آخر بين إسرائيل وإدارة ترامب حيث يختلف الحليفان حول الجدول الزمني لحل هذه القضية. تركز واشنطن على زيادة الضغط تدريجيا. إلا أن نتنياهو يخشى أن يؤدي أي تغيير محتمل في المسار في ظل إدارة أمريكية مستقبلية إلى تعزيز موقف إيران. لذا، تطالب إسرائيل الولايات المتحدة بالتدخل بشكل أكثر حسما ومباشرة، وأن تكون مستعدة للجوء إلى القوة العسكرية عند الضرورة.
النتائج
سوف يتم تحديد مسار العلاقة الأمريكية الإسرائيلية تجاه إيران وفقا لنتائج جولات التفاوض في جينيف وقدرة واشنطن على تحقيق توازن بين الدبلوماسية والردع. فإذا نجحت إدارة ترامب في انتزاع اتفاق محدود يقيّد مستويات التخصيب ويعيد آليات الرقابة الدولية، فقد تعتبره إنجازا مرحليا يمنحها وقتا ويخفض احتمالات المواجهة العسكرية. غير أن مثل هذا الاتفاق، إذا لم يتضمن تفكيكا شاملا للبنية التحتية النووية أو قيودا صارمة على الصواريخ الباليستية ونشاط الوكلاء، سيبقي الشكوك الإسرائيلية قائمة.
من المرجح أن تستمر الولايات المتحدة في سياسة الضغط الاقتصادي المكثف، مع إبقاء التهديد العسكري في الخلفية كأداة ردع. هذا النهج يمنح واشنطن مرونة تفاوضية، لكنه قد يثير قلق إسرائيل إذا شعرت بأن عامل الوقت يعمل لصالح طهران. فإسرائيل تنظر إلى البرنامج النووي الإيراني كتهديد وجودي لا يحتمل إدارة طويلة الأمد، بل يتطلب حلا حاسما يقلص القدرات التقنية بشكل دائم.
في حال تعثرت المفاوضات أو انهارت، قد يزداد التنسيق العسكري والاستخباراتي بين الطرفين، مع احتمال تصاعد الضربات المحدودة أو العمليات السرية. أما إذا تم التوصل إلى اتفاق لا يرضي تل أبيب، فقد نشهد توترا سياسيا مكتوما بين الحليفين، دون أن يصل إلى حد القطيعة، نظرا لعمق الشراكة الاستراتيجية بينهما.
سيظل مستقبل الاستراتيجية المشتركة مرهونا بعاملين أساسيين سلوك إيران الفعلي بعد أي اتفاق، والتحولات السياسية داخل الولايات المتحدة. أي تغيير في الإدارة الأمريكية قد يعيد خلط الأوراق، ما يدفع إسرائيل إلى الضغط من أجل ضمانات أقوى أو خيارات ردع أكثر وضوحا. وبالتالي، يبقى الملف الإيراني نقطة اختبار دائمة لقدرة واشنطن وتل أبيب على مواءمة أولوياتهما الأمنية ضمن بيئة إقليمية شديدة التقلب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115102
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
