دراساتدفاع

معركة ادلب الكبرى على الأبواب .. بقلم صفوان داؤد

إعداد صفوان داؤد، مختص بالشأن السوري ـ سوريا

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

طالما شكل الشمال السوري جاذبية جغرافية عالية من حيث البعد الاستراتيجي لأنقرة, عبّرَ عنها الرئيس التركي مراراً في خطبه قائلاً أن “مايحدث في المنطقة لايتطور عشوائيا” (1), مدعياً أن هناك مؤامرة تحاك ضد بلاده ومستذكرا بالرفض اتفاق لوزان التاريخي وحدود تركيا الحالية, في اشارات ضمنية استعمارية حول سوريا والعراق, وللإشارة فإنه في عام 2023 ستكون أنقرة في حلِّ من جميع التزاماتها الواردة في اتفاقية لوزان بما فيها المتعلقة بحقوق الأقليات.

وفي بيئة محلية ذات قابلية عالية لقبول الطرف الغازي بدأت مؤسسات تركية مختلفة فعلياً بإجراءات دمج للمجتمع المحلي في محافظة ادلب بالدولة التركية, حيث منحت الجنسية لرجال الأعمال والحرفيين والصناعيين وحاملي الشهادات العليا. إن هذا الاتجاه العام يفترض ان انقرة غير راغبة اطلاقا التخلي عن مكتسباتها في ادلب, التي انتشرت فيها بالفعل قوات من الجيش التركي على شكل نقاط مراقبة بلغ عددها 12 نقطة، ومن البديهي القول هنا مدى التأثير السياسي الذي يمكن ان تؤديه انقرة في اي تسوية مقبلة في سوريا.

منذ مطلع آب الماضي بدأت مناوشات على الحدود الفاصلة بين مناطق سيطرة المجموعات الاسلامية المسلحة ومناطق سيطرة الجيش السوري, على طول الجبهة الممتدة من ريف إدلب الجنوبي الشرقي، وريف حماة الشمالي، وصولاً إلى منطقة سهل الغاب شمال غربي حماة, وبعض مناطق ريف حلب الغربي، كأورم الكبرى وخان العسل وكفرناها. دمشق تريد استثمار الزخم المعنوي والقتالي العالي بعد السيطرة على محافظتي درعا والقنيطرة لـحسم معركة ادلب, او على الاقل استعادة الجزء المتبقي من طريق دمشق حلب الدولي، الذي بتحريره سينفتح هذا الشريان الحيوي من حلب وحتى معبر نصيب الحدودي مع الاردن .

لكن اجتماعات استنة10 كانت الفيصل في تحديد معركة ادلب الاخيرة, حيث لم تمض بضعة ايام على انتهاء اعلان انتهاء هذا المؤتمر حتى بدأ الجيش السوري يزيد عديده وينقل آلياته العسكرية الثقيلة الى الحدود الميدانية في محافظة ادلب, تبعها ازدياد وتيرة الغارات الجوية بشكل غير مسبوق, بشكل خاص على لمواقع وتحركات مسلحي «الحزب الإسلامي التركستاني» التابع لتنظيم «جبهة النصرة» في قرى وبلدات “المشيك” و”القرقور” و”تل واسط” و”الزيارة” بسهل الغاب شمال غربي حماه (2).

ورغم انه تم تداول العديد من السيناريوهات حول دور تركي يحول دون اندلاع معركة كبرى في تلك المحافظة مع نشرها  نقاط المراقبة المحصنة, بدا هذا غير ممكن في ظل تعقد الظروف الدولية مع فرض الولايات المتحدة عقوبات اقتصادية على كل من ايران وتركيا والتي ادت الى تدهور حاد في قيمة العملة فيهما حيث فقدت عملة هذه الاخيرة بُعيد استنة10 أكثر من ثلث قيمتها مقابل الدولار (3).

خلال شهر اغسطس آب 2018 اجتمع وزيرا خارجية روسيا وتركيا ثم لاحقاً في نفس الشهر وزيرا دفاع البلدين في اشارة الى ترنح وضع ادلب بين التسوية أو التصعيد, لكن كما المرات السابقة يبدو القرار الروسي هو الفيصل, حيث تم تمديد خفض التصعيد في ادلب الى شهر ايلول من نفس العام.

وفي سبيل رفع الضغوطات عنها عملت تركيا على اعادة ترتيب توزع القوى العسكرية داخل ادلب, ودعمت توسيع جبهة «الجبهة الوطنية للتحرير» المتشكلة منذ ايلول 2017 والمكونة من 11 فصيل اسلامي وأصبحت هذه الجبهة نسخة جديدة اكثر افقية بعد تحالفها مع «جبهة تحرير سوريا» و«ألوية صقور الشام»، و«جيش الأحرار»، و«تجمع دمشق» (4)، وعين زعيم «فيلق الشام» سابقاً فضل الله الحجي قائداً عاما لهذه الجبهة وعناد الدرويش رئيساً للأركان.

وبنشوء «الجبهة الوطنية للتحرير» يصبح مصير «هيئة تحرير الشام» اكثر صعوبة في المحافظة على مناطق تواجده رغم عدم جدية تركيا في حل هذه الهيئة أو تسليم سلاحها الثقيل كما ورد في المطالبات الروسية الواردة في اجتماعات استنة.  بذلك يبقى مصير ادلب معلقاً على الاقل حتى نهاية شهر ايلول, متأملين ان يأخذ مسار الحل بعين الاعتبار حماية مئات الوف المدنيين المحصورين بين مطرقة الجماعات الاسلامية المسلحة وسنداد الجيش السوري وحلفاءه.

الهوامش

(1): “أردوغان: التطورات في المنطقة ليست عشوائية”, تلفزيون cnn بالعربية, 7 تشرين الثاني/نوفمبر, 2017

(2): “غارات جوية مكثفة تستهدف معاقل «جبهة النصرة» جنوب إدلب”, وكالة سبوتنيك الروسية, 10 آب 2018. الرابط: https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201808101034519491

(3): ارتفع معدل التضخم إلى 15.85%, وترزح المؤسسات المحلية التركية تحت أكثر من 40 مليار دولار من السندات والقروض المقومة بالدولار واليور التي تستحق في عام 2020، وتقدر ديون البنوك الأجنبية لتركيا بنحو 224 مليار دولار، وفقا لبيانات البنك الدولي للتسويات،وكشفت بيانات البنك المركزي التركي بلوغ العجز مستوى قياسيا في الربع الأول من عام 2018 بلغت 96% على أساس سنوي، الارقام عن العربية نت 12 اب 2018. الرابط:

https://www.alarabiya.net/ar/aswaq/2018/08/10/لماذاانهارتالليرةالتركيةبعدخطابأردوغان؟.html

(4): يتكون تجمع دمشق من القوى التي جاءت عبر الاتفاقات مع الجيش السوري من كل ريفي دمشق الغربي والشرقية والضمير والزبداني.

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

رابط مختصر https://www.europarabct.com/?p=47524

الباحث صفوان داؤد

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق