المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مضيق هرمز ـ كيف يمكن للولايات المتحدة وأوروبا تأمين الملاحة البحرية؟
ستنضم العديد من الدول الأوروبية إلى التحالف البحري الأوروبي لتأمين الملاحة البحرية في مضيق هرمز، في ظل حرص واشنطن على إيجاد شركاء في لتأمين المضيق. ذلك يمنح أوروبا نفوذًا نادرًا. فبقبول دعوات الإدارة الأمريكية المتكررة لأوروبا “للمساهمة” في فتح مضيق هرمز، ربما يحصل التحالف الثلاثي فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة على تنازلات أمريكية تتعلق بإرسال صواريخ توماهوك كروز لأوكرانيا. وبالمثل، فإن دعم الولايات المتحدة في هذه اللحظة المحورية من المواجهة البحرية بمجرد الإعلان عن مشاركة أوروبية سيُضيف تكاليف وتعقيدات جديدة لإيران.
المشاركة البحرية الأوروبية تعزز تأمين الملاحة البحرية
تعزز المشاركة البحرية الأوروبية الحصار على إيران، بفضل الفرقاطات والمدمرات وكاسحات الألغام والطائرات والطائرات المسيّرة تحت الماء وفي الجو، مما يقلل من عدد السفن المرتبطة بإيران التي تتسلل عبره. وستساهم المشاركة الأوروبية في دفع جهود إزالة الألغام من مضيق هرمز، وطمأنة الملاحة التجارية والأسواق العالمية، والتوصل في نهاية المطاف إلى بروتوكول متفق عليه لعبور السفن وهي جميعها أهداف متضمنة في المهمة البحرية متعددة الجنسيات المقترحة من فرنسا وبريطانيا. وانطلاقًا من استراتيجية “العين بالعين”، لن تشارك أي دولة أوروبية في عمليات عسكرية ضد إيران إلا إذا تعرضت لهجوم من طهران.
انطلاقًا من باريس ولندن وبرلين، ربما تنضم دول أخرى إلى الحصار، مُلبّية بذلك أولوية الإدارة الأمريكية المُلحة بشأن “العمل الجماعي لإظهار العزم الموحد وفرض تكاليف باهظة على عرقلة إيران للعبور عبر المضيق”. ويمكن للدول الثلاث الكبرى (E-3) أن تطلب من الدول غير المشاركة، مثل إسبانيا، رفع جميع القيود المفروضة على العمليات الأمريكية، مما يُعزز وحدة الكتلة الغربية، ويزيد من دوافع واشنطن للموافقة على نشر صواريخ توماهوك في أوكرانيا. من شأن الجهود الأوروبية المشتركة تقويض إيران، مع تعزيز شرعية الولايات المتحدة ومكانتها، في الوقت الذي تسعى فيه واشنطن إلى الخروج من حرب إيران. وسيُعزز الانخراط الأوروبي الفعال جهود الولايات المتحدة في استغلال نفوذها على الصين للضغط على إيران، كما فعلت بكين مع وقف إطلاق النار الأولي في الثامن من أبريل 2026.
المشاركة الأوروبية في الحصار الأمريكي
يقول “إدوارد ب. جوزيف” الخبير في إدارة النزاعات في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة: ” مع استعداد البيت الأبيض لفرض حصار مطوّل، فإن المسار المنطقي الوحيد لأوروبا هو تعظيم فرص نجاحها. وإن انتظار نهاية تفاوضية للأعمال العدائية بين الولايات المتحدة وإيران كشرط لنشر المهمة البحرية الأوروبية، سيُبقي الوضع الراهن في يد طهران. فمن الأفضل نشر القوات وتعزيز الموقف التفاوضي الأمريكي بدلًا من توجيه الانتقادات للولايات المتحدة”.
أضاف جوزيف: “يمكن أن تُسهم المشاركة في الحصار في حماية مصالح أوروبا في كبح البرنامج النووي الإيراني. حيث تسعى طهران إلى تجميد الملف النووي مقابل فتح مضيق هرمز. وستكون هذه النتيجة مكسبًا لإيران من خلال تأكيد سيطرتها على المضيق، مما يُقوّض أي بروتوكول عبور مُتفق عليه إلى جانب خسارة فادحة للنفوذ الأمريكي على البرنامج النووي الإيراني”. وتابع: “يُعدّ الحصار نجاحًا تكتيكيًا بالفعل؛ ويمكن للمشاركة الأوروبية أن تُسهم في تحقيق مكسب استراتيجي. فمع خسارة ما يصل إلى 80% من صادراتها النفطية، تُعاني طهران من نقص حاد في سعة التخزين للنفط المُستخرج من آبارها. وقد يُلحق إغلاق الآبار أضرارًا بحقول النفط القديمة ذات الضغط المنخفض، والتي تُمثل نحو نصف حقول النفط الإيرانية”.
روسيا ترى أوروبا فاعلًا هامشيًا في الأزمات الدولية
في مواجهة هذا التهديد المتنامي والمتشابك، تبقى أوروبا فاعلًا هامشيًا، لا يُضاهي حجمها الاقتصادي من وجهة نظر روسيا. فعلى سيبيل المثال وصفت موسكو مسعى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبدء حوار دبلوماسي أوروبي مع الكرملين بأنه “دبلوماسية بائسة”. ولدى طهران أسباب وجيهة لاحترام أوكرانيا أكثر من دول مجموعة E3 أو الاتحاد الأوروبي. فكييف، التي مزقتها الحرب، هي التي قدمت الدعم الأوروبي الأكبر لدول الخليج المحاصرة بهجمات الطائرات الإيرانية المسيرة. وبينما تستاء بروكسل من العمليات الإسرائيلية في الداخل، وفي لبنان، والخليج، فإن دونالد ترامب هو من قلّص العمليات الإسرائيلية في غزة ولبنان وإيران.
النتائج
– تشير التطورات إلى أن أوروبا تتجه نحو محاولة لعب دور أكثر فاعلية في الأمن البحري العالمي، خصوصًا في نقاط الاختناق الاستراتيجية مثل مضيق هرمز. هذا التحول يعكس رغبة أوروبية في الانتقال من موقع “المتلقي للحماية” إلى “شريك في إدارة الأمن الدولي”، لكنه يظل مشروطًا بمدى قدرتها على توحيد القرار السياسي والعسكري داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.
– من المرجح أن يؤدي أي انخراط أوروبي في مهمة بحرية مشتركة إلى تعزيز الحضور الغربي في الخليج، لكنه في الوقت نفسه سيزيد من تعقيد التوازنات مع إيران، وربما يدفعها إلى مزيد من التصعيد غير المباشر عبر أدوات الحرب الهجينة والضغط على الملاحة والطاقة. كما أن ربط هذا الدور الأوروبي بملفات أخرى مثل أوكرانيا يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو “تدويل الصفقات الأمنية”، حيث تُستخدم ساحات متعددة في آن واحد لتحقيق مكاسب سياسية متبادلة.
– من المحتمل أن يمنح هذا الانخراط أوروبا نفوذًا تفاوضيًا أكبر مع واشنطن، لكنه لا يضمن بالضرورة استقلال قرارها الاستراتيجي. فبنية الاعتماد العسكري على الولايات المتحدة ستبقى عنصرًا حاسمًا، ما يجعل أي مكاسب أوروبية مشروطة بموافقة أمريكية ضمنية أو صريحة.
– إن استمرار هذا النمط من التنسيق المشروط قد يعيد تشكيل النظام الأطلسي نفسه، من تحالف قائم على الالتزام الدفاعي الثابت إلى شبكة مصالح مرنة تقوم على تبادل الأدوار والمكاسب بين الملفات الإقليمية المختلفة. وفي المقابل، سيبقى خطر تآكل الثقة بين أوروبا والولايات المتحدة قائمًا إذا شعر أي طرف بأن الآخر يستخدم الأزمات لتحقيق مكاسب أحادية.
– إن المستقبل الاستراتيجي لهذا السيناريو يتوقف على قدرة أوروبا على تحويل مشاركتها من دور تكتيكي في الأزمات إلى رؤية أمنية مستقلة ومتماسكة.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118108
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
