دراساتدفاع

مساحة الدفاع ما بعد المعركة. بقلم هشام العلي

اعداد : هشام العلي، باحث متخصص في الدفاع والتسلح

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

دراسات ما بعد المعركةالحلقة  ، الثامنة، مساحة الدفاع

اعتمدت الجيوش الحديثة على مبدأ الهجوم في العمق من اجل مشاغلة الوحدات التي ليست بالتماس مع خطوط الدفاع, ما يؤدي الى الاخلال بتوقيتات المدافعين وخلق المصاعب امام منظومات القيادة والسيطرة وبالتالي افشال الخطط وارباكها, وكان ذلك يتم من خلال القصف بالصواريخ المتوسطة واستخدام الخرق الجوي, وفي حالات معينة من خلال انزال قوات النخبة خلف خطوط الدفاع المستهدفة.. هذا لدى الجيوش النظامية, اما في حرب العصابات فان كل الظروف متاحة للعمل خلف خطوط المدافعين بسبب جغرافية مناطق الصراع وديموغرافيتها, ما جعل الحرب العميقة (ضرب الدفاعات في العمق) متاحة بشكل كبير وتشكل واحدا من اهم اسس حرب العصابات حيث تاخذ جبهة العميات شكل العمق وليس الخطوط المتواصلة والمتتابعة…

يمثل القتال ضد وحدات فرعية وتخطيها او عزلها او تطويقها احد اساليب العصابات المهمة ذات التاثير التعبوي والنفسي.. حيث يتم استثمار وجود ثغرات بين نقاط الدفاع الحصينة فيتم الاختراق من خلال اجراء مناورة باسناد ناري كثيف لحرمان المدافعين من فرصة المعالجة والمتابعة واجراء المناورة, مع استثمار الحصار وادامة الزخم باتجاه النقطة المنعزلة حتى ابادتها تماما, وفي الطبيعة الديموغرافية للجبهة الحالية تكون عمليات الاختراق متيسرة جدا للمسلحين ومن دون الحاجة للمناورة احيانا.. ولذلك فان المعركة العميقة المفروضة على القوات المشتركة يجب دراستها من خلال الكثير من المعطيات, ومنها ما استنبطناه من افادات المقاتلين ضمن (دراسات ما بعد المعركة) والتي توصلنا من خلالها الى ما يلي:

1. احدى اهم مشاكل المعركة العميقة التي تواجهها القوات المشتركة تكمن في ان ساحة معركة متناقضة في تضاريسها, حيث ان جبهة كركوك وديالى والموصل هي ارض متموجة تتخللها بعض المرتفعات التي تصلح لتكون الارض الحيوية المنتخبة في الدفاع لكلا الطرفين.. في الحين ان جبهة الانبار وجنوب صلاح الدين هي منطقة صحراوية تتخللها بعض التموجات التي لا تصلح كموانع طبيعية او مراصد للمتابعة والمعالجة, وهنا قد لا يوجد مجال كاف للمناورة من قبل المدافعين لاجراء عمليات المقاومة في العمق ولكلا الطرفين, ما يشكل خللا في الاستراتيجية العامة للدفاع…

2. تهدف حرب العمق لدى العصابات الى حرمان المدافعين من المحاور التي تؤدي الى الاهداف التي يمكن الوصول اليها, مع منع المدافعين من تعقب حركات العصابات من خلال الارباك المستمر وايجاد فرصة لانتزاع المبادئة والاحتفاظ بها واجبار المدافعين على ايقاف مناوراتهم حتى الوصول الى حالة الدفاع الجامد (المقاومة القنفذية) والتي تؤدي في النهاية الى الانتكاسة.. وكان ولا زال عمل المسلحين وفق مبادئ الحرب العنقودية يصب دائما في هذا المجال…

3. ان التحشد والزخم والمعركة المتواصلة هي الفعاليات التعبوية التي تهدف في تسلسلاتها الى حسم المعركة.. وهنا يجري الخرق من قبل المسلحين في اي مكان وبنسب زخم متفاوتة وباستمرار ليؤدي بالتدريج الى انهيار المنظومة الدفاعية, او يتم الضرب في العمق من قبل المسلحين في حال عدم امكانيتهم في اجراء معركة حاسمة ومن ثم تجري سلسلة اعمال تمهيدية تهدف الى تهيئة الظروف المناسبة لاجراء العمل الحاسم..

4. احيانا تهدف معارك العمق الى القيام باعمال روتينية في ظروف خاصة تندر فيها المعلومات اللازمة لاجراء ضربات محكمة, ويكون من نتائجها دراسة واستنتاج نقاط الضعف لدى المدافعين حتى سنوح الفرصة للمعركة الحاسمة, والتي ربما كانت قد وضعت ضمن جدول العميات والتوقيتات, ولذلك فان سلسلة معارك العمق والمعركة الحاسمة التي تليها تعتبر معركة واحدة..

على سبيل المثال كانت هناك سلسلة معارك شنها المسلحون في عمق الدفاعات العراقية وبوتيرة متصاعدة سبقت انتكاسة الموصل وادت الى الانهيار النفسي لقواتنا والتي كان اخرها عملية الهجوم على سامراء, حيث تم تنفيذها قبل الهجوم على الموصل بايام قلائل لغرض المخادعة وتحويل الانظار عن وجهة الهجوم الرئيسي, والذي كان يستهدف الموصل اساسا…

5. اثناء التعرضات الواسعة والتي تهدف الى احتلال مدن او محاصرة قيادة العمليات تجري معارك واسعة في العمق الهدف منها فرض الانهيار النفسي على جميع الوحدات ما سؤدي الى انهيار الدفاعات وبالتتابع, وهو ما حدث قبل واثناء انتكاسة منتصف عام 2014م…

6. ضرب الطرق وخطوط المواصلات هي احدى اساليب القتال في العمق.. والتي استخدمها المسلحون قبل الانتكاسة وكان لها اثر سلبي كبير ادى الى انهيار القوات المشتركة نفسيا.. ومن المؤسف ان مثل هذه العمليات اصبحت تتكرر, خصوصا في الطريق الواصل بين بعقوبة وخانقين والطريق الدولي الرابط بين الفلوجة والقائم اضافة الى الطريق الرابط بين حمرين وكركوك من غير ان تنتبه الجهات المعنية الى خطورة نتائج مثل تلك العمليات على الوضع النفسي العام…

7. تبقى الخيارات مفتوحة للمدافعين امام عمليات الخرق الابتدائية المنفردة, لكن لو تطورت الى اعمال متسلسة هنا وهناك فسوف تختفي الخيارات بالتدريج ما يؤدي اخيرا الى الانتكاسة..
8. حينما تتعرض قوات نظامية متهيئة للهجوم الى هجوم في العمق فهذا يؤدي الى ارباك خططها واجبارها على اعادة تنظيم القوة ما يؤخر الهجوم, وربما يؤدي الى الغائه نهائيا..
9. تهدف عمليات التخلل دائما الى اجراء اشتباكات حاسمة وليس الازعاج فقط, هذا في الحرب النظامية… اما في حرب العصابات فالامر مختلف تماما, حيث يتم مشاغلة الاهداف العميقة من قبل العصابات ومن ثم اجراء العمل الحاسم من خلال ضرب الاجنحة…

10. من اهم خواص العصابات عدم التقيد بالحركات التعبوية, مع المرونة في ظاهرة التشظي والاندماج, ما يسمح لدى تلك العناصر باستخدام القوة الكافية لمشاغلة او تدمير النقاط والوحدات المنفصلة, في الوقت الذي يتم الاحتفاظ فيه بقسم كبير من قواتها خارج القتال للتهيؤ للفرصة السانحة التي تمكنها من الانقضاض على الهدف الرئيسي ذو التاثير السوقي, والذي غالبا ما يكون مدينة كبرى او منطقة حيوية او منشأة معينة او قيادة عمليات..

11. في المعركة العميقة يقوم المسلحون بزج قواتهم في محاور هجوم محدده تحرمهم عادة من الحصول على بدائل او محاور اخرى.. وبامكان المدافعين استثمار ذلك لاجراء عمليات الحصر والتطويق والمتابعة خصوصا اذا كانت الوحدات المدافعة مدربة ومنظمة وذات مستوى انضباط عالي..

12. في الحرب العميقة تحتاج قواتنا المدافعة دائما الى دراسة الطرق والمسالك المتيسرة للمسلحين في الارض الحيوية, والتي تبدا من المعلومات عن التضاريس وطبيعة السكان والخطط النارية ومنظومات الاسلحة ومسالك عملهم المحتملة, ومن بعدها يبدأ العمل بسياقات العمل الثابتة, حيث يتم وضع نقاط واهداف وهمية لمخادعة المسلحين مع تاشير وضع النقاط القوية والحصينة التي يتم اسنادها بنقاط وهمية او ضعيفة للمشاغلة والمخادعة كما نوهنا في بحث سابق..

13. في بعض القواطع يتمتع المسلحين بقدرة قصيرة الامد على استنفار قوات اضافية بالسرعة المطلوبة على خلاف قواطع اخرى.. وهذا له تاثير كبير على مدى قدرتهم على اجراء عمليات طويلة الامد او عدمه… كما انه من البديهي ان يكون عدد الاهداف التي ينوي المسلحين مهاجمتها اكثر بكثير من قدراتهم على شن تلك الهجمات في وقت واحد.. لكن مع ذلك بامكانهم شن هجمات على عدت اهداف في نفس الوقت من تلك التي تتمتع باهمية نفسية وتعبوية وربما سوقية…

14. تحليل الفصل بين المعارك القصيرة واللاحقة والحاسمة من قبل القيادات تتخلله الاخطاء عادة, ما يجعل الوحدات المدافعة غير مؤهلة لكافة الاحتمالات…

15. حينما تبقى قوات الخرق على تماس دائم مع المدافعين تظهر حاجة الى الاسناد الناري وتعديل الخطط ومحاولة عدم وقوع في فخ الحصار, وهو ما وجدنا فيه خلل كبير خصوصا اثناء وبعد انتكاسة سقوط مدينة الرمادي بيد المسلحين عام 2015م..

16. اختراق الدفاعات يكون بكثافة قليلة عادة ولذلك لا تحتاج القوات المدافعة الى اظهار كل احتياطيها بوقت مبكر, لكن يجب معرفة انه لا يمكن للقوات القائمة بالخرق ان تتوقف ومن النادر ان تنسحب…

17. نحتاج الى سرعة رد الفعل تجاه مثل هذه الهجمات من خلال وضع خطط الاسناد المتبادل للوحدات واختيار المناطق الحيوية في الدفاع, مع امكانية اجراء هجمات مترافقة مع سلسلة هجمات العمق ضد اهداف منتخبة ومحتمل وجود خطر منها على المنظومة الدفاعية الاساسية…

18. لا يمكن للقطعات المنعزلة ايقاف الهجوم الا من خلال صب النار بكثافة على عمق واجنحة المهاجمين, لكن ذلك يتطلب احتياطي هائل لا يكون متوفرا في مثل هذه الحالات الا بنسبة معينة.. كما انه وبسبب عدم تسير المعلومات عن حجم ونوع وانفتاح القوة الحقيقية للمسلحين تحدث مشاكل لقوة الاسناد في تحديد الهدف والوقت اللازم لفك الحصار عن الوحدات المنعزلة والمحاصرة.. كما ان الوقت عنصر مهم للاطراف الثلاثة ( القوة المنعزلة/ المسلحين/ قوات الاسناد وفك الحصار)…

19. لا يفضل قيام الوحدة المطوقة بمحاولة فك الحصار عن نفسها وكسر الطوق لان ذلك سوف يستنزف طاقات كبيرة من الاحتياطي في مغامرة قد تكون فاشلة, والافضل ان يترافق نشاط فك الطوق مع نشاطات الوحدات الساندة وبتنسيق مدروس..

20. يتطلب دفاع المساحات الواسعة ان تكون هناك خطة لاجراء العمليات والسيطرة على الموارد محصورة في قائد واحد بامكانة النظر اليها كمعركة واحدة محكومة بالوقت…
21. يجب التركيز على اهمية الامكانية على اكتساب المعلومات مع القدرة على ايجاد منظومات هجوم جاهزة تمكن الوحدات المدافعة من تحليل الهدف والاستحضارات الاستخبارية للميدان…

22. لو تم العمل وفق سياقات العمل الثابتة مع التركيز على مبدأ الاسناد المتبادل بين الوحدات, مع زرع الموانع والعبوات في مساحة الجبهة, فان المسلحين من الممكن ان يتحولوا الى اهداف واهنة اثناء قيامهم باعمال التعرض العميق, وهو ما يحتاج الى مهنية وتدريب مكثف…

يستغل المسلحون المشاكل السياسية لطرح عملياتهم كبديل امام الراي العام, وهو الدافع الذي يجعل المعركة العميقة واردة جدا وبوتيرة متصاعدة… كما ان العمليات القادمة سيكون الهدف منها اثارة الراي العام المحلي والعالمي, وخصوصا في المناطق المتنازع عليها.. والتي ستكون نتائجها السلبية على المستوى السياسي اكبر بكثير من نتائج انتكاسة عام 2014م… كونها قد تؤدي في حال انهيار منظومة الدفاع الى تدويل القضية العراقية او تحول العراق الى سوريا اخرى كما نوهنا سابقا…

 

رابط مختصر  https://wp.me/p8HDP0-bzf

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات

الباحث هشام العلي

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق