المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI، وحدة الدراسات والتقارير “1”
مضيق هرمز: مسار مفاوضات جنيف ، الموقف العسكري، الدور الأوروبي ومستقبل العلاقات الخليجية – الإيرانية؟
دخلت المفاوضات الأميركية – الإيرانية المنعقدة في سويسرا خلال نهاية شهر يونيو 2026 مرحلة حاسمة بعد التوصل إلى مذكرة تفاهم أولية هدفت إلى وقف المواجهة العسكرية وإعادة فتح الملاحة في مضيق هرمز. ومع انتقال الملف من مرحلة الاشتباك العسكري إلى مرحلة التفاوض السياسي، تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات المؤقتة إلى اتفاق مستدام يعالج الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الاقتصادية والترتيبات الأمنية في الخليج.وتكتسب جولة جنيف أهمية خاصة لأنها تمثل أول اختبار عملي لمذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها بوساطة إقليمية ودولية، وسط متابعة دقيقة من الاتحاد الأوروبي ودول الخليج والأسواق العالمية التي تأثرت بشكل مباشر بالأزمة.
من يشارك في مفاوضات جنيف؟
تكشف التقارير الإخبارية إلى مشاركة وفود سياسية وفنية رفيعة المستوى من الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب حضور وسطاء إقليميين لعبوا دوراً محورياً في التوصل إلى التفاهمات الأولية، وفي مقدمتهم قطر وباكستان، بينما تستضيف سويسرا الاجتماعات باعتبارها طرفاً محايداً يوفر البيئة المناسبة للمفاوضات. وتضم المحادثات شخصيات أميركية بارزة مكلفة بالملف الإيراني، فيما يقود الجانب الإيراني فريق سياسي وأمني مكلف بمتابعة تنفيذ بنود مذكرة التفاهم والانتقال إلى مرحلة التفاوض التفصيلي بشأن القضايا الاستراتيجية. وتشير بعض المصادر إلى مشاركة مسؤولين دوليين وخبراء فنيين لمناقشة الملفات النووية والرقابية المرتبطة بدور الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ما هي البنود الرئيسية المطروحة؟
ـ تثبيت وقف المواجهة العسكرية ومنع العودة إلى العمليات العسكرية المباشرة.
ـ ضمان حرية الملاحة الدولية في مضيق هرمز وتأمين حركة ناقلات النفط والسفن التجارية.
ـ آليات رفع أو تخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران وإمكانية الإفراج التدريجي عن الأصول الإيرانية المجمدة.
ـ مستقبل البرنامج النووي الإيراني ومستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة الدولية.
ـ ترتيبات أمنية إقليمية تتعلق بأمن الخليج والبحر الأحمر والاستقرار البحري.
تهدئة حذرة لا تعني انتهاء الأزمة
على الرغم من التقدم السياسي، فإن الوضع العسكري ما زال هشاً. فالقيادة العسكرية الأميركية تؤكد استمرار مراقبة مضيق هرمز لضمان حرية الملاحة ومنع أي محاولة لفرض أمر واقع جديد في الممر البحري الاستراتيجي. وفي المقابل، صدرت عن بعض الجهات العسكرية الإيرانية تصريحات متشددة تحدثت عن إمكانية إغلاق المضيق أو فرض ترتيبات جديدة على حركة السفن، إلا أن إيران عادت وأكدت التزامها بمسار التفاوض واستمرار الملاحة التجارية. هذا التباين يعكس وجود نقاش داخلي داخل النظام الإيراني بين تيار يدفع نحو الاستفادة من نتائج التهدئة والانفتاح الاقتصادي، وتيار آخر يخشى أن تؤدي التنازلات السياسية إلى تقليص أوراق القوة الإيرانية في المنطقة.
مضيق هرمز: من ساحة مواجهة إلى ورقة تفاوض
يمثل مضيق هرمز اليوم أحد أهم عناصر التفاوض بين الطرفين، فبعد أشهر من التوتر العسكري، عادت حركة الملاحة تدريجياً، كما أعلنت إيران إعفاء السفن التجارية من الرسوم خلال فترة انتقالية بهدف تشجيع عودة النشاط التجاري. لكن العودة الكاملة إلى الوضع الطبيعي ما زالت تواجه تحديات تتعلق بالأمن البحري وإزالة المخلفات العسكرية وإعادة بناء الثقة بين شركات الشحن الدولية والجهات المعنية بأمن الملاحة. وبالتالي فإن مستقبل المضيق أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بمصير المفاوضات الجارية، إذ تنظر واشنطن إلى حرية الملاحة باعتبارها شرطاً أساسياً لأي اتفاق نهائي، بينما ترى طهران أن المضيق يمثل ورقة استراتيجية لا يمكن فصلها عن الملفات السياسية والأمنية الأوسع.
الموقف الأوروبي: دعم قوي للمفاوضات وتحفظ على التصعيد
يتبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً داعماً بقوة للمفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية في سويسرا، انطلاقاً من قناعة متزايدة داخل العواصم الأوروبية بأن الخيارات العسكرية لم تعد قادرة على إنتاج استقرار مستدام في منطقة الخليج، وأن معالجة الأزمات المتراكمة بين واشنطن وطهران تتطلب مساراً سياسياً ودبلوماسياً طويل الأمد. وقد عززت التطورات الأخيرة هذا التوجه الأوروبي، خاصة بعد أن أظهرت المواجهات العسكرية وما رافقها من تهديدات للملاحة الدولية مدى هشاشة منظومة الأمن الإقليمي وتأثيرها المباشر على الاقتصاد العالمي.
وتنظر أوروبا إلى مضيق هرمز باعتباره أحد أهم الممرات الاستراتيجية للتجارة والطاقة في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز المتجهة إلى الأسواق الدولية، بما في ذلك الأسواق الأوروبية. ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة الملاحة أو أي تصعيد عسكري في المنطقة من شأنه أن ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم وسلاسل التوريد الأوروبية، وهي ملفات لا تزال تمثل تحدياً للحكومات الأوروبية في مرحلة ما بعد الأزمات الاقتصادية العالمية.
تدعم بروكسل ومعظم العواصم الأوروبية الجهود الرامية إلى تثبيت وقف التصعيد وتحويل التفاهمات المؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران إلى إطار تفاوضي أكثر استدامة. كما ترى أوروبا أن نجاح المفاوضات لا ينبغي أن يقتصر على إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة، بل يجب أن يشمل معالجة جذور الأزمة من خلال التوصل إلى تفاهمات أوسع بشأن البرنامج النووي الإيراني، ومستقبل العقوبات الاقتصادية، وآليات بناء الثقة الأمنية في منطقة الخليج.
يحافظ الاتحاد الأوروبي على موقف متوازن يجمع بين الانخراط الدبلوماسي والضغوط السياسية. فمن جهة، يواصل الأوروبيون التأكيد على أهمية منع الانتشار النووي وضرورة خضوع الأنشطة النووية الإيرانية لرقابة دولية صارمة وقابلة للتحقق. ومن جهة أخرى، يرفض الاتحاد الأوروبي الانزلاق نحو خيارات المواجهة العسكرية الشاملة، انطلاقاً من تقدير مفاده أن أي حرب جديدة في الخليج ستؤدي إلى تداعيات أمنية واقتصادية تتجاوز حدود المنطقة لتطال الأمن الأوروبي نفسه.
و تسعى أوروبا إلى استعادة دورها التقليدي كوسيط وشريك دبلوماسي في الملف الإيراني، بعد سنوات من تراجع تأثيرها نتيجة التوترات الدولية والتحولات في العلاقات عبر الأطلسي. وتعتبر العديد من الدول الأوروبية أن نجاح المفاوضات الحالية قد يتيح إعادة تفعيل دور المؤسسات الأوروبية في مراقبة الاتفاقات المحتملة وتقديم الضمانات الفنية والقانونية اللازمة لتنفيذها.
وتدعم الدول الأوروبية فكرة إنشاء ترتيبات أمنية إقليمية أكثر شمولاً تقوم على الحوار وخفض التوتر وتعزيز إجراءات بناء الثقة بين دول الخليج وإيران. وتعتقد العواصم الأوروبية أن تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة لن يكون ممكناً عبر الردع العسكري وحده، بل من خلال تطوير منظومة أمنية إقليمية تسمح بإدارة الخلافات السياسية والأمنية وتمنع تحولها إلى أزمات عسكرية مفتوحة. إن الاتحاد الأوروبي ينظر إلى مفاوضات جنيف باعتبارها فرصة لإعادة صياغة معادلة الأمن في الخليج على أسس أكثر استقراراً. فنجاح هذه المفاوضات قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التهدئة الإقليمية ويخفف الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، بينما قد يؤدي فشلها إلى عودة التوترات العسكرية وارتفاع المخاطر الاقتصادية والأمنية التي تسعى أوروبا إلى تجنبها.
لذلك، يواصل الاتحاد الأوروبي دعمه للمسار التفاوضي الحالي، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون أي تفاهمات مستقبلية قابلة للتنفيذ والرقابة الدولية، وأن تحقق توازناً بين متطلبات الأمن الإقليمي وحقوق الدول ومصالحها الاستراتيجية. وفي هذا السياق، تبدو أوروبا اليوم من أكثر الأطراف الدولية حرصاً على نجاح المفاوضات، ليس فقط لتجنب مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، بل أيضاً للحفاظ على استقرار النظام الاقتصادي الدولي وأمن الطاقة العالمي.
كيف ستكون العلاقات الخليجية مع ايران؟
إن مضيق هرمز انتقل من مرحلة المواجهة العسكرية المباشرة إلى مرحلة “التهدئة الحذرة”. فالملاحة عادت جزئياً، والمفاوضات مستمرة، لكن الملفات الجوهرية التي تسببت بالأزمة لم تُحسم بعد. ولذلك يبقى المضيق مفتوحاً سياسياً وأمنياً على عدة سيناريوهات، تتراوح بين تثبيت التهدئة وتحويلها إلى اتفاق أوسع، أو العودة إلى التوتر إذا تعثرت المفاوضات بشأن القضايا الاستراتيجية الكبرى.
في ضوء التطورات الحالية، لا يبدو أن العلاقات الخليجية – الإيرانية تتجه نحو قطيعة شاملة أو مواجهة مفتوحة، بل نحو مزيج من الحذر الأمني والانفتاح الدبلوماسي المشروط. فمن جهة، ما زالت دول الخليج تحمل مخاوف أمنية عميقة بسبب الهجمات التي تعرضت لها منشآت وبنى تحتية خليجية خلال أزمة 2026، وقد أكدت بيانات مجلس التعاون أن تلك الأحداث ألحقت ضرراً كبيراً بالثقة السياسية والأمنية.
ومن جهة أخرى، أظهرت الأزمة الأخيرة أن استقرار الخليج وأمن الملاحة في مضيق هرمز لا يمكن تحقيقهما دون وجود قنوات اتصال مباشرة مع طهران. كما أن التفاهمات الأميركية – الإيرانية الأخيرة دفعت العديد من العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم استراتيجياتها والبحث عن ترتيبات أمنية أكثر توازناً بدلاً من الاعتماد الكامل على الردع العسكري وحده.
إن دول الخليج لم تعد تنظر إلى إيران من زاوية المواجهة فقط، ولا من زاوية الشراكة الكاملة. بل تتجه نحو سياسة أكثر براغماتية تقوم على إدارة الخلافات بدلاً من حلها، وتقليل المخاطر بدلاً من الرهان على تغيير موازين القوى. ولذلك فإن المرحلة المقبلة قد تشهد حواراً أوسع مع طهران، لكن تحت سقف من الحذر الاستراتيجي والرقابة الأمنية المشددة، خصوصاً فيما يتعلق بأمن الخليج ومضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني.
لاتزال المفاوضات في جنيف تمثل أفضل فرصة متاحة أمام واشنطن وطهران للخروج من دائرة التصعيد. إلا أن النجاح النهائي سيعتمد على قدرة الطرفين على تجاوز الملفات الخلافية المرتبطة بالبرنامج النووي والعقوبات والترتيبات الأمنية الإقليمية. وفي الوقت الراهن، يبدو أن المنطقة دخلت مرحلة “التهدئة الحذرة”، حيث تتقدم الدبلوماسية بخطوات بطيئة تحت مظلة ردع عسكري ما زال قائماً، فيما يراقب الاتحاد الأوروبي ودول الخليج عن كثب مسار المفاوضات باعتباره عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل الأمن والاستقرار في الخليج ومضيق هرمز.
ماهي السيناريوهات المحتملة ؟
استمرار الاتصالات الدبلوماسية وتجنب أي خطوات عسكرية استفزازية من الطرفين، مقابل ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. وفي هذه الحالة قد تشهد المنطقة إجراءات لبناء الثقة تشمل تخفيف بعض القيود الاقتصادية أو التوصل إلى تفاهمات مرحلية حول الملفات النووية والأمنية. هذا السيناريو يحظى بدعم دول الخليج والاتحاد الأوروبي والأسواق العالمية بسبب انعكاساته الإيجابية على أسعار الطاقة والاستقرار الإقليمي.
سيناريو “اللا حرب واللا سلام” : وهو السيناريو الذي شهدته المنطقة خلال السنوات الماضية. تستمر المفاوضات دون اتفاق نهائي، مع بقاء التوتر السياسي والعسكري تحت السيطرة. في هذا الوضع تظل القوات العسكرية في حالة استنفار، وتستمر الرسائل المتبادلة والضغوط الاقتصادية، لكن دون الوصول إلى مواجهة مباشرة أو إغلاق فعلي للمضيق. ويرى كثير من المراقبين أن هذا السيناريو قد يكون الأقرب على المدى القصير.
لكن قد ينشأ نتيجة حادث أمني في الخليج أو استهداف سفينة أو منشأة حساسة أو فشل جولة مهمة من المفاوضات. عندها قد نشهد عمليات عسكرية محدودة أو ضربات متبادلة دون انزلاق إلى حرب شاملة. هذا السيناريو يرفع أسعار النفط فوراً ويؤثر على حركة الملاحة والتأمين البحري، لكنه يبقى قابلاً للاحتواء عبر الوساطات الدولية.
سيناريو المواجهة الواسعة وإغلاق المضيق: وهو السيناريو الأقل ترجيحاً لكنه الأكثر خطورة. ويتضمن انهيار المفاوضات بالكامل واندلاع مواجهة عسكرية واسعة تشمل الخليج ومضيق هرمز. في هذه الحالة قد تتعرض حركة الملاحة لاضطرابات كبيرة، وترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وتتدخل قوى دولية لحماية طرق التجارة البحرية. إلا أن كلفة هذا السيناريو مرتفعة جداً على جميع الأطراف، لذلك تسعى القوى الإقليمية والدولية إلى تجنبه.
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=119961
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
