المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولنداECCI وحدة الدراسات “2”
مضيق هرمز.. لماذا تتحفظ أوروبا على الانضمام إلى دورية بحرية مشتركة لتأمين الملاحة؟
أعاد التصعيد العسكري في الخليج خلال عام 2026 ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز إلى صدارة الاهتمام الدولي، في ظل تنامي المخاوف من تعطل أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، الذي يمر عبره ما يقارب خمس تجارة النفط المنقول بحرًا، فضلًا عن كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والسلع التجارية. وقد أدى تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاطر الأمنية إلى تجدد الدعوات الأمريكية لتشكيل دورية بحرية متعددة الجنسيات تتولى حماية السفن التجارية وضمان استمرار تدفق التجارة العالمية.
ورغم أن حرية الملاحة تمثل مصلحة مشتركة للولايات المتحدة والدول الأوروبية، فإن الاستجابة الأوروبية للمقترح الأمريكي اتسمت بالحذر، إذ أبدت عدة عواصم تحفظات على الانخراط في مهمة بحرية جديدة قبل اتضاح مستقبل التهدئة مع إيران، ووجود تصور واضح لطبيعة المهمة وأهدافها وآليات قيادتها. ويعكس هذا الموقف اختلافًا في المقاربة الاستراتيجية بين الجانبين؛ ففي حين تنظر واشنطن إلى الدورية باعتبارها أداة لتعزيز الردع واستعادة الاستقرار في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، تفضل الدول الأوروبية التركيز على حماية الملاحة ضمن إطار دفاعي متعدد الأطراف، مع تجنب الانخراط في ترتيبات قد تُفسَّر على أنها امتداد لسياسة الضغط العسكري على إيران.
أهمية مضيق هرمز في معادلة الأمن الدولي
يمثل مضيق هرمز أحد أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم، إذ يربط الخليج العربي بخليج عُمان وبحر العرب، ويعد المنفذ البحري الرئيس لصادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية. لذلك فإن أي اضطراب أمني في المضيق ينعكس بصورة مباشرة على أسواق الطاقة، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي المستمر بضمان أمنه. مضيق هرمز ـ ما الدول الأوروبية الأكثر تضررًا من اضطراب حركة الملاحة البحرية؟
وتزداد أهمية المضيق بالنسبة للدول الأوروبية نتيجة اعتماد العديد من اقتصاداتها على استقرار أسواق الطاقة العالمية، حتى مع تراجع الاعتماد المباشر على نفط الخليج مقارنة بسنوات سابقة. كما أن استمرار انسياب التجارة البحرية يمثل مصلحة اقتصادية أوروبية مباشرة، خاصة في ظل الضغوط التي تعرضت لها خطوط الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، الأمر الذي رفع من أهمية الحفاظ على جميع الممرات البحرية الاستراتيجية في المنطقة.
لماذا تسعى الولايات المتحدة إلى تشكيل دورية بحرية جديدة؟
جاءت الدعوة الأمريكية لتشكيل دورية بحرية مشتركة في أعقاب تراجع حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز، واستمرار احتجاز عدد من السفن التجارية، إلى جانب المخاوف من استخدام الألغام البحرية أو استهداف السفن التجارية في حال تجدد المواجهة العسكرية. وتسعى واشنطن إلى تقاسم أعباء حماية الملاحة مع الحلفاء، خاصة في ظل اتساع التزاماتها العسكرية في مناطق متعددة، وما يفرضه ذلك من ضغوط على قدرات البحرية الأمريكية.
وتشير المعطيات إلى أن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث أجرى سلسلة من الاتصالات مع نظرائه في المملكة المتحدة وفرنسا لبحث إمكانية تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات، مع عقد مؤتمر دولي لتحديد مساهمات الدول المشاركة، وتوزيع المهام بين القطع البحرية، بما يشمل عمليات مرافقة السفن التجارية، ومكافحة الألغام، وتأمين الممرات البحرية الحيوية.
ولا يقتصر الهدف الأمريكي على تعزيز الأمن البحري فحسب، بل يمتد إلى تقليل الأعباء التشغيلية الواقعة على البحرية الأمريكية، التي واصلت خلال الأشهر الماضية نشر مجموعات قتالية بحرية وحاملات طائرات وقوات من مشاة البحرية في منطقة الخليج والشرق الأوسط. ويزداد هذا التحدي مع الحاجة إلى الحفاظ على جاهزية الوحدات البحرية وإجراء أعمال الصيانة الدورية، ما يجعل إشراك الحلفاء الأوروبيين عنصرًا مهمًا في استراتيجية تقاسم الأعباء الأمنية.
أسباب التحفظ الأوروبي على المشاركة
ورغم إدراك العواصم الأوروبية لأهمية تأمين الملاحة في مضيق هرمز، فإنها لم تبدِ حماسًا للانضمام إلى الدورية المقترحة بالصيغة التي طرحتها واشنطن. ويعود ذلك إلى مجموعة من الاعتبارات السياسية والعسكرية والاستراتيجية.ويتمثل ذلك في غياب الثقة الكاملة باستقرار التهدئة مع إيران، إذ ترى الحكومات الأوروبية أن أي قوة بحرية جديدة قد تجد نفسها سريعًا في مواجهة مباشرة إذا انهار وقف إطلاق النار أو تجددت العمليات العسكرية، الأمر الذي قد يحول مهمة حماية الملاحة إلى عملية ذات طابع قتالي.
وكذلك طريقة إدارة الولايات المتحدة للأزمة، حيث أعرب عدد من المسؤولين الأوروبيين عن استيائهم من محدودية التنسيق السياسي قبل اتخاذ بعض القرارات العسكرية، وهو ما عزز القناعة بضرورة أن تكون أي مهمة مستقبلية قائمة على التشاور الجماعي، مع وضوح الأهداف السياسية والعسكرية منذ البداية.
وتفضل الدول الأوروبية أن تعمل أي قوة بحرية ضمن إطار متعدد الجنسيات يتمتع بشرعية سياسية وقانونية واضحة، مع تحديد قواعد اشتباك دفاعية تقتصر على حماية الملاحة الدولية، وتستبعد المشاركة في عمليات هجومية ضد إيران. ويعكس هذا التوجه حرص الاتحاد الأوروبي على الفصل بين مهام الأمن البحري والعمليات العسكرية ذات الطابع الهجومي، بما ينسجم مع نهجه التقليدي في إدارة الأزمات الإقليمية.
ولا تقل الاعتبارات الاقتصادية أهمية عن الجوانب السياسية، إذ تدرك الحكومات الأوروبية أن استمرار التوتر في الخليج يهدد استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية، لكنها في الوقت نفسه تسعى إلى تجنب خطوات قد تؤدي إلى تصعيد إضافي، أو تقوض فرص العودة إلى المسار الدبلوماسي. ومن ثم، فإن الموقف الأوروبي لا يعكس رفضًا لمبدأ حماية الملاحة، بقدر ما يعبر عن اختلاف في كيفية تنفيذ هذه المهمة والظروف السياسية التي ينبغي أن تسبقها. مضيق هرمز ـ كيف يؤثر التصعيد بين طهران وواشنطن على المهمة البحرية الألمانية في الخليج؟
الوجود البحري الأمريكي في الخليج.. الأسطول الخامس
يمثل الأسطول الخامس الأمريكي العمود الفقري للوجود البحري الأمريكي في منطقة الخليج العربي والمحيط الهندي، ويُعتبر أحد أهم أدوات واشنطن للحفاظ على حرية الملاحة وتأمين خطوط التجارة والطاقة في واحدة من أكثر المناطق الجيوسياسية حساسية في العالم. ويتخذ الأسطول من قاعدة الدعم البحري في العاصمة البحرينية المنامة مقرًا لقيادته منذ عام 1995، ويعمل تحت مظلة القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية والقيادة المركزية الأمريكية .
ويمتد نطاق مسؤوليات الأسطول الخامس عبر منطقة بحرية واسعة تشمل الخليج العربي، ومضيق هرمز، وخليج عُمان، وبحر العرب، وأجزاء من البحر الأحمر والمحيط الهندي، وهي مناطق تشكل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية ونقل الطاقة. وتتمثل مهامه الأساسية في ضمان حرية الملاحة، وحماية السفن التجارية، ومواجهة التهديدات البحرية، وتعزيز التعاون مع القوات البحرية الحليفة والشريكة في المنطقة.
وخلال السنوات الماضية، اعتمدت الولايات المتحدة على وجود بحري متقدم في الخليج كوسيلة للردع ومنع أي طرف إقليمي من تهديد حركة الملاحة أو محاولة إغلاق مضيق هرمز. ويشمل هذا الانتشار مجموعات قتالية لحاملات الطائرات، ومدمرات قادرة على الدفاع الجوي والصاروخي، وسفن إنزال، ووحدات لمكافحة الألغام، وغواصات، إضافة إلى الطائرات البحرية ووحدات مشاة البحرية.
إلا أن استمرار هذا الانتشار يفرض تحديات تشغيلية على البحرية الأمريكية، خاصة مع تزايد الالتزامات العسكرية في مناطق أخرى من العالم. فالحفاظ على وجود دائم لحاملات الطائرات والسفن القتالية في الشرق الأوسط يتطلب تدوير الوحدات البحرية وإجراء أعمال الصيانة الدورية، الأمر الذي يدفع واشنطن إلى البحث عن آليات جديدة لتقاسم الأعباء مع الحلفاء، خصوصًا الدول الأوروبية التي تمتلك قدرات بحرية متقدمة وخبرات عملياتية في حماية الملاحة الدولية.
ومن هذا المنطلق، فإن الدعوة الأمريكية لإنشاء دورية بحرية مشتركة في مضيق هرمز لا ترتبط فقط بالحاجة إلى تعزيز الأمن البحري، وإنما تعكس أيضًا رغبة واشنطن في إعادة توزيع المسؤوليات الأمنية مع الحلفاء، بما يقلل من الضغط على القوات الأمريكية ويحافظ على قدرتها على الاستجابة للأزمات الأخرى.
القوة البحرية الأوروبية في الخليج والبحر الأحمر
رغم محدودية الوجود العسكري الأوروبي مقارنة بالانتشار الأمريكي، فإن عددًا من الدول الأوروبية يمتلك خبرة متراكمة في تنفيذ عمليات الأمن البحري في الخليج والبحر الأحمر، سواء بصورة منفردة أو ضمن أطر أوروبية مشتركة. ويعكس هذا الحضور توجهًا أوروبيًا متزايدًا نحو حماية خطوط التجارة الدولية، مع الحفاظ على طابع دفاعي يركز على حرية الملاحة وتجنب الانخراط في صراعات عسكرية مباشرة. ومن أبرز المبادرات الأوروبية :
المهمة الأوروبية للمراقبة البحرية في مضيق هرمز (EMASoH): التي أطلقت عام 2020 بهدف تعزيز الوعي بالمجال البحري وخفض التوترات وضمان حرية الملاحة في منطقة الخليج. وتضم المهمة ذراعًا عسكريًا هي عملية “أجينور” (AGENOR)، التي تعتمد على مساهمات عدد من الدول الأوروبية وتعمل وفق مقاربة تركز على المراقبة البحرية وتبادل المعلومات والتنسيق مع الشركاء الإقليميين.
وتختلف هذه المقاربة عن النموذج الأمريكي من حيث طبيعة المهمة وأهدافها؛ إذ تركز أوروبا بصورة أكبر على منع التصعيد وبناء الثقة، بينما تعتمد واشنطن بصورة أكبر على الردع العسكري والوجود البحري المتقدم. لذلك، فإن أي مشاركة أوروبية مستقبلية في دورية جديدة بمضيق هرمز ستكون مرتبطة بمدى توافق المهمة المقترحة مع هذا النهج الدفاعي.
عملية “أسبيدس :وفي البحر الأحمر وخليج عدن، عزز الاتحاد الأوروبي حضوره البحري من خلال عملية “أسبيدسالتي أُطلقت عام 2024 لحماية السفن التجارية من التهديدات التي تعرضت لها الملاحة الدولية في المنطقة. وتركز العملية على مرافقة السفن التجارية، وتعزيز الوعي البحري، وتوفير الحماية الدفاعية، مع تجنب الانخراط في عمليات هجومية واسعة.
وتوفر هذه الخبرات نموذجًا مهمًا يمكن البناء عليه في حال تشكيل دورية بحرية جديدة في مضيق هرمز، إذ تفضل الدول الأوروبية عادة المهام التي تتمتع بتفويض واضح، وقيادة متعددة الجنسيات، وقواعد اشتباك محددة، بحيث تظل المشاركة ضمن إطار حماية الملاحة وليس المشاركة في نزاع إقليمي. الأمن الدولي والدفاع ـ مضيق هرمز والطائرات المسيّرة.. حدود الحسم العسكري
الدورية المقترحة.. المهام والقيادة والسيطرة
في حال التوافق على إنشاء دورية بحرية مشتركة في مضيق هرمز، فمن المرجح أن تركز مهمتها الأساسية على تأمين حركة السفن التجارية وضمان استمرار الملاحة الدولية، وليس تنفيذ عمليات عسكرية هجومية ضد أي طرف إقليمي. وقد تشمل مهامها مراقبة الممرات البحرية، وتوفير الحماية للسفن ذات الأهمية الاستراتيجية، ومكافحة الألغام البحرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والاستجابة للحوادث أو التهديدات التي تستهدف السفن التجارية.
