المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مضيق هرمز ـ إلى أين تتجه الاستراتيجية البحرية الأوروبية بشأن تأمين الملاحة البحرية؟
تتزايد التحركات الأوروبية لتأمين الممرات البحرية الحيوية في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتعدد بؤر التهديد، ويبرز مضيق هرمز كأحد أهم الملفات الأمنية المطروحة أمام الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع استمرار القلق من الجناح الشرقي لحلف الناتو. هذا التداخل يفتح نقاشًا واسعًا حول أولويات الأمن الأوروبي وحدود قدراته العسكرية.
دول أوروبا الشرقية تستعد لتأمين مضيق هرمز
تشير دول أوروبا الشرقية الأعضاء في الاتحاد الأوروبي إلى استعدادها للمساهمة في أي مهمة أوروبية محتملة لتأمين مضيق هرمز، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة ألا يأتي أي انتشار عسكري على حساب حماية الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي “الناتو”. صرح وزير الدفاع الليتواني روبرتاس كاوناس، في 13 مايو 2026: ” إن فيلنيوس تدعم نهجًا شاملًا للأمن الأوروبي، بما في ذلك المشاركة في مهمة تأمين مضيق هرمز، لكنه حذر في الوقت نفسه من ضرورة عدم فقدان التركيز على موسكو”. وأضاف كاوناس: “هذه المهمة بالغة الأهمية لليونان وإيطاليا ودول أخرى، ولليتوانيا كذلك، لكن يجب علينا أيضًا أن نُظهر لبقية أوروبا أن التهديد الأكبر حاليًا يأتي من الشرق، من روسيا وبيلاروسيا”.
لاتفيا تخصص قدراتها للمشاركة في تأمين مضيق هرمز
تستعد لاتفيا كذلك لتخصيص قدرات للمشاركة في مهمة محتملة بمضيق هرمز، في حين تساهم بالفعل بأفراد وأموال في عملية عملية أسبيدس، التي أُطلقت عام 2024 لحماية الملاحة في البحر الأحمر من هجمات جماعة الحوثي في اليمن. ويأتي هذا النقاش في وقت تسعى فيه الدول الغربية، بما فيها دول الاتحاد الأوروبي، لإيجاد آلية لضمان إعادة فتح وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط والغاز العالمي. وتقود فرنسا والمملكة المتحدة ما يُعرف بـ”تحالف الراغبين”، الذي يضم أكثر من 40 دولة تعمل على إعداد خطط عسكرية لتأمين الملاحة فور توقف الأعمال العدائية في الشرق الأوسط.
توسيع نطاق عملية أسبيدس
تسعى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى توسيع نطاق عملية أسبيدس، معتبرة أنها قد تشكل مساهمة الاتحاد الأوروبي في هذا التحالف. تقول كالاس، في تصريحات أعقبت اجتماع وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إن عملية أسبيدس يمكن توسيعها لتشمل مضيق هرمز دون الحاجة إلى تغيير تفويضها، مشيرة إلى أن ذلك يتطلب فقط تحديث الخطة العملياتية، مع تأكيدها أن عدة دول أعضاء أبدت استعدادها لتوفير سفن إضافية. ومع ذلك، لا تزال القدرات البحرية الأوروبية محدودة، إذ تتصدر اليونان استضافة المقر العملياتي لعملية أسبيدس، بينما كانت فرنسا وإيطاليا وألمانيا من أوائل الدول المشاركة بالأصول البحرية، إلى جانب مساهمات من بلجيكا وهولندا والسويد في الأفراد والدعم.
مخاوف من التنافس على الموارد البحرية
أفاد مصدران دبلوماسيان من الاتحاد الأوروبي أن ثلاث دول أعضاء إضافية أبدت استعدادها لتوفير موارد للعملية خلال اجتماع يوم 12 مايو 2026، رغم عدم إعلان أي التزامات رسمية بتوفير سفن إضافية حتى الآن. ويحذر مسؤولون من أن توسيع نطاق أسبيدس قد يؤدي إلى تنافس على الموارد البحرية بين مهام مختلفة، بما في ذلك دوريات بحر البلطيق ومهام الردع التابعة لحلف الناتو. وقال أحد الدبلوماسيين: “الأصول البحرية مطلوبة بشدة في كل مكان، بما في ذلك بحر البلطيق وبحر العرب، ولا يمكننا أن نغفل عن البحرية الروسية كذلك”. وأضاف المصدر أن مسألة تقاسم الأعباء الدفاعية ما زالت تثير جدلًا داخل الاتحاد الأوروبي، مشيرًا إلى أن دول الشمال ودول البلطيق تتحمل أعباء أكبر مقارنة ببعض الدول الأوروبية الكبرى، وهو ما يمثل “مشكلة مستمرة” داخل مجلس الشؤون الخارجية.
حرب إيران تمثل “تهديدات حقيقية” لأوروبا
وفي بيان مشترك صدر في 13 مايو 2026، شددت مجموعة بوخارست التسعة والدول الإسكندنافية على أهمية المبادرات الأمنية في شمال أوروبا، وأشادت بعمليات “حارس البلطيق” و”حارس الشرق” و”حارس القطب الشمالي” لتعزيز موقف الناتو الإقليمي. من جهته، قال مفوض الدفاع في الاتحاد الأوروبي أندريوس كوبيليوس إن الصراع المرتبط بإيران يمثل “تهديدات حقيقية” لدول جنوب وشرق المتوسط، في وقت لا تزال فيه حرب أوكرانيا تهيمن على تصورات التهديد في أوروبا الشرقية. وأكد كوبيليوس أن دول الجناح الشرقي “تدافع عن الاتحاد الأوروبي بأكمله ضد التهديدات الروسية”، مضيفًا أنها تستحق تضامنًا أوروبيًا شاملًا واستثمارات لتعزيز قدراتها الدفاعية وتخفيف الآثار الاقتصادية والاجتماعية لما وصفه بـ”وضع الحدود”.
النتائج
– تكشف التحركات الأوروبية بشأن إمكانية تأمين مضيق هرمز عن مرحلة جديدة من إعادة توزيع أولويات الأمن داخل الاتحاد الأوروبي، حيث تتقاطع التهديدات البحرية في الشرق الأوسط مع المخاوف التقليدية على الجناح الشرقي لحلف الناتو. هذا التداخل يضع أوروبا أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا مما كانت عليه في السابق.
– من المرجح أن تسعى دول الاتحاد الأوروبي إلى توسيع نطاق عملياتها البحرية الحالية، وعلى رأسها عملية “أسبيدس”، لتشمل مناطق أكثر حساسية مثل مضيق هرمز، مع الاعتماد على مساهمات متباينة من الدول الأعضاء. لكن هذا التوسع سيبقى محدودًا بسبب القيود المتعلقة بالأصول البحرية وتنافسها بين مسارح عمليات متعددة، من بحر البلطيق إلى بحر العرب.
– قد يؤدي هذا الضغط المتزايد على القدرات العسكرية الأوروبية إلى إعادة إحياء نقاش تقاسم الأعباء الدفاعية داخل الاتحاد والناتو، خصوصًا مع تباين واضح بين دول الشمال والبلطيق من جهة، وبعض الدول الأوروبية الكبرى من جهة أخرى. هذا التباين قد ينعكس على شكل توترات سياسية داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، خاصة في ما يتعلق بأولويات التمويل والتحرك العسكري.
– استراتيجيًا، فإن توسع الاهتمام الأوروبي بممرات الملاحة الحيوية مثل مضيق هرمز يشير إلى تحول تدريجي نحو مفهوم “الأمن العالمي المترابط”، حيث لم تعد التهديدات محصورة في الجغرافيا الأوروبية التقليدية. وفي المقابل، ستبقى روسيا عاملاً محوريًا في تحديد أولويات الجناح الشرقي، ما يفرض على صناع القرار الأوروبيين محاولة تحقيق توازن دقيق بين الشرق الأوسط وشرق أوروبا.
– قد تتجه أوروبا مستقبلًا نحو نموذج أكثر تكاملًا في إدارة الأزمات البحرية، لكن نجاحه سيعتمد على قدرتها في تجاوز محدودية الموارد وبناء رؤية أمنية موحدة قادرة على التعامل مع تهديدات متعددة الاتجاهات في آن واحد.
رابط مختصر. https://www.europarabct.com/?p=118481
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
