المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مفاوضات أبو ظبي حول أوكرانيا ـ أوراق الضغط المتبادلة وحدود التأثير
تدخل حرب في أوكرانيا التي بدأت في 24 فبراير 2022 عامها الرابع. ويبدو أن النهاية بعيدة المنال، رغم تجدد المحادثات في أبو ظبي في فبراير 2026، يشرح الخبير العسكري ماركوس رايزنر لماذا تبدو فرص التوصل إلى حل أفضل من أي وقت مضى. تفاوضت وفود من أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة في أبو ظبي لإنهاء حرب أوكرانيا. إلا أن السلام لا يزال بعيد المنال، فبدلاً من ذلك، واصلت روسيا قصف المدن الأوكرانية، وهجمات على البنية التحتية للبلاد، وتفرض مطالبها المعهودة في المفاوضات. أوضح ماركوس رايزنر، وهو عقيد في القوات المسلحة النمساوية: “لن يتزحزح الروس قيد أنملة في المفاوضات ما لم يشعروا بالضغط”. لكن كلاً من الولايات المتحدة والأوروبيين يفتقرون إلى هذا الضغط منذ فترة طويلة. ومع ذلك، يرى الخبير العسكري أن فرص إنهاء الحرب اليوم أعلى من أي وقت مضى”.
استراتيجية روسيا لتعزيز موقفها التفاوضي
كثّفت روسيا غاراتها الجوية بشكل كبير خلال العام 2026. بلغت الأضرار التي لحقت بمحطات توليد الطاقة والمحطات الفرعية الأوكرانية حداً هائلاً، لدرجة أنه من المرجح ألا تُصلح إلا بعد انتهاء الحرب. بالنسبة لأوكرانيا، يُمثل هذا ضعفاً استراتيجياً. وقد زادت روسيا الضغط عليها بعدم خفض هجماتها، على الرغم من تأكيد الرئيس الأمريكي ترامب على وفاء بوتين بوعده بشأن السلام المزعوم في قطاع الطاقة. ومن هذا الموقف غير المواتي، دخلت أوكرانيا في مفاوضات. من الواضح أن روسيا ترى نفسها في موقف قوة، وهو ما يتجلى كذلك في المفاوضات. فالروس لا توجد لديهم أي رغبة في التنازل. ليس هذا فحسب، بل تشير التقارير الأخيرة إلى أن روسيا لم تعد تطالب فقط بتسليم دونباس بالكامل، بل تطالب كذلك بأن تعترف جميع الدول المشاركة في المفاوضات بذلك. يُعدّ هذا مطلباً ترفضه أوكرانيا، فهذا غير متوقع. لقد أبدى الرئيس زيلينسكي بالفعل استعداداً تاماً للتسوية من وجهة النظر الأوكرانية باقتراحه تجميد الجبهة على طول خط المواجهة الحالي. وكان من بين المقترحات الأخرى انسحاب الطرفين بالتساوي من منطقة عازلة في دونباس، إلا أن هذا يتطلب ضمانات أمنية فعّالة.
استراتيجية واشنطن للضغط على روسيا وأوكرانيا
يُصرّح الرئيس الأمريكي منذ العام 2025 بضرورة إنهاء الحرب في أسرع وقت ممكن، وهو يمارس ضغوطاً كبيرة على أوكرانيا. علاوة على ذلك، تُظهر البيانات التحليلية أن الحملة الجوية الروسية قد ازدادت بشكل ملحوظ، كمّاً ونوعاً، منذ توليه منصبه. فهل ثمة علاقة بين هذين الحدثين؟. يجيب رايزنر قائلاً: يريدون الروس إظهار هيمنتهم في هذه الحرب. ويبدو أن هذا أثّر على ترامب ومستشاريه، الذين أرادوا في البداية تجميد الدعم لأوكرانيا تماماً. مع ذلك، ووفقاً لتقرير، فإن مدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف هو من أقنع ترامب على الأقل بمواصلة تزويد أوكرانيا بالمعلومات الاستخباراتية للضغط على روسيا. يعلم راتكليف أن الروس لن يتزحزحوا قيد أنملة في المفاوضات ما لم يشعروا بالضغط. فهم بحاجة إلى أن يكونوا تحت ضغط هائل لتقديم تنازلات.
تتخذ الولايات المتحدة موقفًا حذرًا، فإذا قارنا الحشد الحالي للقوات الأمريكية في الشرق الأوسط بالإمدادات والدعم المقدم لأوكرانيا، تتضح الأولويات جلياً. وهذا ما يعترف به ترامب نفسه. فحتى الآن، الاتفاق الوحيد الذي تم التوصل إليه في أبوظبي يتعلق بتبادل جديد للأسرى. وبغض النظر عن قضية دونباس. يبدو أن نقطة الخلاف الرئيسية تكمن في تحديد الجهة التي ستتولى إدارة محطة زابوريزهيا للطاقة النووية. وتشير التقارير إلى أن الولايات المتحدة عرضت نفسها كمشغل محتمل. إلا أن القضية الحاسمة هي مسألة السيادة الإقليمية، ولا يوجد أي تقدم يُذكر في هذا الشأن.
يبدو أن الولايات المتحدة وروسيا قد اتفقتا بالفعل على ضرورة تراجع الأوكرانيين، ولذلك تمارسان ضغوطًا على كييف . مع ذلك، أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن المفاوضات تبدو “ميؤوسًا منها تمامًا” نظرًا للمواقف المتصلبة بشأن قضية دونباس. ومع ذلك، فهو يأمل في تحقيق “انفراجة”. لكن التوصل إلى حل وسط طويل الأمد غير متوقع في الوقت الراهن.
فرص إنهاء الحرب؟
إن فرصة إنهاء الحرب أكبر من أي وقت مضى، ولكن ليس في صالح أوكرانيا. فإذا انسحبت الولايات المتحدة بالكامل من الصراع، فلن يتمكن الأوروبيون من التعويض. صحيح أن أي حل تفاوضي سيدعم روسيا بصفتها المعتدية، ورغم فشله، سيصب في مصلحة قوات الكرملين في تقدمها، لكن على الأقل سيتوقف القتل. لكن إذا استمرت الحرب على هذا النحو لعام آخر، فسيخسر الطرفين الكثير. فما الفائدة من ذلك؟ يقول رايزنر يبدو الأمر مريرًا للغاية. ولكن إذا كان الغرب غير مستعد بوضوح للتدخل الكامل في شؤون أوكرانيا، فيجب إبلاغ أوكرانيا بوضوح بضرورة إنهاء الحرب. مع الدعم البطيء الحالي، لن تحقق أوكرانيا أي تقدم. في نهاية المطاف، يتوقف الأمر على عدد الجنود المتاحين في البلاد. والقوات الأوكرانية منهكة بالفعل.
لماذا انخفضت الهجمات الأوكرانية على روسيا؟
حاولت أوكرانيا ممارسة ضغوط عبر غارات جوية على منشآت الطاقة الروسية وناقلات النفط التابعة لأسطولها غير الرسمي. وتلعب معلومات الاستخبارات الأمريكية دوراً حاسماً في هذه الهجمات. إلا أن هذه الهجمات قد انخفضت مؤخراً. فما السبب في ذلك؟. يوضح رايزنر: “هذا مجرد تكهنات. في الواقع، ينبغي لأوكرانيا تصعيد هجماتها الآن لتعزيز موقفها التفاوضي وإظهار هيمنتها. ففي نهاية المطاف، يعتمد دعم البلاد على ذلك. مع ذلك، قد تكون الغارات الجوية الروسية على إمدادات الطاقة الأوكرانية قد أثرت عليها مجدداً، فالكهرباء هي شريان الحياة للإنتاج الأوكراني، المدني والعسكري على حد سواء. من المحتمل أن أوكرانيا تواجه صعوبة في إنتاج أسلحتها بعيدة المدى، والتي يمكنها استخدامها لمهاجمة روسيا. لذا ينبغي على أوروبا والولايات المتحدة مساعدة أوكرانيا بتسليم الأسلحة في الوقت الحالي. لكن ثمة مشاكل جسيمة. فقد بلغت شحنات صواريخ أرض-جو من طراز PAC3 لأنظمة باتريوت، ذات الأهمية البالغة للدفاع الجوي الأوكراني، بضعة عشرات فقط. لكن عندما تطلق روسيا مراراً وتكراراً مئات الطائرات المسيّرة وعشرات الصواريخ الجوالة والباليستية على أوكرانيا، فإن هذا العدد لا يكفي على الإطلاق.
