دفاع

مضيق باب المندب … أوراق مخلوطة وملفات مسكوت عنها

إعداد: الدكتور عماد علو  خبير في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية،

مستشار المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

لاشك أن العديد من التساؤلات تثار اليوم حول أمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب ، بسبب تطورات الصراع العسكري في اليمن .؟ فالتناقض لم يعد خافيا”، منذ اندلاع هذا الصراع المسلح في اليمن لدرء خطر (ايراني) مزعوم في الجزء الجنوبي من البحر الاحمر ، مع غض نظر عن تواجد وسيطرة عسكرية اسرائيلية على جزر استراتيجية في جنوب البحر الاحمر وقريبة من مضيق باب المندب الذي يقلق العرب اليوم خشية وقوعه تحت النفوذ الايراني ، الداعم لحركة انصار الله الحوثية !

والسؤال المطروح، هو عن أبعاد  التهديد الاسرائيلي لأمن الدول العربية المطلة على البحر الاحمر ، فضلا” عن التهديد الاسرائيلي لأمن مضيق باب المندب ؟ خصوصا” اذا ما علمنا أن اسرائيل تسيطر عسكريا على ارخبيل (مجموعة جزر ) «دهلك» التي استأجرتها من إريتريا عام 1995 ، حيث تتواجد قوات بحرية وجوية اسرائيلية في جزيرتي «حاليب وفاطمة»  ضمن هذا الأرخبيل كما أن لإسرائيل قواعد عسكرية في كل من جزيرتي «سنتيان وديميرا» تستخدمان في العمل المخابراتى حيث نشرت إسرائيل عناصر مخابراتية وعسكرية لرصد والقيام بعمليات مخابراتية في افريقيا والدول العربية والخليجية بالذات انطلاقا” من هاتين الجزيرتين .

وكانت إسرائيل تسلمت جزر جبل الطير من الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت قد استأجرتها من أثيوبيا منذ عام 1967 . كما تقوم اسرائيل بمراقبة السفن التي تمر عبر مضيق باب المندب ، وبالتالي للبحر الاحمر، وتمنع السفن التي تراها معادية لإسرائيل مثلما سبق وان حدث مع سفينتين ايرانيتين عندما طلبت تل ابيب من مصر عدم عبورهما قناة السويس ومصر رفضت، كما انها تعاملت مع السفينة التي كانت متوجهة لغزة بعد عبورها من المضيق، وقامت بالقبض على من فيها، وهذا يدل على اهمية وجودها بالمضيق، وثانيا هو تأمين السفن الإسرائيلية التي تدخل المضيق .

يقول عبدالوهاب دراوشة عضو الكنيست العربي عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» أن إسرائيل تجنى مكاسب من إقامة قواعد عسكرية لها بتلك الجزر، تبدأ بدعم وسرعة تموين قطع الأسطول البحري الإسرائيلي المنتشر في البحر الأحمر، كما أن الكارثة الأخرى التي تنذر البحر الأحمر وهى أنها تجرى تجارب نووية في البحر الأحمر، مستغلة بعدها عن السكان الإسرائيليين وحمايتهم من أخطار أي تسريب إشعاعي قاتل، ثم تستغلها في دفن النفايات النووية التي ستؤثر حتما على الأجيال الجديدة للشعوب العربية المحيطة بها.

كما قال المفكر اليمنى يحيى البولينى الباحث بمركز التأصيل اليمنى للدراسات والبحوث، إنه يمكن عسكريا لإسرائيل من تلك المنطقة أن تقوم بعملية تهديد مباشر وقريب لعدة دول إسلامية، فتستطيع بكل يسر الاستيلاء على ميناء مثل بورسودان كما يمكنها تهديد العمق الاستراتيجي لمصر في السد العالي من الجنوب دون الحاجة للمرور فوق الأراضي المصرية والتعرض لأنظمة الحماية الصاروخية.

وأكد يحيى البولينى أنه لن تنجو أيضا اليمن والسودان كاملة والمملكة السعودية، حيث إن تلك الجزر تقع مباشرة مقابلة لجزر فرسان السعودية وجزر الجمهورية اليمنية، وحققت إسرائيل هذا فعليا فالطائرة الإسرائيلية التي أغارت على عدد من السيارات في بورسودان في إبريل 2011 لاغتيال أحد قادة حماس التي أدت لمقتل شخصين وكذلك ضرب مصنع اليرموك، لم تنطلق الهجمة من أرض فلسطين المحتلة بل كانت منطلقة من إحدى من القواعد الإسرائيلية في دهلك. وأضاف يحيى أن ذلك غير ما تقدمه الجزر من مساعدات لوجستية لحركة ناقلات النفط كما تعتبر محطة لتشغيل الغواصات المزودة بالصواريخ النووية التي تحتفظ إسرائيل بها فيها.

لقد عبر اول رئيس لحكومة تل ابيب ديفيد بن جوريون عن تطلعات إسرائيل إلى السيطرة على البحر الأحمر في عام 1949 إذ قال «إننا محاصرون من البر.. والبحر هو طريق المرور الوحيد إلى العالم والاتصال بالقارات ، وإن تطور إيلات سيكون هدفا رئيسيا نوجه إليه خطواتنا . وقد أكدت المعطيات على أرض الواقع لإسرائيل أن سيطرة العرب على مضيق باب المندب يمثل شوكة قد تدمي إسرائيل وتضرب مصالحها وتهدد وجودها ذاته. ففي عام 1950 تعاونت مصر مع السعودية من أجل حماية البحر الأحمر من خلال منح العسكرية المصرية السيطرة على مدخل خليج العقبة وجزيرتي تيران وصنافير بهدف تقييد الملاحة الاسرائيلية، الأمر الذي كان أحد الدوافع التي أدت إلى العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

وفي حرب 6 أكتوبر عام 1973 تم استغلال سيطرة اليمن على هذا المضيق، وتم توجيه أكبر ضربة للكيان الصهيوني، بإغلاق المضيق بموجب تنسيق عربي لكسب أهم المواجهات بين العربواسرائيل. لكن المكاسب السياسية التي حصلت عليها إسرائيل في معاهدة كامب ديفيد في 1979، من اعتراف بحرية اسرائيل في الملاحة في خليج العقبة ومضيقي تيران وقناة السويس، أسهمت في خلق حالة اختلال في التوازن الاقليمي واستمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، وأصبحت اسرائيل تمارس دورا يفوق حجمها الفعلي ويتجاوز قدرتها المادية والمعنوية ووجدت مناخ موات لممارسة عدوانها على العرب وترسيخ وجودها في منطقة البحر الاحمر.

وبحسب جنرال إسرائيلي، فإن سيطرة مصر على قناة السويس لا يضع بين يديها سوى مفتاح واحد فقط في البحر الاحمر أما المفتاح الثاني والأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية فهو موجود في مضيق باب المندب.

وأكد على هذه الحقيقة أيضا الكاتب الإسرائيلي الياهو سالبيتر الذي قال ان المتخصصين بشؤون الدفاع الاسرائيلي والمخططين له يدركون جيدا مدى خطورة التهديد العربي المحدق بالبحر الاحمر مما يعطي أهمية خاصة للعلاقات الاسرائيلية مع الدول غير العربية الواقعة شرق افريقيا.

لكن رغم نجاح الاستراتيجية الإسرائيلية التي تستهدف تأمين حركة سفنها في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، إلا إن إسرائيل تشعر اليوم بقلق كبير بسبب سيطرة الحوثيين على أجزاء كبيرة من اليمن. وهو ما عبر عنه الصحفي الإسرائيلي «آفي يسسخروف» بقوله : إن إسرائيل تتابع بقلق سقوط المدن اليمنية واحدة تلو الأخرى في أيدي الحوثيين، لاسيما مع اقتراب تلك الجماعة الزيدية التي تمولها إيران من السيطرة على المجري الملاحي الذي توليه إسرائيل أهمية خاصة، ممثلا في مضيق باب المندب، والذي يعد بوابة العبور من البحر الأحمر للمحيط الهندي.

و حذرت صحيفة تايمز أوف إسرائيل من وصول الحوثيين، ومن خلفهم الإيرانيين، إلى مضيق باب المندب، الأمر الذي تعده إسرائيل تهديداً لمصالحها الاستراتيجية.، فالسيطرة على هذا الممر تعني تهديداً مصيرياً لاقتصاد إسرائيل .

رابط مختصر  https://www.europarabct.com/?p=47400

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الدكتور عماد علو

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق