اختر صفحة

اعداد : صفوان داؤد، باحث مختص بالشأن السوري ـ سوريا

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

 مقدمة

تتقاسم سوريا ولبنان جغرافياً سلسلة جبال لبنان الشرقية, وتشغل جرود القلمون اجزاء من الاراضي السورية واللبنانية على حد سواء. إن القتال في جرود القلمون صعب للغاية, وتشكل المواجهة والاشتباك المباشر الطريقة الفعالة الوحيدة تقريباً للانتصار، حيث أن عمليات القصف المدفعي والجوي من قبل الجيش السوري لم تكن قادرة على تحقيق اصابات كبيرة في صفوف مسلحي المعارضة، لأنهم غالباً ما تحصنوا في التضاريس الصعبة والانهدامات والكهوف.

هذا يعني من الناحية العسكرية, أن لجغرافيا القلمون ميزة عسكرية حاسمة سواء للجيش السوري ولحزب الله أو للمعارضة الاسلامية المسلحة.

سيطرت الفصائل الاسلامية المسلحة على منطقة القلمون منذ عام 2012, وكانت مدينة يبرود هي عاصمة المعارضة فيها. وقد اعتبر كل من الجيش السوري وحليفه حزب الله, منذ اللحظة الاولى من الصراع, أن تحرير القلمون يشكل أهمية استراتيجية قصوى لاعتبارات عدة. وقد خاض الجيش السوري وحزب الله في استرداد هذه المنطقة معارك شرسة مع جميع الفصائل الاسلامية المسلحة التي قدر عددها بنحو 25 فصيل, أهمها «جبهة النصرة» و«تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام» «تنظيم الدولة الاسلامية», الذي ازدادت قوته بشكل كبير في هذه المنطقة في العامين الماضيين.

من جانب آخر, لحزب الله الخصم العقائدي لهذه الفصائل, دور كبير واساسي في الصراع على القلمون عندما أدخل قواته في المعارك الدائرة في مناطق عدة من سوريا, واستخدامه تقنيات واسترتيجيا عسكرية جديدة للحفاظ على نفوذه, خاصة في الجرود المحاذية للحدود السورية. ورغم السيطرة الحالية الواسعة على منطقة القلمون لم يستطع الجيش السوري وحزب الله حصار الفصائل الاسلامية المسلحة بشكل كامل, التي بقيت مسيطرة حتى قبل بضعة اسابيع على حوالى 300 كم2 من مساحة القلمون يشغل ثلثيها تقريباً «تنظيم الدولة الاسلامية», وهو ماسمح ببقاء الوضع الامني متوتراً في هذه المنطقة بشكل مستمر.

دور حزب الله في القلمون

تُعتبر منطقة القلمون بالنسبة لحزب الله, ذات اهمية استراتيجة كبيرة, تتجاوز كونها عمق استراتيجي لمنظومته العسكرية وتأمين لطرق امداد الاسلحة, بل تمتد الى بيئة حياة تمس بشكل مباشر القاعدة الشعبية  الاجتماعية والاقتصادية والامنية له. وبينما مستوى عدم الاستقرار كان واضحاً في منطقة القلمون منذ لحظة اندلاع الاحداث السورية عام 2011, إلا أن عدد وخطورة الحوادث الامنية قد تطورت بشكل لافت بعد دخول عناصر الحزب للقتال الى جانب الجيش السوري.

تركزت هذه الحوادث على وجه الخصوص في المناطق اللبنانية المحيطة ببلدة عرسال, وفي بيروت والضاحية الجنوبية معقل حزب الله. يمكن القول أن دخول حزب الله في المعركة الى جانب الجيش السوري كان مدروساً للغاية, وهو ساهم فعلياً بمؤازرة الجيش السوري في اللحظة الحاسمة من عمر الصراع على سوريا, بعد ارتفاع شديد في وتيرة المعارك العسكرية في اكتوبر تشرين الاول 2013 في كل من ريف اللاذقية وريف دمشق وجنوب سوريا. ليستلم زمام الامور ميدانياً في جرود القلمون. وتشير معظم التقارير الى أن قوات حزب الله والجيش السوري قاما بإدارة معركة القلمون بفعالية كبيرة (1).

لقد استخدم حزب الله في معاركه مع مسلحي المعارضة السورية, الخبرات المتراكمة لديه من قتاله جيش الاحتلال الاسرائيلي في جنوب لبنان, بإسلوب حرب العصابات والمجموعات الكامنة. لكن هذه المرة مع تحديثات تتطلبتها سياق معركة القلمون.

مستخدماً بالتعاون مع قوات الجيش السوري المختصة, وبشكل متكرر, القصف الصاروخي عبر المدفعية أو الطائرات, لإفشال اي تحضير لهجوم محتمل للفصائل الاسلامية, او لتغطية تقدم عناصر الحزب ضمن الجرود. والمعروف أن حزب الله لم يدخل في معركة القلمون بكل مقاتليه بل ببضعة مئات منهم, وهو اعتمد على تعويض النقص العددي بنوعية اداء مقاتليه العالية, لكن في معركته الحالية الدائرة الآن ضد «جبهة النصرة» مدعومأ باستخدام الطائرات من دون طيّار, والمجموعات القتالية الحاملة لتقنيات حديثة حصل عليها من ايران(2).

بدا الامر معكوساً اذ دفع بعدد عناصر اكبر بكثير من اعداد مقاتلي «جبهة النصرة» المنتشرة في جرود القلمون والمقدر عددها مابين 500 الى 600 عنصر.

 

الميدان

حصلت جهود وساطة عبر الشيخ الحجيري لحل النزاع في جرود القلمون اللبنانية بين «جبهة النصرة» وحزب الله, لكنها باءت بالفشل بعد رفض الأخير لعرض زعيم «جبهة النصرة» ابو مالك التلي ينص على سحب حزب الله لعناصره من الجرود اللبنانية مقابل انسحاب عناصر النصرة إلى سوريا, ورفض التلي لعرض حزب الله الذي ينص على خروجه هو وعناصره من دون العتاد الى مدينة ادلب في الشمال السوريهكذا وبعد اسبوع من الغارات الجوية للطيران السوري المتواصلة على مواقع «جبهة النصرة» في مرتفعات الضليل في جرود فليطة السورية على الحدود مع جرود عرسال اللبنانية.

بدأ في 20 يوليو تموز 2017 هجوم واسع لعناصر حزب الله في عملية اطلق عليها «عملية الحاج علاء البوسنة» على عدة محاور ضمن جرود القلمون في جرود فليطة وفي القنزح وضهر الهوة وشعبة النحلة ومرتفعات عقاب, يتقدمه المحور الاكثر اهمية محور وادي الكسارات-وادي الخيل في جرود عرسال. في اليوم التالي سيطر المهاجمون على تلة البركان ومرتفعات “الكرة الأول” و”ضليل الحاج” و”حرف الصعبة” ضمن الاراضي السورية, وموقع ضهر الهوة(3)، وموقع تفتناز في جبل القنزح ضمن الاراضي اللبنانية.

يخوض المعركة ضد «جبهة النصرة» ثلاثة اطراف هي ضمن الاراضي السورية حزب الله والجيش السوري, وضمن الاراضي اللبنانية حزب الله والجيش اللبناني, وتركزت مهمة هذا الاخير فصل مناطق المعارك الدائرة في جرود عرسال عن مخيمات النازحين التي يقارب عددها 13 مخيم.

وفي الحقيقة يعتبر هذا دوراً مهماً, اذ منع الجيش اللبناني بذلك انسحاب مسلحي «جبهة النصرة» من منطقة المعارك الى داخل مخيمات النازحين, والتي لن يتردد عناصرها من استخدام الاف المدنيين فيها كرهائن, مايشكل ضغط دولي وانساني هائل على الجيش والحكومة اللبنانية.

في معركته الحالية اعتمد حزب الله على خطة غير متوقعة عموماً اذ هاجم في 20 من هذا الشهر المحور الاكثر تحصيناً لدى «جبهة النصرة» وهو محور وادي الكسارات-وادي الخيل, ونجح الهجوم حيث سيطرت عناصره على لسان جغرافي يفصل بلدة عرسال عن جرودها, وفي اليوم الثالث من المعارك خسر مقاتلوا النصرة حوالى 60% من الاراضي التي كانوا يحتلونها؟ في 24 من هذا الشهر تم تأمين بلدة عرسال نهائياً بعدما سيطرة الحزب على جميع التلال التي ترتفع فوق 2000 متر عن سطح البحر. حالياً يتجمع من تبقى من عناصر النصرة في منطقتين صغريتين منفصلتين لاتتجاوز مساحتهما 10كم2, في وادي الحميد من جهة ووادي العويني من جهة اخرى.

الهوامش

(1): انظر على سبيل المثال تقرير مركز دراسات الحرب الاميركي:

Isabel Nassief, “Hezbollah and the fight for control in Qalamoun,” Institute for the Study of War, ISW Syria Blog, November 26, 2013. http://iswsyria.blogspot.com/2013/

(2): أنظر:

Will Fulton, Joseph Holliday, and Sam wyer. “Iranian strategy in Syria,” AEI’s critical threats project & Institute for the Study of War, USA. May 2013. pp.21-23

(3): موقع ضهر الهوة هو خط الدفاع الاساسي  لجبهة النصرة في جرود عرسال وهو هضبة صغيرة تبلغ مساحتها 3,5 كم2 وترتفع 2015 متراً عن سطح البحر،. وكان يضم عدة مواقع شديدة التحصين أهمها موقعي الطائف، والراية.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

صفوان داؤد، باحث