بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (3)
مفاوضات أوكرانيا ـ قراءة استخباراتية في مستقبل المفاوضات بين موسكو وكييف
أشار المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف في 22 فبراير 2026 إلى قنبلة دبلوماسية وسط الحرب في أوكرانيا، حيث أثار ويتكوف إمكانية عقد قمة بين الرئيس الأوكراني زيلينسكي والرئيس الروسي بوتين. وأوضح ويتكوف أن الولايات المتحدة قدمت مقترحات ملموسة للطرفين لحثهما على الجلوس إلى طاولة المفاوضات خلال فبراير ومارس 2026. وكان الهدف هو كسر الجمود في المحادثات المتعلقة بإنهاء الحرب. كما كان من الممكن عقد اجتماع مباشر بين زيلينسكي وبوتين.
أعرب رؤساء أجهزة الاستخبارات الأوروبية عن تشاؤمهم بشأن فرص التوصل إلى اتفاق هذا العام لإنهاء حرب أوكرانيا، على الرغم من تأكيدات دونالد ترامب بأن المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة قد جعلت احتمال التوصل إلى اتفاق “قريبا إلى حد معقول”. حيث أكد رؤساء خمس وكالات استخبارات أوروبية أن روسيا لا ترغب في إنهاء الحرب سريعا، معتبرين أن المؤشرات الميدانية والسياسية لا توحي بوجود استعداد حقيقي لتقديم تنازلات جوهرية. وأضاف أربعة منهم أن موسكو تستغل المحادثات مع الولايات المتحدة للضغط من أجل تخفيف العقوبات وإبرام صفقات تجارية، وكسب الوقت لإعادة ترتيب أولوياتها وتعزيز موقعها التفاوضي. كما أشاروا إلى أن الكرملين يراهن على إطالة أمد المسار الدبلوماسي دون حسم فعلي.
تباين في وجهات النظر بين أوروبا والبيت الأبيض
وصف أحد رؤساء أجهزة الاستخبارات الأوروبية المحادثات التي جرت جولتها الأخيرة في جنيف في فبراير 2026 بأنها “مسرحية تفاوض”، في إشارة إلى اعتقاده بأن العملية تفتقر إلى الجدية اللازمة لتحقيق اختراق حقيقي. وأوضح أن الاجتماعات المتكررة لم تسفر عن أي تقدم ملموس في القضايا الجوهرية، وعلى رأسها مستقبل الأراضي المتنازع عليها والضمانات الأمنية. وتشير هذه التصريحات إلى تباين كبير في وجهات النظر بين العواصم الأوروبية والبيت الأبيض، الذي تقول أوكرانيا إنه يسعى إلى إبرام اتفاق سلام بحلول يونيو 2026من العام قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في نوفمبر من العام 2026. ويرى مسؤولون أوروبيون أن هذا الجدول الزمني الطموح قد لا ينسجم مع تعقيدات المشهد الميداني والحسابات الروسية. في المقابل، يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنه يعتقد أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يرغب في إبرام اتفاق، معتبرا أن الفرصة ما زالت قائمة إذا توافرت الإرادة السياسية لدى جميع الأطراف.
روسيا لا تسعى إلى اتفاق سلام
أوضح أحد رؤساء أجهزة الاستخبارات الأوروبية: “روسيا لا تسعى إلى اتفاق سلام، بل تسعى إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية التي لم تتغير”. وأشار إلى أن موسكو، من وجهة نظرهم، تنظر إلى المفاوضات كأداة لإدارة الصراع لا لإنهائه، وأنها تواصل العمل وفق رؤية طويلة المدى تتجاوز الضغوط السياسية والاقتصادية الراهنة. وتشمل هذه الأهداف إزاحة الرئيس الأوكراني زيلينسكي، وجعل أوكرانيا منطقة عازلة “محايدة” للغرب، بما يحد من توسع التحالفات الغربية شرقا ويعيد رسم التوازنات الأمنية في أوروبا.
وأكد رئيس جهاز استخبارات ثان أن القضية الرئيسية هي أن روسيا لا تريد ولا تحتاج إلى سلام سريع، وأن اقتصادها “ليس على وشك الانهيار”، في إشارة إلى قدرة موسكو على التكيف مع العقوبات وإعادة توجيه تجارتها نحو شركاء آخرين. وأضاف أن هذا الواقع يمنح الكرملين هامشا زمنيا أوسع في إدارة المواجهة. ورغم أن رؤساء أجهزة الاستخبارات لم يفصحوا عن كيفية حصولهم على المعلومات، إلا أن أجهزتهم تستخدم مصادر بشرية، واتصالات معترضة، ووسائل أخرى متنوعة، إلى جانب تحليل البيانات المفتوحة. وأكدوا جميعا أنهم يعتبرون روسيا هدفا ذا أولوية في جمع المعلومات الاستخباراتية. في المقابل، يقول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إنه مستعد للسلام، لكن بشروطه، بينما يؤكد مسؤولون روس أن الحكومات الأوروبية أخطأت مرارا وتكرارا في تقييماتها لروسيا ونواياها.
دبلوماسية مكثفة في جنيف
اجتمع المفاوضون الأوكرانيون والروس في فبراير 2026 في ثالث اجتماع لهم بوساطة أمريكية في عام 2026 دون إحراز أي تقدم في النقاط العالقة الرئيسية، بما في ذلك الأراضي وترتيبات الأمن والضمانات المستقبلية. واستمرت المحادثات لساعات طويلة، وسط أجواء وصفت بأنها حذرة ومتوترة، من دون أن تفضي إلى اختراق حقيقي في الملفات الجوهرية التي تعرقل التوصل إلى اتفاق. بعد الاجتماعات، بدا زيلينسكي محبطا بسبب عدم إحراز تقدم ملموس، وأشار إلى أن الروس كانوا أكثر اهتماما بمناقشة الجذور التاريخية للصراع من التوصل إلى اتفاق قريب المدى. واعتبر أن التركيز على السرديات التاريخية لا يسهم في معالجة الوقائع الميدانية الراهنة ولا يخفف من معاناة المدنيين. كما أوضح أن أوكرانيا لا تزال متمسكة بسيادتها ووحدة أراضيها، وأن أي تسوية يجب أن تقوم على احترام القانون الدولي. في المقابل، لم يصدر عن الجانب الروسي ما يشير إلى تغيير في مواقفه الأساسية.
أوضح ماثيو سافيل، مدير العلوم العسكرية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، إن المكاسب الأخيرة في ساحة المعركة من غير المرجح أن تدفع روسيا إلى تغيير مطالبها القصوى. وتابع سافيل: “من غير المرجح أن يمثل ذلك تغييرا كافيا في الجبهة أو الضغط الميداني للتأثير على الموقف التفاوضي الروسي”، مضيفا أنه يشك في صدق روسيا بشأن إنهاء القتال “عندما يعتقد الروس بوضوح أنهم يستطيعون مواصلة القتال هذا العام”. كما أفاد معهد دراسات الحرب (ISW) بأن القيادة العسكرية الروسية تستعد لهجوم محتمل خلال العام 2026 في منطقة زابوروجيا. ومع ذلك، تظهر هذه التغييرات في ساحة المعركة أن “الأوكرانيين قادرون على المناورة بنجاح وتنفيذ عمليات هجومية”، على حد قول سافيل، مضيفا أنه يمكن تكرار ذلك في أماكن أخرى على خطوط الجبهة.
النتائج
– تشير المعطيات إلى أن مسار الحرب في أوكرانيا مرشح للاستمرار خلال المدى المنظور، مع بقاء نافذة التسوية السياسية ضيقة ومشروطة بتحولات ميدانية أو سياسية كبرى. فإذا ظلت موسكو متمسكة بأهدافها الاستراتيجية طويلة المدى، واستمرت في التعامل مع المفاوضات كأداة لإدارة الوقت وتخفيف الضغوط، فمن غير المرجح أن يشهد عام 2026 اختراقا حاسما. في المقابل، قد يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة معقدة بين الرغبة في تحقيق إنجاز دبلوماسي سريع وبين واقع ميداني لا يوفر أرضية صلبة لتسوية شاملة.
– من المتوقع أن يتعزز الاتجاه نحو مقاربة أكثر حذرا وتشددا في آن واحد، تقوم على دعم كييف عسكريا واقتصاديا مع الاستعداد لحرب استنزاف طويلة. كما قد تدفع الشكوك الاستخباراتية بشأن نوايا موسكو إلى توسيع برامج إعادة التسلح الأوروبية وتعزيز القدرات الدفاعية، خاصة في دول شرق أوروبا.
– في حال طال أمد الجمود التفاوضي، قد تتزايد الدعوات داخل بعض العواصم الأوروبية لبلورة إطار أمني جديد يحد من مخاطر التصعيد المباشر مع روسيا، دون تقديم تنازلات تمس سيادة أوكرانيا.
– من المتوقع إذا تمكن الاقتصاد الروسي من امتصاص آثار العقوبات، فقد تراهن على تغيرات سياسية في الغرب أو على تآكل الدعم الدولي لكييف. غير أن استمرار الحرب يحمل مخاطر استنزاف تدريجي لقدراتها العسكرية والاقتصادية على المدى الطويل.
– يبدو أن العام الحالي سيشهد دبلوماسية مكثفة دون نتائج حاسمة، مع بقاء ميزان الصراع مرهونا بالتطورات الميدانية وبمدى صلابة التحالفات الدولية. السلام يظل احتمالا قائما، لكنه مشروط بتحول جوهري في حسابات أحد الطرفين، وهو تحول لا تلوح مؤشراته بقوة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=115392
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
