اختر صفحة

مشكلة الحدود البحرية بين العراق و الكويت
واثرها على المصالح الوطنية العراقية

اعداد : اللواء البحري الركن المتقاعد الدكتور عماد علّو
مستشار المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

المقدمة

لا تزال مشكلة الحدود البحرية بين العراق و الكويت تلقي بظلالها القاتمة ليس فقط على اتجاه مسار العلاقات بين العراق والكويت  وإنما على مجمل علاقات العراق بدول الخليج العربي ، وذلك من جراء النتائج المترتبة عن استثمار نتائج حروب الخليج الثانية والثالثة في عامي 1991 و2003 ، لصالح الجارة الكويت في فرض وجهة نظرها ومصالحها في ترسيم الحدود بينها وبين العراق وخصوصا” في توسيع سيطرتها على الواجهة البحرية في خور عبدالله وقد ساندتها في ذلك بقية دول الخليج ، علما” أن النظام العراقي السابق قبل بهذا الترسيم دون الأخذ بنظر الاعتبار مصلحة الشعب العراقي خصوصا والكويتي بوجه عام ، والذي قامت به لجنة تابعة للأمم المتحدة بعد العام 1991 ، وتم تضمين نتائج عملها في القرار الدولي رقم 833 لسنة 1993.

ذات الملف أعيد فتحه في عام 1998 بعد ترسيم الحدود البحرية بين الكويت والسعودية ، حيث رفض العراق هذا الترسيم ، وأكد عدم اعترافه بالنتائج المترتبة عليها ، لكون المياه الإقليمية للدول المتشاطئة شمال الخليج العربي متداخلة وذات خصوصية معينة يصعب معها تطبيق اتفاقية الأمم المتحدة  لقانون أعالي البحار لعام 1982 عليها دون اتفاق جميع الدول ذات العلاقة . لذلك فان البواخر المتجهة إلى موانيء العراق تضطر إلى المرور حكما في مياه استولت عليها الكويت حسب الترسيم الأخير للحدود البحرية بين العراق والكويت عام 1993 . و اليوم يعاد فتح ملف مشكلة الحدود البحرية بين العراق و الكويت, بعد التصديق العراقي على الاتفاقية الملاحية مع الكويت في خور عبد الله, حيث يؤكد المراقبون إن ألازمة المستمرة بين العراق والكويت حول الحدود البرية والبحرية ستبقى مستمرة ، من جراء النتائج التي ترتبت على انحياز مجلس الأمن الدولي ، لوجهة النظر والمصالح الكويتية  فقط ، دون الاخذ بنظر الاعتبار مصالح العراق الاقتصادية والاستراتيجية.

قرارات جائرة

دون الخوض في التداعيات السياسية التي أدت في 2 آب/أغسطس من عام 1990، الى قيام العراق باجتياح الكويت( ) لتبدأ مرحلة سوداء ليس في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي والاقتصادي بل في تاريخ المنطقة كلها لازالت تداعياتها السلبية تلقي بظلالها القاتمة على كافة مناحي الحياة في منطقة الشرق الأوسط بل والعالم ، والذي أدت تداعياته في النهاية إلى انهيار نظام حكم صدام حسين في9/4/2003( ) !

ومما ينبغي استذكاره في البداية أن مجلس الأمن كان قد طالب العراق والكويت في  القرار660 (1990) “بالبدء فوراً بإجراء مفاوضات مكثفة لحل خلافاتهما”، التي من بينها يعد حل المسألة الحدودية  الأكثر أهمية ، وبموجب الأحكام المذكورة في القرار آنفا ، إلا أن  مجلس الأمن اعتمد إجراء مغايراً تماماً لقراره رقم 660 (1990) ! عندما تعامل مجلس الأمن مع مسألة الحدود بموجب الفصل السابع من الميثاق ، من خلال القسم (أ ) من القرار 687 (1991)، لا من خلال فرض “صيغة التحديد” فقط وإنما أيضا بفرض “أسس” و “أسلوب” رسم الحدود مسجلاً بذلك سابقة غير معروفة حتى الآن. ولهذا السبب، صوتت كوبا ضـد القرار 687 (1991) فيما امتنعت الإكوادور واليمن عن التصويت.  وبعد أن أشار القرار 687 (1991)  في ديباجته إلى الحدود المبينة في رسالة رئيس وزراء العراق المؤرخة في 21 تموز/يوليو 1932 والتي وافقت عليها الكويت في الرسالة المؤرخة في 10 آب/ أغسطس 1932، طالب بأن يحترم العراق والكويت حرمة الحدود الدولية وتخصيص الجزر، على النحو المحدد في “المحضر المتفق عليه بين دولة الكويت والجمهورية العراقية بشان استعادة العلاقات الودية والاعتراف والأمور ذات العلاقة” ، الذي وقعاه، ممارسة منهما لسيادتهما، في بغداد في 4 تشرين الأول /أكتوبر 1963 ( ) ؛ وسجل لدى الأمم المتحدة ؛ نص في احد فقراته العاملة على ما يلي( يطلب إلى الأمين العام أن يساعد في اتخاذ الترتيبات اللازمة مع العراق والكويت لتخطيط الحدود بين العراق والكويت، مستعينا بالمواد المناسبة، بما فيها الخرائط المرفقة بالرسالة المؤرخة 28 آذار/مارس 1991 الموجهة إليه من الممثل الدائم للمملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وايرلندا الشمالية لدى الأمم المتحدة، وأن يقدم إلى مجلس الأمن تقريرا عن ذلك في غضون شهر واحد)، حيث سمح مجلس الأمن  لنفسه من غير سابقة في التدخل بمسألة الحدود بين العراق والكويت من خلال القسم (أ ) من القرار 687 (1991)، لا من خلال فرض “صيغة التحديد” فقط وإنما أيضا بفرض “أسس” و “أسلوب” رسم الحدود. وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن صلاحيات مجلس الأمن ووظائفه بموجب الميثاق لا تمنحه الحق في فرض عملية تعيين حدود على دولة عضو وذلك لان هذه الصلاحية تخضع بموجب القانون الدولي لقاعدة الاتفاق بين الدول ذات العلاقة ! أي بعبارة أدق من خلال الحوار و المفاوضات المباشرة بين العراق والكويت .

وقد شكل مجلس الأمن الدولي لجنة لترسيم الحدود العراقية الكويتية من خمسة أعضاء وفقا” للقرار 687 (1991)، منهم اثنان يمثلان العراق والكويت وثلاثة خبراء مستقلين يختارهم الأمين العام للأمم المتحدة الذي يعين احدهم رئيساً للجنة ، وان تتخذ قرارات اللجنة على أساس أصوات الأغلبية وان تكون هذه القرارات نهائية ، وان تكون اللجنة مسئولة أمام الأمين العام . وقد لاحظ العراق أن تلك المقترحات لا توفر التوازن التام بين الآراء التي قد تعتمد من قبـل كل طرف من الأطراف خلال عملية الترسيم، وانه طالما لا يكون له أي دور في اختيار الخبراء فانه لن يكون قادراً على التأكيد مسبقاً على حقيقة استقلالهما. ومن هنا فان رأيه في سياق عملية الترسيم سيمثل من قبل عضو واحد فقط من أصل خمسة أعضاء هم من الناحية الواقعية من التحالف الدولي الذي أخرج القوات العراقية من الكويت في عملية (عاصفة الصحراء) .

الحكم المّسبق

أن مما ينبغي ملاحظته أن مجلس الأمن وبالنسبة لأسس ترسيم الحدود فرض مصادر لذلك من خلال استخدام تعبير “مادة مناسبة” مدرجاً ضمنها خارطة بريطانية مرسومة في عام 1989-1990 من قبل مدير عام المساحة العسكرية في المملكة المتحدة وقد تم تداولها كوثيقة من وثائق مجلس الأمن بناءً على طلب الممثل الدائم للمملكة المتحدة لدى الأمم المتحدة في رسالته المؤرخة 28/آذار/1991، أي بعبارة أخرى قبل خمسة أيام من اعتماد القرار 687 (1991). علما انه لا يتوفر أي أساس قانوني لاعتماد مجلس الأمن الخارطة المشار إليها في القرار 687 (1991) أساسا لترسيم الحدود بسبب عدم إشراك العراق في رسمها وعدم اعترافه أو إقراره بها بأي شكل من الأشكال. وعليه فأن إدراج مجلس الأمن هذه الخارطة في المادة المناسبة لأغراض ترسيم الحدود كان يعني حكماً جرى تصوره سلفاً بشأن مسار خط الحدود على الأرض وقبل المباشرة بعملية الترسيم ! أي بعبارة أدق فرض وجهة نظر مغايرة تماما لمصلحة العراق بدون أي أساس أو اعتبار قانوني لاعتماد خارطة قام برسمها مدير عام المساحة العسكرية في المملكة المتحدة في عام 1989-1990، وكان الأجدر والأصح قانونيا” اعتماد الخرائط أو المخططات التي رسمت أو شارك برسمها أو وضعها طرفي العلاقة في الترسيم وهما العراق والكويت.

التجاوز على قانون أعالي البحار 1982

تعتبر اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار لسنة1982 والتي تعرف أيضا” بقانون أعالي البحار لسنة 1982″ واحدة من أهم المراجع القانونية الدولية التي تحكم القواعد المتعلقة بالمناطق البحرية الخاضعة للولاية الإقليمية للدول الساحلية و المناطق البحرية الخارجية عن الولاية الإقليمية للدول الساحلية في صوره مبسطة وشاملة .
و لقد كررت المادة الحادية عشر من اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار لسنة1982 ما جاء في المادة الثامنة من معاهدة البحر الاقليمى من اعتبار أبعد أجزاء المنشآت الدائمة في الموانئ جزءاً لا يتجزأ منه وتخضع بالتالي لنظامها القانوني حيث نصت على أنه ” لأغراض تعيين حدود البحر الاقليمى تعتبر جزءاً لا يتجزأ من الساحل أبعد المنشآت المرفئية الدائمة التي تشكل جزءاً أصيلاً من النظام المرفىء ولا تعتبر المنشآت المقامة في عرض البحر والجزر الاصطناعية من المنشآت المرفئية الدائمة ” ، وهذا لم يجري أخذه بعين الاعتبار في ترسم الحدود البحرية بين العراق والكويت والدليل على ذلك أن التفويض الممنوح للجنة ترسم الحدود الدولية كما حدده مجلس الأمن نفسه في القرار 687 (1991) وتقرير الأمين العام طبقاً للفقرة 3 من ذلك القرار، لم يخول اللجنة التعامل مع مسار الحدود في ما وراء نقطة ارتباط خور الزبير مع خور عبد الله (أي بعبارة أخرى، ما وراء تلك النقطة حتى البحر) ما لم توافق الأطراف(العراق والكويت) على غير ذلك وان اللجنة لم يكن بمقدورها توسيع حدود تفويضها على مسؤوليتها الخاصة لولا الضغوط الكويتية والأمريكية والبريطانية التي مورست على اللجنة الدولية لترسيم الحدود البحرية . ومن الجدير بالذكر أن المسطحات البحرية المشتركة, بين العراق والكويت وإيران, لم تخضع بعد لاتفاقية مشتركة بين الدول الثلاث, حول استغلال الجرف القاري, والمنطقة المتاخمة, والمنطقة الاقتصادية الخالصة, إضافة لمناطق الصيد والتجارة البحرية لما تمثله كل تلك العناوين من موارد لا تستنزف بسهولة, ولتداخل هذه المناطق فيما بينها بالنسبة لكافة الدول الثلاث سيكون من الضروري السعي المشترك لاستغلالها في صالح الجميع..

عمل لجنة ترسيم الحدود البحرية

ناقشت اللجنة الدولية لترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت  المشكلة وفق  الفقرة 3 من القرار 687  (1991)”  الصادر عن مجلس الأمن هذه المسألة في جلستها الثالثة المنعقدة في جنيف للفترة من 12-17آب/1991. وخلال النقاش عبر رئيس اللجنة السيد مختار كوسوما أتماجا (اندونيسيا) عن وجهة نظره بأنه وفي ضوء طبيعة ومدى تفويض اللجنة فانه سيكون من الصعب التعامل مع ترسيم الحدود البحرية. وكان هذا يُعزوا إلى أن التفويض المذكور لم يخول اللجنة التعامل مع مسار الحدود في ما وراء نقطة ارتباط خور الزبير مع خور عبد الله (أي بعبارة أخرى، ما وراء تلك النقطة حتى البحر) ما لم توافق الأطراف(العراق والكويت) على غير ذلك وان اللجنة لم يكن بمقدورها توسيع حدود تفويضها على مسؤوليتها الخاصة( )..لم يتردد رئيس اللجنة في الكشف عن حقائق ساطعة حول أعمال الضغط على عمل اللجنة والتدخل فيه التي لجأ إلى ممارستها مساعد المستشار القانوني لسكرتارية الأمم المتحدة ، وكذلك الضغط الكويتي( ) على رئيس اللجنة والخبيرين المحايدين بغية حملهم على تبني موقف الكويت في ما يخص ترسيم الحدود البحرية( ) .

الضغوط الكويتية

وقد أصدرت اللجنة بياناً صحفياً يوم 24/تموز/1992 لوحظ فيـه أن النتيجة النهائية للجلسة السادسة هي “إجراء مزيد من التحري في القسم الخاص بـ(خور عبد الله) ومناقشته في جلسة أخرى تعقد لهذا الغرض في تشرين الأول”. ويبدو أن هذا البيان أدرج استجابة للتعليمات التي أمليت على رئيس اللجنة والخبيرين المحايدين فيها من قبل السكرتارية لغرض أن تكون هناك حاجة لتوضيح قرارات اللجنة مـن اجل مواجهة الاستياء الواسع الذي عبرت عنه الصحافة الغربية والعربية بسبب التعتيم على عمل اللجنة.  أن عمل اللجنة” الذي كان يجري تنفيذه في ظروف خاصة أعقبت غزو العراق للكويت وطبقاً للقرار 687 (1991) وتقرير الأمين العام للأمم المتحدة الخاص بتنفيذ الفقرة 3 من ذلك القرار( ). ونص القرار 733 (1992) والمعلومات الأساسية الواقعية لمناقشات اللجنة تعبر بشكل لا لبس فيه وبدون أدنى شك عن الجهود المنظمة والمنسقة للكويت وجهات معينة في السكرتارية، علاوة على دول أعضاء معينة في مجلس الأمن (الولايات المتحدة وبريطانيا ) لتوجيه عمل اللجنة خلافاً للتفويض الممنوح لها كما حدده مجلس الأمن نفسه في القرار 687 (1991) وتقرير الأمين العام طبقاً للفقرة 3 من ذلك القرار. ولقد أدى ذلك الجهد إلى النتيجة التي تم التنويه عنها تواً ودون بلوغ حد اللجوء إلى تعديل واضح لمعالم تفويض اللجنة وذلك لأن هذا الأمر من شأنه أن يكون في عداد فضيحة سياسية وقانونية سافرة. كما ألقى العمل المنظم ذاته والتنسيق الضوء على ما يظهر بشكل جلي في محاضر عمل اللجنة في ما يتعلق بالمواقف المتكررة لممثل الكويت( ) حول استعدادها للعودة إلى السكرتارية ومجلس الأمن لاتخاذ الموقف المطلوب في أية مناسبة حينما تقدم وجهة نظر مغايرة لوجهة نظره.

استقالة رئيس اللجنة

استنادا لما سبق اضطر  رئيس اللجنة في 20/تشرين الثاني/1992 للاستقالة والتي أعلن عنها في رسالته الموجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في 4/تشرين الثاني/1992 ورسالته المفصلة المؤرخة 6/تشرين الثاني/1992 الموجهة إلى المستشار القانوني للأمم المتحدة. وقد أشارت هذه الرسالة إلى أن الاستقالة كانت لسببين أولهما “شخصي” أما الثاني فهو، بحسب ما جاء في نص الرسالة، ” لقد تكونت لديّ منذ بعض الوقت تحفظات بشأن شروط الرجوع إلى اللجنة”. لقد طرح رئيس اللجنة في رسالته كيف انه أثار “في مناسبات عدة مع المستشار القانوني”، بعض النواحي الخاصة بشروط الرجوع إلى اللجنة “وكيف انه جلب الانتباه إلى أن “الحدود في القسم البحري (خور عبد الله) لم يشر إليها بدقة في وصف الحدود كما تضمنه تبادل الرسائل لعام 1932، ولذلك فأن تعيين الحدود كان غير متاح” للجنة والتي يمكن أن تتم على أساسه عملية ترسيم هذا الجزء من الحدود”. كما كشف كيف أن المستشار القانوني أوضح له في نيسان 1992 أن “أي تغيير في تفويض اللجنة من جانب مجلس الأمن هو خارج حدود هذه المسألة”. كما لاحظت الرسالة أن هذه المسألة نوقشت مرة أخرى بين رئيس اللجنة والمستشار القانوني في أيار، ثم نوقشت مرة أخرى أيضا في اجتماعين عقدا بين رئيس اللجنة من جهة والمستشار القانوني والأمين العام من جهة أخرى في تموز وأيلول عام 1992 حينما أتيحت لرئيس اللجنة فرصة “وصف الموقف الذي جعل من المتعذر بالنسبة لي الاستمرار ما لم تجر هناك تعديلات لتفويض اللجنة”. بعد ذلك أشارت الرسالة” ونظراً لإدراكي انه من الصعب بالنسبة لي تغيير الشروط الحالية للرجوع إلى اللجنة، ولأسباب أخرى شخصية لم يعد لي أي خيار آخر غير تقديم استقالتي”. وعند استقالة رئيس اللجنة عين السيد( نيكولاس فالتيكوس )من ( اليونان) رئيساً لها وتم عقد الجلسة السادسة للجنة في جنيف للفترة من 14-16/كانون الثاني/1992، واتخذت اللجنة خلالها قراراً سريعاً  بان المبدأ الجوهري الذي يحكم عملية ترسيم الحدود في (خور عبد الله) ينبغي أن يكون الخط المار في الوسط مما يفهم منه أن هدف وغرض تسوية الحدود هو تسهيل مرور الملاحة البحرية لكلا الطرفين!

مخالفات قانونية

إن التدخل في عمل اللجنة والضغوط غير القانونية التي مورست عليها من قبل الكويت والإدارة الأمريكية والحكومة البريطانية ، قد أدت إلى نتيجة تثير عدداً من التساؤلات القانونية، وهذه يمكن إيجازها بالآتي:
إن صيغة تعيين الحدود التي اعتمدها مجلس الأمن كأساس لترسيم الحدود في القرار 687 (1991)، والتي تم التوسع فيها في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الذي قدمه طبقاً للفقرة 3 من القرار المذكور، لا تتضمن أية إشارة لوصف الحدود في خور عبد الله. وعلى هذا الأساس فأنه من المستحيل الاعتماد على تلك الصيغة في أية عملية ترسيم للحدود من النوع الذي قامت به اللجنة لأن الترسيم ينبغي أن يعتمد على وصف للحدود، أي بعبارة أخرى تعيين للحدود متفق عليه من جانب الأطراف المعنية.

إن منطقة خور عبد الله لا يمكن أن تكون من نفس طبيعة المياه البحرية الإقليمية على أساس عملية تعيين الحدود التي اقرها القرار 687 (1991) بغية التمكين من تطبيق قواعد قانون البحار في تقسيم المناطق البحرية بين الدول التي تمتلك سواحل متقابلة أو متجاورة.  وحتى على افتراض أن منطقة خور عبد الله هي جزء من المنطقة البحرية الإقليمية،  فان هذه المنطقة تخضع لمفهوم “الظروف الخاصة” الذي أكده الخبيران المحايدان في اللجنة .  وعليه فان هناك مبرراً تاماً استناداً إلى اتفاقية قانون البحار، لعام 1982 لتعيين المنطقة البحرية على أساس آخر وان يكون هناك اتفاق بين الأطراف على ذلك. إن القواعد التي يمكن تطبيقها في غياب “الظروف الخاصة” تكتسب قوة خاصة لصالح العراق وذلك لعدم وجود صيغة متفق عليها لتعيين الحدود بين العراق والكويت في خور عبد الله، بعبارة أخرى، أن عملية تعيين الحدود في هذه المنطقة تُجرى للمرة الثانية وهكذا يصبح من الممكن تطبيق قاعدة الظروف الخاصة.

إن العراق يمتلك حقوقاً تاريخية منذ عام 1870م ، في منطقة خور عبد الله التي لم تمارس فيها الكويت عمليات ملاحية ذات معنى، وعليه فأن المنطقة ، تقع خارج إطار تطبيق قاعدة الخط المار في الوسط طبقاً لاتفاقية قانون البحار لعام 1982.

لقد انفق العراق على مدى عقود من الزمن ملايين الدولارات على عمليات كري وتوسيع وصيانة طرق الملاحة والقنوات الرئيسية والثانوية التي تؤدي إلى خور عبد الله وتمر من خلاله، وإقامة المواني والمراسي في المنطقة من اجل ضمان تدفق تجارته في البحر. أن فرض الحدود في خور عبد الله بالطريقة التي مارستها اللجنة قد شكل إنكارا خطيراً لحق العراق التاريخي في التمتع بمنفذ حر إلى البحر من خلال عمليات ملاحية آمنة وغير مقيدة في خور عبد الله والى الحد الذي يصبح معه العراق عملياً دولة برية مغلقة.

الأضرار الناجمة عن ترسيم الحدود البحرية

أما أهم الأضرار التي نجمت عن ترسيم الحدود البحرية بين العراق والكويت من قبل لجنة ترسيم الحدود الدولية المشكلة وفق القسم (أ ) من القرار 687 (1991) والتي تضمن نتائج عملها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 لسنة 1993 فهي كما يلي : ـ

لقد فقد العراق أراضي واسعة غنية بالبترول هذا بالإضافة إلى فقدان العراق للقاعدة البحرية الوحيدة له المطلة على الخليج العربي ألا وهي قاعدة( الخليج العربي) البحرية في ام قصر بكل مراسيها ومنشاتها ومداخلها البحرية بسبب ضمها إلى الكويت أيضا حسب قرارات مجلس الأمن التي حرمت العراق من إطلالته الوحيدة على الخليج العربي حيث سبب استيلاء الكويت على الممر الملاحي في خور عبد الله من تعطيل العمل بموانيء عراقية عدة مثل الأرصفة العشرة والبتروكيمياويات وميناء خور الزبير والحديد والصلب وأخيرا المينائين التجاري والنفطي في أم قصر.