ومن الناحية العملياتية، يمكن أن تعتمد الدورية على نموذج قيادة متعددة الجنسيات، بحيث تشارك الدول الأعضاء بضباط ارتباط داخل مركز قيادة مشترك، مع توزيع المهام وفق القدرات البحرية لكل دولة. وقد تتولى الولايات المتحدة دورًا رئيسيًا بحكم قدراتها الاستخباراتية واللوجستية والانتشار العسكري القائم، بينما تسعى الدول الأوروبية إلى ضمان وجود آلية قرار جماعية تمنع تحول المهمة إلى أداة ضمن استراتيجية عسكرية أوسع ضد إيران.
وستكون مسألة قواعد الاشتباك من أكثر القضايا حساسية، إذ ستحتاج الدول المشاركة إلى تحديد واضح للظروف التي تسمح باستخدام القوة، خصوصًا في حال تعرض السفن لهجمات أو محاولات تعطيل الملاحة. ومن المتوقع أن تدفع الدول الأوروبية نحو قواعد اشتباك دفاعية ومحددة، تتيح حماية القوات والسفن دون توسيع نطاق العمليات إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
ومن هنا، فإن نجاح أي دورية بحرية مشتركة لن يعتمد فقط على حجم القوات المشاركة، بل على مستوى التوافق السياسي بين الدول الأعضاء، ووضوح الهدف الاستراتيجي للمهمة، وقدرتها على الفصل بين حماية الملاحة وبين التنافسات الجيوسياسية الأوسع في المنطقة.
احتمالات مشاركة الدول الأوروبية.. بين المصالح الأمنية والتحفظات السياسية
رغم إدراك الدول الأوروبية للأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وضرورة الحفاظ على حرية الملاحة، فإن قرار المشاركة في دورية بحرية مشتركة لن يكون قرارًا عسكريًا فقط، بل سيخضع لحسابات سياسية واستراتيجية معقدة. فالدول الأوروبية تجد نفسها أمام معادلة مزدوجة؛ فمن جهة، لديها مصالح مباشرة في استقرار طرق التجارة العالمية وأمن إمدادات الطاقة، ومن جهة أخرى، تخشى الانخراط في ترتيبات عسكرية قد تؤدي إلى تصعيد جديد مع إيران أو تُفسر باعتبارها دعمًا لسياسة ضغط أمريكية أوسع.
ومن المرجح أن يرتبط مستوى المشاركة الأوروبية بعدة عوامل رئيسية، يأتي في مقدمتها استقرار التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، وانخفاض احتمالات تجدد المواجهة العسكرية في الخليج. فالعواصم الأوروبية تنظر إلى أي مهمة بحرية في مضيق هرمز باعتبارها عملية عالية المخاطر، نظرًا لأن طبيعة البيئة الأمنية في المنطقة تجعل الفصل بين حماية الملاحة والتصعيد العسكري أمرًا صعبًا في حال وقوع حادث أمني أو مواجهة غير محسوبة.
كما يمثل وضوح التفويض السياسي والقانوني عاملًا حاسمًا في موقف الدول الأوروبية. فالمشاركة الأوروبية ستكون أكثر احتمالًا إذا اقتصرت المهمة على حماية السفن التجارية، وتأمين الممرات البحرية، وتعزيز الوعي البحري، ضمن إطار متعدد الجنسيات يحظى بتوافق سياسي واسع. أما إذا ارتبطت الدورية بأهداف ردع عسكري مباشر أو عمليات هجومية، فإن احتمالات مشاركة العديد من الدول الأوروبية ستتراجع بشكل كبير.
ومن المتوقع أن تتباين مواقف الدول الأوروبية وفقًا لمصالحها وقدراتها البحرية. فقد تكون الدول ذات الخبرة البحرية الأكبر، مثل فرنسا والمملكة المتحدة وإيطاليا وهولندا واليونان، أكثر استعدادًا للمساهمة بدرجات مختلفة، سواء عبر سفن حربية أو دعم لوجستي واستخباراتي. في المقابل، قد تفضل دول أوروبية أخرى الاكتفاء بالدعم السياسي أو المعلوماتي، بسبب محدودية قدراتها البحرية أو رغبتها في تجنب الانخراط العسكري المباشر.
ويبرز أيضًا عامل الثقة السياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. فقد عززت بعض القرارات العسكرية الأمريكية المنفردة خلال الأزمات الأخيرة مخاوف أوروبية من أن تجد نفسها أمام التزامات لم تشارك في صياغتها. ولذلك ستسعى العواصم الأوروبية إلى ضمان أن تكون أي مشاركة مستقبلية قائمة على التشاور الكامل، وليس مجرد مساهمة في تنفيذ قرار اتخذته واشنطن بصورة منفردة. مضيق هرمز ـ ما أوجه التعاون الأوروبي الخليجي لحماية حرية الملاحة البحرية؟
السيناريوهات المستقبلية للدورية البحرية في مضيق هرمز
تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات محدودة المهام
يُعتبر تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات محدودة المهام هذا السيناريو الأكثر احتمالًا، حيث قد توافق مجموعة من الدول على المشاركة في مهمة دفاعية تركز على حماية السفن التجارية، وتبادل المعلومات، ومراقبة حركة الملاحة، دون الانخراط في عمليات قتالية. ويتوافق هذا النموذج مع النهج الأوروبي التقليدي في عمليات الأمن البحري، كما يسمح لواشنطن بتحقيق هدف تقاسم الأعباء دون إثارة تحفظات سياسية واسعة.
وقد تختار بعض الدول الأوروبية تقديم مساهمات محدودة، مثل توفير المعلومات الاستخباراتية، أو الدعم اللوجستي، أو المشاركة في آليات التنسيق البحري، مع تجنب إرسال قطع بحرية قتالية. ويعكس هذا الخيار محاولة لتحقيق التوازن بين الحفاظ على العلاقات مع الولايات المتحدة وتجنب التورط في أزمة إقليمية طويلة.
لكن في حال انهيار التهدئة وتجدد العمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران أو تصاعد التوترات الإقليمية، فقد تتراجع فرص تشكيل دورية أوروبية واسعة، لأن العديد من الحكومات الأوروبية ستنظر إليها باعتبارها خطوة قد تزيد احتمالات المواجهة بدلًا من حماية الملاحة. كما أن أي حادث عسكري في المضيق قد يؤدي إلى إعادة تقييم المشاركة الأوروبية بالكامل.
النتائج
تكشف أزمة مضيق هرمز عن اختلاف جوهري في الرؤية بين الولايات المتحدة وأوروبا تجاه إدارة الأمن البحري في الشرق الأوسط. في حين تعتمد واشنطن على استراتيجية الردع العسكري والوجود البحري المتقدم باعتبارهما وسيلة أساسية لمنع تهديد الملاحة، تميل أوروبا إلى مقاربة أكثر حذرًا تقوم على الدبلوماسية، والمهام الدفاعية، والعمل متعدد الأطراف.
ولا يعني التحفظ الأوروبي رفضًا لمبدأ حماية حرية الملاحة، إذ تدرك العواصم الأوروبية أن أي اضطراب طويل في مضيق هرمز أو البحر الأحمر ستكون له تداعيات مباشرة على التجارة والطاقة والأسواق العالمية. غير أن المشاركة الأوروبية ستظل مرتبطة بمدى قدرة الولايات المتحدة على تقديم إطار واضح للمهمة، وضمان عدم تحولها إلى جزء من استراتيجية عسكرية أوسع ضد إيران.
وفي هذا السياق، فإن نجاح أي دورية بحرية مشتركة لن يتحدد فقط بعدد السفن المشاركة أو حجم القدرات العسكرية المتاحة، بل بمدى التوافق السياسي بين الشركاء، ووضوح قواعد الاشتباك، وطبيعة القيادة والسيطرة. فالمعادلة الأساسية أمام واشنطن ليست فقط إقناع الحلفاء بالمشاركة، وإنما بناء الثقة بأن هذه المشاركة ستكون ضمن مهمة محددة لحماية الملاحة، وليست مقدمة لانخراط عسكري جديد في منطقة شديدة التعقيد.
رابط مختصر..https://www.europarabct.com/?p=121771
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