هل تتركز هذه المشاكل في الولايات المتحدة الأمريكية أم في أوروبا؟
تقدم واشنطن مساعدات، وإن كانت بكميات محدودة. مع ذلك، لا تزال الأنظمة الأوروبية المماثلة، مثل نظام SAMP/T، غير متوفرة بالقدر الكافي. وهذا أمر يدعو للتأمل. في نهاية المطاف، الأمر كله يتعلق بالمال. وفي أوروبا، الرغبة في الاستثمار محدودة حاليًا. في الوقت نفسه، لا تقتصر الولايات المتحدة على الإنتاج لأوكرانيا فحسب، بل عليها كذلك دعم إسرائيل ودفاعها. أثار الرئيس الأوكراني الاهتمام بتصريحه بأن روسيا غيّرت هدفها من البنية التحتية للطاقة إلى الخدمات اللوجستية. فما حقيقة هذا التصريح؟. أجاب رايزنر موضحًا: يركز الروس بالدرجة الأولى على تأمين إمدادات الفحم. ولا يزال هدف الحملة الجوية هو بث الرعب، والضغط على الشعب الأوكراني.
يحقق الروس ذلك ليس فقط من خلال الهجمات على محطات التحويل ومحطات توليد الطاقة، بل كذلك على الموارد التي تغذي هذه المحطات، كالفحم مثلاً. لذا، لم يتغير هدف الهجوم في جوهره، بل تغيرت وجهة التركيز فقط. علاوة على ذلك، استشهد زيلينسكي مجدداً بأرقام الخسائر بعد أكثر من عام: إذ يُقال إن 55 ألف جندي أوكراني قُتلوا منذ بداية الحرب . ويُدلي بهذا التصريح، في خضم مفاوضات أبوظبي لأنه يريد أن يُظهر أن الثمن ليس باهظًا بعد، وأننا قادرون على مواصلة القتال. لكن زيلينسكي يُغفل تفصيلاً بالغ الأهمية، ماذا عن المفقودين؟ كم عدد الجنود الذين لا يُعرف مصيرهم؟ هذا هو الرقم الذي سيثير الاهتمام حقًا.
النتائج
تتجه حرب أوكرانيا خلال المرحلة المقبلة نحو تسوية إجبارية أكثر منها حلاً تفاوضياً متوازناً. فمفاوضات أبوظبي، تسعى إلى تحقيق تحول حقيقي في مواقف الأطراف، وليس لإدارة الصراع. روسيا تدخل أي مسار تفاوضي من موقع قوة، مستندة إلى تفوقها الجوي، واستمرار قدرتها على إنهاك البنية التحتية الأوكرانية، ولا سيما قطاع الطاقة، بما يضعف قدرة كييف على الصمود طويل الأمد.
تواجه أوكرانيا تضييقاً متزايداً في هامش المناورة. فاستمرار الحرب بوتيرتها الحالية، مع تباطؤ الدعم الغربي ونقص أنظمة الدفاع الجوي والذخائر النوعية، يهدد بتآكل قدراتها العسكرية والبشرية. ورغم محاولات كييف استخدام الهجمات بعيدة المدى كورقة ضغط، فإن فعاليتها تبقى مرتبطة بشكل مباشر باستمرار الدعم الاستخباراتي والعسكري الأمريكي، وهو دعم بات خاضعاً لحسابات سياسية أوسع داخل واشنطن.
تبدو الولايات المتحدة، أقرب إلى استراتيجية إدارة الخسائر لا تحقيق نصر واضح. فالأولويات الأمريكية المتعددة، من الشرق الأوسط إلى المنافسة مع الصين، تقلل من استعداد واشنطن للانخراط العميق في حرب أوكرانيا. وفي هذا السياق، قد تميل الإدارة الأمريكية إلى دفع كييف نحو قبول تسوية ليست في صالح كييف، تقوم على تجميد خطوط المواجهة مقابل وقف القتال، حتى وإن جاء ذلك على حساب السيادة الإقليمية الأوكرانية.
يظل العجز العسكري وتردد القرار السياسي عاملين حاسمين في إضعاف أوراق الضغط الغربية. ومع محدودية الاستثمارات الدفاعية، يصعب تصور قدرة أوروبا على تعويض أي تراجع أمريكي. بناءً على ذلك، من المرجح أن يشهد العام 2026 تصاعداً في الضغوط على أوكرانيا للقبول بوقف إطلاق نار غير متكافئ، يكرّس مكاسب روسيا الميدانية، ويضع الحرب في حالة جمود طويل الأمد. فالصراع، في جوهره، لا يتجه نحو سلام عادل، بل نحو إنهاء مؤقت للقتال بشروط القوة.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114713
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
