المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
أبو ظبي ـ المسار الدبلوماسي وفرص التسوية حول أوكرانيا 2026
تشهد الخريطة الجيوسياسية العالمية في مطلع عام 2026 تحولاً جذرياً في مراكز الثقل الدبلوماسي، حيث برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب محوري ومقصد استراتيجي لإدارة واحدة من أعقد الأزمات الدولية. إن انخراط أبوظبي في مفاوضات حرب أوكرانيا ليس مجرد استجابة لظرف طارئ، بل هو نتاج استراتيجية بعيدة المدى تعتمد على ما يُعرف بـ “الدبلوماسية المتخصصة” التي تهدف إلى تحويل الدولة من وسيط إقليمي إلى مقصد دولي قادر على جمع الخصوم الذين يجدون صعوبة في الالتقاء في أي مكان آخر. في فبراير 2026، أصبحت العاصمة الإماراتية المقر الفعلي لجولات مفاوضات ثلاثية تجمع وفوداً رفيعة المستوى من الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا، وهو ما يعكس ثقة دولية متزايدة في قدرة الإمارات على توفير منصة محايدة تتجاوز الاستقطاب الحاد بين الشرق والغرب.
التطور التاريخي ـ الدبلوماسية للوساطة الإماراتية
بدأت ملامح الدور الإماراتي في الأزمة الأوكرانية تتضح منذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير 2022، حيث تبنت الدولة نهجاً متوازناً يرفض الانحياز الصريح لأي طرف، وهو ما أثار في البداية بعض التحفظات الغربية ولكنه أثبت لاحقاً كونه الأساس لفتح قنوات التواصل المغلقة. إن هذا التوازن لم يكن سياسياً فحسب، بل استند إلى ركائز اقتصادية واستراتيجية عميقة؛ فمن جهة، ترتبط الإمارات بعلاقات دفاعية وتكنولوجية وثيقة مع الولايات المتحدة تجلت في تسميتها “شريكاً دفاعياً رئيسياً” في سبتمبر 2024، ومن جهة أخرى، حافظت على شراكة استراتيجية مع روسيا جعلت منها أكبر شريك تجاري لموسكو في العالم العربي.
تطورت هذه الوساطة عبر سلسلة من المراحل التراكمية، بدأت بملف تبادل أسرى الحرب، وهو الملف الذي حققت فيه الإمارات نجاحات كبيرة. بحلول أغسطس 2025، كانت الإمارات قد يسرت 17 جولة من عمليات التبادل، مما أسفر عن إطلاق سراح أكثر من 4,641 أسيراً من كلا الجانبين. هذه النجاحات الإنسانية لم تكن غاية في ذاتها، بل كانت وسيلة لبناء الثقة التقنية بين الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية في موسكو وكييف، مما مهد الطريق للانتقال من “إدارة النزاع” إلى “التفاوض على إنهائه”.
مثلت الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في أبوظبي في فبراير 2026 نقطة تحول جوهرية، حيث لم تعد الاجتماعات تقتصر على مستويات تمثيلية منخفضة، بل ضمت رؤساء أجهزة استخبارات وكبار المسؤولين العسكريين والمبعوثين الرئاسيين. إن حضور شخصيات مثل ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وجاريد كوشنر، إلى جانب كيريل بودانوف، وإيغور كوستيوكوف، يشير إلى أن المفاوضات دخلت مرحلة الاتفاقات الممكنة. فمستوى التمثيل الروسي يدل على انتقال القرار إلى الدائرة الأمنية والاقتصادية الضيقة لبوتين، بينما مستوى التمثيل الأوكراني يشير إلى تفويض كامل بمناقشة الترتيبات العسكرية والأمنية، كذلك يشير مستوى التمثيل الأمريكي إلى انخراط مباشر من الإدارة الأمريكية لفرض “صفقة” السلام ما نتج عنه إنشاء مجموعات عمل متخصصة واستئناف الحوار العسكري الأمريكي الروسي.
يوضح هذا التمثيل الدبلوماسي الرفيع أن الدور الإماراتي قد تجاوز مفهوم “المستضيف” ليصبح “الضامن المكاني” الذي يسمح بمناقشة تفاصيل كانت تُعتبر في السابق خطوطاً حمراء. إن وصف الجانب الأوكراني للمحادثات بأنها “بناءة بشكل حقيقي” وتصريح الجانب الروسي بوجود “حركة إلى الأمام” يعكس نجاح البيئة الدبلوماسية الإماراتية في خفض حدة الخطاب السياسي مقابل رفع وتيرة العمل التقني.
تدور نقاشات حادة بأبوظبي حول وثيقتين رئيسيتين ترسمان مستقبل أوكرانيا وأمن أوروبا: “خطة الـ 28 نقطة” المدعومة أمريكياً وروسياً، و”خطة الـ 20 نقطة” التي طرحها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كبديل يراعي السيادة الأوكرانية. إن دور الإمارات في هذا السياق يتمثل في تقريب وجهات النظر بين رؤية تعتمد على “تجميد الواقع الميداني” ورؤية تصر على “العدالة والسيادة”. وهنا تمتلك الإمارات ميزة نسبية في مناقشة البنود المتعلقة بـ “إعادة الإعمار” و”المنطقة الاقتصادية الحرة” في دونباس. فمن خلال صناديقها السيادية وخبرتها في تحويل النزاعات إلى فرص استثمارية، يمكن لأبوظبي أن تقدم الحوافز الاقتصادية اللازمة لإقناع موسكو بالانسحاب من بعض المناطق أو إقناع كييف بقبول وضع “مؤقت” لبعض الأراضي مقابل تدفقات استثمارية هائلة.
لا يمكن فهم مستقبل الإمارات في هذه المفاوضات دون التطرق إلى الروابط الاقتصادية الضخمة التي تربطها بالطرفين. إن الإمارات تدير توازناً دقيقاً بين كونها شريك اقتصادي لروسيا، وبين كونها “المستثمر الاستراتيجي الأول” في مستقبل أوكرانيا. تستثمر الإمارات بكثافة في القطاعات الحيوية الأوكرانية التي تضررت من الحرب، خاصة الطاقة والزراعة. لقد أرسلت الإمارات آلاف المولدات الكهربائية وسيارات الإسعاف ومئات الأطنان من الإمدادات الطبية، ولكن الطموح الحقيقي يكمن في مشاريع كبرى مثل “مركز الأمن الغذائي” (Agri-food hub) الذي تم الاتفاق على إنشائه لربط المحاصيل الأوكرانية بالأسواق العالمية عبر اللوجستيات الإماراتية.
إن هذا الانخراط الاقتصادي العميق يمنح الإمارات مقعداً دائماً على طاولة المفاوضات؛ فكييف تدرك أن أبوظبي هي أحد الممولين القلائل القادرين على ضخ مليارات الدولارات في البنية التحتية فور توقف القتال، بينما ترى موسكو في الاستثمارات الإماراتية في أوكرانيا وسيلة لضمان عدم تحول جارتها إلى قاعدة عسكرية غربية صرفة، بل إلى ساحة مصالح اقتصادية متعددة الأطراف.
التحديات الجيوسياسية والعضوية في بريكس، موازنة القوى العظمى
يمثل انضمام دولة الإمارات رسمياً إلى مجموعة “بريكس” في يناير 2024 تحولاً نوعياً في هويتها الدبلوماسية، مما ألقى بظلاله على دورها في مفاوضات حرب أوكرانيا. ترى روسيا في توسع “بريكس” فرصة لكسر العزلة الدولية المفروضة عليها، وتعتبر الإمارات “صديقاً جديداً” قوياً داخل هذا التكتل. ومع ذلك، فإن الإمارات تدير هذه العضوية بحذر شديد، مؤكدة أنها لا تمثل انحيازاً ضد الغرب، بل هي سعي نحو “تعددية قطبية” متوازنة. نجحت الإمارات في الحفاظ على “مصداقيتها كمنصّة محايدة”. ويُعزى ذلك إلى أن واشنطن نفسها تجد في “أبوظبي” وسيلة غير مباشرة للتواصل مع الكرملين، كما إن استئناف الحوار العسكري بين الولايات المتحدة وروسيا في فبراير 2026 لم يكن ليحدث لولا “البيئة الآمنة” التي وفرتها أبوظبي.
السيناريوهات المستقبلية لعام 2026، نحو “اتفاق يونيو”
مع اقتراب الموعد النهائي الذي حدده الرئيس ترامب لإنهاء الحرب في يونيو 2026، تتسارع وتيرة المحادثات في الإمارات. هناك سيناريوهات رئيسية يرسمها المحللون والخبراء العسكريون بناءً على مسار مفاوضات أبوظبي أبرزها:
سيناريو “تجميد الصراع”: وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً، حيث يتم التوصل إلى وقف إطلاق نار شامل في يونيو 2026 مع إنشاء منطقة عازلة تراقبها قوات دولية. في هذا السيناريو، تظل القضايا الإقليمية معلقة قانونياً ولكن القتال يتوقف، وتبدأ الإمارات في قيادة دولية لإعادة الإعمار.
سيناريو “الاختراق الدبلوماسي الشامل”: وهو سيناريو متفائل يفترض موافقة روسيا على انسحاب جزئي من بعض المناطق مقابل رفع تدريجي للعقوبات وضمانات بعدم انضمام أوكرانيا للناتو لمدة 20 عاماً. في هذا الإطار، تلعب الإمارات دور “الضامن” للاتفاق عبر استثمارات ضخمة في كلا البلدين لتعويض خسائر الحرب.
إن مستقبل دولة الإمارات العربية المتحدة في مفاوضات حرب أوكرانيا يتجاوز مجرد كونها وسيطاً عابراً؛ إنها تصوغ نموذجاً جديداً لـ “الدبلوماسية الواقعية” التي تربط بين الأمن القومي والازدهار الاقتصادي. إن نجاح مفاوضات أبوظبي في فبراير 2026، واتفاق الأطراف على استئناف الحوار العسكري المباشر وتبادل 314 أسيراً، هو دليل عملي على أن “المسار الإماراتي” هو اليوم الأكثر حيوية وقابلية للتحقق. وحتى يونيو 2026، ستكون الإمارات هي الساحة التي ستتقرر فيها ليس فقط حدود أوكرانيا، بل وشكل النظام الدولي الجديد المتعدد الأقطاب.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114850
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