إن الخط الحدودي بشكله الحالي المرسوم على الخرائط البحرية يقطع الممر الملاحي العراقي بالكامل, ويمتد من جنوب ارصفة قاعدة الخليج العربي(المسلوبة) إلى الضفة العراقية الأخرى المقابلة لها, ويقترب من جزيرة (حجام), بحيث يلامس الجزء الأسفل منها, بمعنى أن مقتربات جزيرة (حجام) نفسها صارت من ضمن ممتلكات الكويت. وستصبح السفن العراقية وغير العراقية, المغادرة من ميناء أم قصر نحو البحر. داخلة في حدود المياه الإقليمية الكويتية بمجرد مغادرتها الميناء ببضعة أمتار فقط, وهذا يعني حتمية قيام السفن العراقية برفع العلم الكويتي, والاستئذان من الحكومة الكويتية عند الانتقال من أم قصر إلى الفاو, أما السفن الأجنبية الوافدة إلينا فمن المرجح أن الكويت ستسمح لها بممارسة ما يسمى بحق المرور البريء, أو حق المرور العابر. وسيحرم العراق في ضوء المرتسمات الجديدة من أي منفذ سيادي على البحر.

صار العراق يعد من البلدان, الموصوفة حسب اتفاقية الأمم المتحدة لأعالي البحار, بأنه من البلدان المتضررة جغرافيا لامتلاكه ساحل جغرافي محدود جدا لا يتجاوز طوله (29) ميلا بحريا أي (57) كيلومترا يبتدئ من ( رأس البيشة ) ولغاية أم قصر, في حين تقلصت المسافة بين الحدود الزاحفة لكل من إيران والكويت إلى أقل من 18 ميل بحري , الأمر الذي نجم عنه تكدس الموانئ العراقية (الأسمدة، النفط, الحديد, والصلب, والبتروكيمياويات, والبضائع العامة) في منطقة واحدة محدودة وضيقة.

إن القناة الملاحية صارت بالكامل , من ضمن المياه الإقليمية الكويتية. حيث استحوذت دولة الكويت على القناة الملاحية برمتها. الأمر الذي يعني أن العراق أصبح معزولا تماما عن المسطحات البحرية العالمية. بعد أن صارت نافذته البحرية خاضعة لنفوذ وسيادة الحكومة الكويتية, وربما ستفرض الكويت على السفن المحلية والأجنبية رفع العلم الكويتي, والحصول على الإذن المسبق من السلطة البحرية الكويتية بالدخول والمغادرة. وهذا ما شرعت بتطبيقه السفن الحربية الكويتية المكلفة بالاستطلاع العميق في خور عبد الله , والتي دأبت على توجيه نداءاتها الصارمة لربابنة السفن المتوجهة إلى الموانئ العراقية, وإلزامها برفع العلم الكويتي وإنزال العلم العراقي بالقوة. وبهذا فقد العراق سيادته على منافذه البحرية بموجب الحدود المثبتة على الخرائط الملاحية الأدميرالية ( ).

على الرغم من أن السواحل الكويتية , يزيد طولها على 499 كيلومترا, أي بطول المسافة بين البصرة وبغداد , وتنشر على طول سواحلها موانئ تخصصية واسعة في الشعيبة, والأحمدي, والدوحة, والشويخ, والقليعة, وعندها مجموعة كبيرة من المرافئ والمراسي العميقة, لكنها اختارت أن تنفذ مشروعها ميناء (مبارك الكبير)  عام 2005 في أضيق الأماكن, وتحشره حشرا في خاصرة ساحل الفاو على الساحل الشرقي لجزيرة بوبيان, لتخنق الرئة البحرية الوحيدة, التي يتنفس منها العراق في هذا المكان الحساس( ), الذي يعترض خطوط السفن المتوجهة إلى الموانئ العراقية, وتصر على فرض واقع جيوبوليتيكي في منطقة تعد من أحرج المناطق الملاحية في العالم, وكأنها تريد غلق آخر ما تبقى من بوابات الموانئ العراقية, وبالتالي حرمان العراق من ارتباطاته البحرية. والتساؤل عن الدوافع الحقيقية التي تقف وراء إقامة وبناء هذا الميناء في هذا الموقع بالذات (جزيرة بوبيان), وفي هذه الظروف الحساسة التي تمر بها المنطقة ؟, وما هي التأثيرات والنتائج المترتبة علي بناء هذا الميناء من النواحي القانونية والجغرافية والسياسية والاقتصادية والبيئية ؟ كل ذلك يمكن إجماله بما يلي :ـ

أن الميناء الجديد سيعمل على تحييد الموانئ العراقية(الأسمدة، النفط, الحديد, والصلب,والبتروكيمياويات, والبضائع العامة) وممارسة الضغط عليها, فمنشات وأعمال هذا الميناء ستؤثر على مياه العراق الإقليمية, وستؤثر على جرفه القاري وممراته الملاحية, وبالتالي على حدوده البحرية , والحقيقة إن بناء مشروع بهذه الضخامة ستكون له تأثيرات سلبية ضارة على الاقتصاد العراقي بشكل مباشر, حيث ستفقد الموانئ العراقية لتعاملاتها المعتادة مع خطوط الشحن البحري العالمية, وبالتالي فقدان آلاف الأيدي العاملة العراقية التي تعمل في تلك الموانئ أعمالها.
إن الامتدادات الناجمة عن أرصفة هذا الميناء الاستفزازي حسب مراحل المشروع, سوف تلحق الضرر الأكيد

بمساحة الجرف القاري العراقي الذي لم يتم تحديده أو الاتفاق عليه لحد الآن .
أن عمليات الحفر والردم, وإنشاء السواتر الخراسانية في خور عبد الله سوف تلحق الضرر بالثروة السمكية في المياه الإقليمية العراقية, والتي تعتبر مصدر رزق آلاف العراقيين من سكان المناطق الجنوبية.
إجهاض مشروع ميناء العراق الكبير أو ميناء الفاو الكبير، وجلب استثمارات وأموال عربية وأجنبية لتوظيفها في جزيرة بوبيان لكي لا تكون أي جدوى اقتصادية محتملة من إنشاء ميناء الفاو الكبير.
أن الكثير من الأضرار ستلحق بالبيئة من جراء الفضلات الناجمة عن المشروع, والسفن الراسية فيه, أو من المشاريع الخدمية المزمع إلحاقها بالميناء( ).

الهوامش

( )  انظر ميثاق خير الله جلود ، مستقبل العلاقات السياسية العراقية الخليجية ، نشرة تحليلات إستراتيجية ، السنة (3) ، العدد (44) ، مركز الدراسات الإقليمية ، جامعة الموصل ، حزيران 2009، ص1.
( )  فرانسيس أ.بويل ، الولايات المتحدة كمحتل محارب ، مقالة منشورة في النشرة الإخبارية الأمريكية (Counter Punch) بتأريخ 22/12/ 2005.
( )  محمد عبد الرحمن يونس ، التحديات التي تواجه العلاقات العراقية الكويتية 2003 – 2006 ، وقائع المؤتمر العلمي السنوي لمركز الدراسات الإقليمية ( العراق ودول الجوار) للفترة من 20 – 21 /12/ 2006 ، جامعة الموصل 2007 ، ص 110 – 111.
( )  لمزيد من التفاصيل، أنظر محاضر عمل اللجنة في الوثائق (IKBDC/ Mln 19,40,49).
( )  علي الهاشمي ، من يسعى لعرقلة التقارب العراقي الخليجي ، موقع شبكة النبأ المعلوماتية http://www.annabaa.org?na\banews?58?132.htm.
( )  انظر الوثيقة (IKBDC/Mln.51.PP 1-11 ) الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.
( )  انظر الوثيقة (S/22558)”الصادرة عن مجلس الأمن الدولي.
( )  علي الهاشمي ، مصدر سابق.
( )  ينظر كاظم فنجان ألحمامي جريدة (الزمان) الدولية بعددها 3408 في 30/9/2009..
( )  ينظر http://www.baghdadtimes.net/Arabic/?sid=53443..
( )  انظر الرابط http://www.baghdadtimes.net/Arabic/?sid=72267..

 

اللواء البحري الركن المتقاعد الدكتور عماد علّو

18