داعش والجهاديوندراساتمكافحة الإرهاب

معركة الجنوب السوري ومابعد محادثات أستانة 10. بقلم صفوان داؤد

معركة الجنوب السوري ومحادثات استانة 10

إعداد صفوان داؤد، مختص بالشأن السوري

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

بقي الوضع العسكري في جنوب سوريا طوال الحرب السورية متوتراً للغاية، وأتى على شكل قفزات متسارعة. رغم ذلك سمات معركة الجنوب ونتائجها تدريجية وتراكمية.

في بداية عام 2015 السياق العسكري على مستوى الجنوب السوري كان بصعوبة لصالح الجيش السوري، لاحقاً دخل في نوع من الستاتيكو بقي مستمراً حتى بعيد مؤتمر استنة9 عندما القى الطيران المروحي التابع للجيش السوري منتصف مايو 2018 مناشير تدعو الفصائل الاسلاموية المسلحة في بلدات الحارة وجاسم ونوى بريف درعا للاستسلام, وسط تلميح واضح لروسيا بفشل تطبيق منطقة خفض التصعيد في الجنوب السوري, عبّر عنه ممثل قاعدة حميميم الروسية ألكسندر إيفانوف: «إن انتهاء اتفاق خفض التصعيد في مدينة درعا جنوب البلاد ستكون حتمية في ظل استمرار وجود متطرفين ينتمون إلى تنظيمي داعش وجبهة النصرة» (1), قابله حالة استنفار عالية من قبل هذه الفصائل وتصعيد دولي عالي النبرة للولايات المتحدة ضد الجيش السوري يحذره من اي عملية عسكرية محتملة.

وقالت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية هيذر نويرت أن: “الولايات المتحدة بصفتها ضامنة لمنطقة خفض التصعيد هذه بالاشتراك مع روسيا والأردن، ستتخذ إجراءات صارمة ومناسبة للرد على انتهاكات نظام الأسد” (2). وكانت دخلت مناطق درعا والقنيطرة والسويداء ضمن مناطق خفض التصعيد بعد اتفاق على هامش قمة العشرين في هامبورغ توصلت اليه روسيا والولايات المتحدة والأردن في 7 يوليو تموز 2017.

تحت هذا الاتفاق الروسي – الاميركي العام هناك قضية الوجود الايراني في الجنوب بقيت حاضرة بقوة بفعل الالحاح الاسرائيلي. في عام 2018 فقط استهدفت تل ابيب عدة مرات نقاط عسكرية إيرانية في دمشق وحمص وحماة ودير الزور والقنيطرة. تبرير اسرائيل الدائم هو حماية امنها القومي من (التمدد الايراني) ويبدو فعلاً هذا الذي يعنيها, اذا ان معظم الضربات الجوية التي نفذتها اسرائيل لم تستهدف بشكل مباشر قطعات للجيش السوري ولم تؤدي الى خسارة عناصر سورية.

ويبدو ان الروس مرتاحين لهكذا صيغة اذ لم يظهر اي نشاط دفاعي للسلاح الروسي ضد الهجمات الاسرائيلية لحماية المواقع الايرانية في اشارة الى انه بدون سلاح الجو الروسي سيبقى النفوذ الايراني عرضة للاستهداف الاسرائيلي. ان هذا الموضوع لن يؤثر على حقيقة التحالف بين ايران وروسيا فلم يكن يوماً خلال الحرب السورية قدرة للروس تثبيت سيطرتهم دون وجود قوات مدعومة ايرانياً على الارض, لكن تحجيم دورهم على خلفية تباين رؤية الحل السياسي لسوريا وحول مصير الاسد هو وارد, فبينما لاتعني شخصية الاسد كثيراً الروس في اي حل مستقبلي, يبقى الايرانيون متمسكين به لأاسباب عديدة.

منذ الاول من يونيو حزيران 2018 ازدادت التوترات في الجنوب السوري, وحصل نشاط غير مسبوق لتنظيم الدولة في ريف السويداء الشرقي وبدأت تعزيزات للجيش السوري بالانتقال نحو الاطراف الجنوبية للغوطة الغربية وشمال محافظة درعا (3), وفي 19 يونيو بدأ الجيش السوري هجومه على محافظة درعا.

سعى النظام في استراتيجيته العسكرية خطين ميدانيين متوازيين الأول تحرير ريف درعا الشمالي الشرقي ثم الشرقي انطلاقاً من ريف السويداء الغربي -كانت نقطة الانطلاق قريتي الطيرة وصما-، وفتح جبهة بطول 40 كيلومترًا من قرية “سكاكا” جنوبًا إلى الشومرة في الشمال وفق محورين قتاليين الاول محور الشومرة-سكاكا والثاني محور الدويرة-والتعارة.

وبعد سيطرته على قرى “التينة” و”الملزومة” في درعا وبلدة “حيط” في ريف القنيطرة دخلت قريتي “دير داما” ومزرعة “البستان” وسط اللجاة ثم “الشومرية” و”المدورة” و”العلالى” كما سيطر على كتيبة الدفاع الجوي الواقعة بين بلدتي “لبين” و”حران”.

في 22 يونيو استطاع الجيش السوري في اولى نجاحاته تطويق بلدة بصر الحرير شرقي محافظة درعا الخاضعة لتنظيم «جبهة النصرة» بالتالي يكون الجيش قد حقق اولى نجاحاته وهو فصل منطقة اللجاة عن ريف درعا. في 25 يونيو اعلن الجيش السوري سيطرته على مساحة بلغت 400 كم2 من الجنوب السوري، متضمنة منطقة اللجاة، وبلدتي “بصر الحرير” و”مليحة” ومحيطهما, وفي 12 يوليو دخل الجيش السوري “درعا البلد” وكان قبلها بحوالي اسبوع قد دخل معبر نصيب للمرة الاولى منذ ان سقط بيد المجوعات الاسلاموية المسلحة مطلع ابريل نيسان 2015.

عزز هذا التقدم مفاوضات كانت تجري بين قوات المعارضة والجيش الروسي وانتهت بشروط مشابهة للشروط التي نفذت في الغوطة الشرقية انتقل على اثرها الرافضين للتسوية الى الشمال السوري. الخط الثاني تحرير ريف القنيطرة وهو معقد استراتيجياً وعسكرياً لتماسه الجغرافي المباشر مع خط الاندوف او خط وقف اطلاق النار مع اسرائيل, ولتماسه الجغرافي مع حوض اليرموك معقل «جيش خالد بن الوليد» المبايع لتنظيم الدولة ومعقل ايضاً لجبهة النصرة.

إن تفعيل هذا الخط لطالما ارتبط بتوازنات اقليمية ودولية محورها اسرائيل, وأن عدم فتح هذا المحور حتى 15 يوليو 2018 مرتبط بصياغة هذه التوازنات التي اقتضت على مايبدو دخول مسلحي القنيطرة في نظام الترحيل الى ادلب والذي بدأ 21 تموز 2018 , وانتهت بمراسيم احتفال رمزية بمناسبة تحرير الجيش السوري مدينة القنيطرة ومحيطها في 28 من نفس الشهر.

بقيت منطقة الجنوب السوري بعيدة عملياً عن الترتيبات التي صاغتها أستنة حتى نسختها الثامنة لكنها مع معركة الجنوب اضحت تحت وطأة اختبار جديد للعلاقات او بالأحرى تفكيك لصيغ التوازن التي كانت قائمة قبل اتفاق منبج (يونيو 2018) وتحرير الغوطة الشرقية (مارس 2018). ولأول مرة رافق التصعيد العسكري في الجنوب تفعيل مقررات مؤتمر سوتشي والعمل على تشكيل اللجنة الدستورية.

وبدلاً من تعطيل هذا التصعيد عمل الامم المتحدة وجدنا ضغطا كبيرا السيد ستيفان دي ميستورا بشأن الدفع بعملية التفاوض السياسي بين الأطراف السورية.

إن استرداد الارض من المجموعات الاسلاموية المسلحة يعني فقدان اوراق التفاوض التي يمكن ان يناور بها الجناح السياسي للمعارضة. في المقلب الآخر لايعني هذا اكتساب النظام السوري لأوراق قوة لأن المسألة السورية اصبحت مع مرور الوقت بيد الكرملين, وعملية التفاوض عبر استنة وجنيف اكتسبت طابع دولي مرتبط بمعايير ضبط التوازن الدولي.

واذ كان استنة اكثر تعبيراً عن انضباط هذه المعايير, بقي جنيف مستند على آليات نظرية غير واقعية هي مرحلة انتقالية تقضي بتغيير النظام ثم لاحقاً محاولات نقل الشرعية منه الى طرف آخر هو «الهيئة العليا للتفاوض». والسخرية ان كلا الطرفين لم يملكا شرعية في مناطق سيطرتهما ناهيك عن المناطق الخارجة عنهما والتي شغلتها قوى عسكرية رافضة للعملية السياسية مثل «تنظيم الدولة» و«فتح الشام».

في 25 تموز انتقل العنف الى محافظة السويداء وقام تنظيم الدولة يهجوم غير مسبوق على شرق هذه المحافظة رافقه تفجير سيارة مفخخة في قلب مدينة السويداء, ويبدو هذا التصعيد سياسة اميركية دأبت تنهجها في سوريا وهي خلق فراغات في الازمة تجعل من جميع الاطراف تحت ضغطها واستنزافها.

ونلاحظ منذ عام 2015 أن طبيعة الحرب الأميركية على إيران قد تغيرت نتيجة التدخل الروسي الفاعل في سوريا، وتحول شيئاً فشيئاً الى اغراق ايران بالمشاكل الخارجية ضمن مناطق نفوذها سواء كان في العراق او سوريا.

الهوامش

(1) “النظام السوري والروس يفتحون معركة الجنوب وتلويح بـ «إنهاء حتمي» لخفض التصعيد”, الحياة (دبي), 25 امايو 2018

(2) “واشنطن تهدد النظام السوري برد «صارم» في حال هاجم درعا” الخليج (دبي), 27 مايو 2018.

(3) النظام يحشد قواته في درعا والمعارضة تتأهب, موقع الجزيرة, 1 يونيو 2018

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر   https://wp.me/p8HDP0-cbw

الباحث صفوان داؤد

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى