Select Page

اعداد : الدكتور العميد سعد معن

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

غموض الظاهرة الاتصالية

ما من ظاهرة اتصالية اتسمت بالغموض والغرابة وسوء الفهم مثلما اتسمت به ظاهرة (غسل الدماغ ) ،ولتتصف بأسوء شهرة في التاريخ النفسي والسياسي الحديث إذ حفلت الدراسات الكثيرة عن هذه الظاهرة بالكثير من التهويلات وصلت إلى حدود التعجب وإثارة الدهشة ،ويرتبط هذا الغموض والاختلاف في تحديد ودراسة ظاهرة اتصالية نفسية كغسل الدماغ بمتغيرين رئيسيين هما :

1.حداثة دراسة ( غسل الدماغ ) كظاهرة اتصالية تمتلك كيانها المنفرد وأشكالها وأساليبها الخاصة في التعامل .

2. الخلط في عملية الدراسة بين ( غسل الدماغ ) وظاهرتين اتصاليتين أخربتين هما ( التثقيف ) و ( التحويل العقائدي) فضلا عن التصاق مصطلح غسل الدماغ باصطلاحات أخرى ( كتغيير الاتجاه ) أو ( تقويم الأفكار ) أو (التحرير الفكري ) أو ( الاختراق الفكري ) أو ( الإقناع الخفي ) الأمر الذي أدى إلى الوقوع في هذا القدر من التشويش والإرباك في مفهوم المصطلح وتطبيقاته .

ويثير “غسيل الدماغ” جدلا كبيرا بين علماء النفس والأعصاب بين منظر له ومنكر لوجوده فالبعض يعتبره مفسرا لاعتناق البعض لديانة ما ويدرجه في خانة الظواهر الماورائية فيما تقف “الجمعية الأمريكية لعلم النفس” موقفاً محايدا يرفض الاعتراف بوجوده أو إنكاره.

أيضاً، ربما يختلط بنا الأمر فنمزج بين عملية غسيل المخ، وبين عمليات التوجيه الديني والتعليمي والاجتماعي. فمثلاً قد يتساءل الكثير من أصحاب الحرف التربوية والاجتماعية عما إذا كانوا يمارسون في صميم عملهم نوعاً من غسيل المخ، المدرس قد يتساءل عن جوهر عمله التربوي، وأطباء العقول يسألون عن حقيقة تدريبهم للمرضى بواسطة العلاج النفسي، ورجال الدين يسألون أيضاً عن طبيعة وسائلهم الإصلاحية. وهنا يتصدى خصوم هذه الأوجه من النشاط لأصحابها فيزعمون بأن أعمالهم كلها ليست شيئاً آخر غير غسيل المخ.

وطبيعي أن غسيل المخ ليس هذا، ومعنى ذلك أنه إذا استخدم استخداماً مطلقاً يجعل المصطلح نقطة تجمع للخوف والإمتعاض، ولتوجيه التهم جزافاً دون تقدير لأي مسئولية،وبذلك يمثل غسيل الدماغ أحد تطورات الفكر العالمي، إذ  تواتر ذكر هذا الموضوع في النصف الثاني من القرن العشرين ونشرت حوله العديد من الدراسات والمؤلفات, ويعد من الأحداث الفكرية والاجتماعية والنفسية الخطيرة التي تهم الإنسان المعاصر.

ويعد المفكرون موضوع غسيل الدماغ وتحوير الاتجاهات احد مواضيع الساعة, ذلك أن معركة الاستحواذ على الدماغ تدور في كل ميادين الحياة بصورة عامة سياسياً أو ثقافياً أو اجتماعياً، على مستوى الرأي العام أو على المستوى الفردي.

وان كان مصطلح غسيل الدماغ قد برز لأول مرة في بداية النصف الثاني من القرن العشرين إلا انه أصبح الآن مصطلحا عاما شاملاً وبات يستخدم في مختلف ميادين الحياة وأنشطتها من سياسة، وحروب عسكرية ونفسية، وإعلام مرئي أو مقروء، وفي الفن والدعاية والتجارة والإعلان، وفي التربية والثقافة والاجتماع.ويذكر الباحثون في هذا المجال أن اصطلاح (غسل الدماغ)ظهر لأول مرة في العقد الأول من النصف الثاني للقرن العشرين للتدليل على كل محاولة للسيطرة على العقل البشري وتوجيهه إلى غايات مرسومة بعد تجريده من ذخيرته المعلوماتية السابقة وأفكاره ومبادئه.

وفي كتابه الإعلام والرأي يرى الدكتور ( علي عواد ) إن غسل المخ هي محاولة لتغيير اتجاه الفكر الإنساني أو السلوك الإنساني ضد الإرادة الحرة للفرد وبمضمون مغاير لتفكيره الحر . وتستند هذه المحاولة إلى نظرية ( بافلوف ) القائلة انه بتغيير بيئة الفرد يمكن تغييره . انه محاولة قتل العقل السابق الفردي ، بل والجماعي أحيانا ، بالخضوع اللاإرادي لهيمنة نظام لا تفكيري وسلوكية آلية .

وبتعبير آخر ، غسل الدماغ هو عملية تطويع للمخ وإعادة بناء بنيته التفكيرية ومن ثم تغيير الاتجاهات النفسية ، انه محاولة توجيه الفكر الإنساني أو العمل الإنساني ضد رغبة الفرد وما يتفق مع تفكيره ومعتقداته وقيمه ،وهو باختصار إعادة تعليم الفرد ودفعه إلى الكفر بإيمانه وعقيدته والتصرف في مسار نقيضهما .

إن برنامج غسيل المخ ليس بالجديد تماماً، فلقد عرفت كل أمة وفي كل مرحلة من مراحل تاريخها نوعاً من فرض المذاهب والعقائد على مواطنيها، فهي عرفت عمليات الاستنطاق وعرفت الاستقصاء كما مرت بها عمليات التحويل الجماعي.

إن أسلوب استخلاص الاعترافات كان معروفاً في التحقيقات البابوية التي جرت في القرن الثالث عشر الميلادي، ثم فيما بعد وبخاصة داخل مجالات تحقيق البوليس”السري الروسي أيام القيصرية، وفي وسائل تنظيم سجون الإصلاح، ومستشفيات الأمراض العقلية وغيرها من المؤسسات التي أقيمت لإحداث التغييرات العقائدية عند الأفراد، كما استخدمت أساليبها في الطوائف الدينية المختلفة، وفي جماعات الصفوة السياسية، وفي المجتمعات البدائية عند تكريس الأعضاء الجدد. ولكن الشيوعيين جاءوا بمنهجهم في ضوء أكثر شمولاً وتنظيماً، كما أنهم استخدموا فيه مجموعة من الأساليب الفنية السيكلوجية المترابطة.

ومهما كان الوضع الذي طبق فيه توجيه الفكر الشيوعي فإنه يتكون من عنصريين أساسيين:

-الاعتراف: وذلك بالكشف والتصريح عن كل شر ارتكب في الماضي والحاضر.

-إعادة التعليم والتثقيف: أو بمعنى أدق إعادة تشكيل الفرد في الطابع الشيوعي الصحيح. هذان العنصران يترابطان بل يتداخلان معاً، إذ إن كلا منهما يبرز على المسرح سلسلة من الضغوط والعوامل الثقافية والعاطفية والبدنية التي تهدف كلها إلى السيطرة الاجتماعية، وإلى تغيير الفرد.

ومن كل ما تقدم يلخص الباحثان سامي محسن واحمد عبد اللطيف غسيل المخ بأنه عملية تطويع المخ أو إعادة تشكيل التفكير وتغيير الاتجاهات النفسية بحيث يتم هذا التغيير بطريقة التفجير ،وهو محاولة توجيه الفكر الإنساني أو العمل الإنساني ضد رغبة الفرد أو ضد إرادته أو ضد ما يتفق مع أفكاره ومعتقداته وقيمه ،فهي عملية إعادة تعليم وعملية تحويل الإيمان أو العقيدة إلى كفر بها ثم إلى الإيمان بنقيضها .

ان توغل القوى النفسية البيئية في الانفعالات الداخلية للفرد هي من أهم الحقائق المهمة في عملية غسل المخ وتطويعه وإعادة تشكيل التفكير إذ استغل المشتغلون في الحرب النفسية دراستهم لعلم وظائف الأعضاء والجهاز العصبي والعلاقة بين علم وظائف الأعضاء وسيطرتها على المخ .

نشأة المصطلح الاتصالي (غسل الدماغ )

تشير إحدى الدراسات أن أول من ابتكر اصطلاح غسيل الدماغ هو صحفي أمريكي يدعى إدوارد هنتر الذي ألف كتابا عن هذا الموضوع على أثر الحرب الكورية, فقد انتهت الحرب بعد الهدنة ورجع الأسرى الأمريكيون إلى أوطانهم، ولكنهم رجعوا يفكرون باتجاه آخر، مؤمنين بمبادئ أعدائهم متحمسين لهم ومبدين إعجابهم وامتنانهم من معاملة الكوريين لهم, وكانت تلك الظاهرة هي الأولى من نوعها في تاريخ الحروب البشرية، مما روع وزارة الدفاع الأمريكية، وأصبح هذا الموضوع مثار اهتمام ودراسة وتنقيب شديد من قبل المسؤولين الأمريكيين وأجهزة الإعلام.

وكان أن خرج الصحفي الأمريكي هنتر باصطلاح غسل المخ كوصف لهذه الظاهرة الفريدة, وقد اشتق هنتر اصطلاحه هذا من الاصطلاح الصيني ( Hsi – nao) الذي يعني تنظيف المخ، وذلك بعد أن حصل هنتر على معلوماته من مخبرين صينيين على اثر انتهاء الحرب الكورية.واقترن اصطلاح غسل الدماغ بالأساليب الكورية الصينية لتحوير أفكار الآخرين وتغيير اتجاهاتهم.

أما الصينيون أنفسهم فقد كانوا يطلقون مصطلح تقويم أو إعادة بناء الأفكار Thought Reconstruction على محاولاتهم تلك واعتبروها برنامجاً تثقيفياً عاماً.وما لبث موضوع غسل الدماغ أن أصبح موضع اهتمام ودراسة وبحث من العلماء في كافة المجالات من الخبراء العسكريين والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع وخبراء علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) وعلماء الفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء).

وأصبح هذا الاصطلاح عاماً وشاملاً يشير إلى كل وسيلة تقنية مخططة ترمي إلى تحويل الفكر والسلوك البشري ضد إرادته وسابق تفكيره ومعلوماته, وغدا في يومنا هذا يحمل معاني أعم وأشمل وأكثر وضوحاً مثل التحوير الفكري أو المذهبة أو الإقناع الخفي Hidden Persuasion.

وان كانت المعارك وما تشمله من الحروب النفسية والتحقيقات العسكرية وأساليب التعامل مع الأسرى وانتزاع الاعترافات بالطرق النفسية والفسيولوجية والاستعمار العسكري، ما هي إلا تطبيقات عسكرية لظاهرة المعركة العقلية وعمليات غسل الدماغ إلا انه مما لا شك فيه ان التحوير الفكري ليس ظاهرة سياسية وتطبيقاً عسكرياً فقط، بل لها ظواهر وتطبيقات أخرى في شتى مجالات الحياة.

وقد اقترن اسم البروفيسور إيفان بتروفيتش بافلوف، أستاذ علم وظائف الأعضاء الروسي بعملية غسيل المخ، نتيجة تجاربه المتقدمة على غرائز الحيوانات وسلوكها، وقد ركز بافلوف في أبحاثه عن “نظام الإشارات” وهو ما يقصد به الحس الغريزي الموجه الذي يصل مباشرة بين الحواس، وبين العقل.

وانتهت المرحلة الحاسمة من أبحاثه بتجارب على الحيوان والإنسان لإثبات نظريته “الفعل الشرطي المنعكس” (بالإنجليزية: Conditional Reflex) وتعني القيام بسلوك معين نتيجة لمؤثرات خارجية، مثل سيل اللعاب عند رؤية الطعام، أو عند حدوث أي أثر مقترن بالطعام. كما توصل بافلوف إلى أنه بتغيير بيئة الإنسان يمكن تغيير طبيعته الذاتية، والواقع أن أبحاث بافلوف كانت هي المشاعل التي أنارت الطريق أمام الشيوعيين للتوسع في عملية “غسيل المخ”.

ويستخدم الدكتور ميرلو،العالم الهولندي، كلمة “Menticide” للتعبير عن عملية غسيل المخ، وهذه الكلمة معناها؛ قتل العقل، ذلك لأن العملية توجد خضوعاً لا إرادياً، وتجعل الناس تحت سلطان نظام لا تفكيري وتكون في غمرة رق آلي لا حيلة لهم ولا قدرة.

وتشير إحدى الدراسات أن استخدام هذا المفهوم بدأ منذ عام 1951 والذي اخذ من عملية تنظيف الدماغ والتي استخدمها الصينيون لتخليص الأفراد من معتقداتهم القديمة ليتمكنوا من التعايش بسلام في ظل النظام الشيوعي ، ثم أصبح اصطلاح فيما بعد يستخدم ليدل على المحاولات المختلفة التي تبذل لتغيير آراء السجناء وتطلعاتهم سواء كان من أسرى الحرب أو المدنيين.

ويجب أن نميز بين أسلوب غسيل الدماغ وباقي أساليب الحرب النفسية مثل الدعاية والإشاعات ومحاولات الإقناع… مما يؤدي إلى تعديل أو تغيير أفكار الفرد أو معتقداته أو سلوكياته إذ إن أسلوب غسيل المخ هو أسلوب فردي توجه فيه الجهود إلى فرد واحد محدد، بينما الأساليب الأخرى في الحرب النفسية غالبا ما توجه إلى الجماعة، ويعد غسيل المخ من العمليات القسرية أو الإجبارية لإكراه الأفراد من أجل تعديل أفكارهم أو معتقداتهم والتحول عنها.

وتهدف عميلة غسيل المخ إلى تحويل الفرد الأسير عن أفكاره واتجاهاته الوطنية وقيمه وأنماط سلوكياته أو كبت معتقداته أو الاتجاهات التي كان يتبناها مع الإيمان أو الاعتقاد بالنقيض وغير ذلك وعميلة غسيل المخ تنفذ على مراحل:

1 .  مرحلة التذويب والتي تهدف إلى وضع الفرد في وضع يشك معه في القيم التي يحملها من السابق لدرجة يميل إلى تغييرها أو حتى إلى اعتناق قيم بديلة لها وقد أظهرها العدو سابقا عندما كان يربط بين إطلاق سراح بعض السجناء والتوقيع على وثيقة نبذ ما يسمى الإرهاب من وجهة نظرهم ، حيث تفاوتت أيضا ردود السجناء تجاهها ورفضها البعض من سنين ولا زالوا في الأسر.

2 . مرحلة التغيير إعادة تعليم الفرد الأسير المعتقدات والأفكار التي يراد أن يكون عليها وتعتمد هذه العملية على بعض الأسس النفسية الهامة وهي: العمل على إنهاك الفرد الأسير فكريا ونفسيا، وجسديا لدرجة التعب والإعياء وضعف القدرات الفكرية، والقدرة على الانتباه والتركيز ويصبح الفرد في هذه المرحلة في حالة تشتت وضياع وتتضح هذه الملامح من خلال المداهمات الليلية أثناء النوم أو السجن الانفرادي ،… الخ .

وعدم القدرة على التكيف أو إعادة التوازن العقلي والنفسي بسبب المعاناة وعميلة العزل الطويلة ، والتعذيب أحيانا مما يجعل الفرد يائسا، مستسلما يسهل تطويعه والسيطرة عليه،والإيحاء النفسي والتأثير بالجوانب النفسية والعقلية والسلوكية لدى الفرد وتشكيل سلوكه بالشكل المطلوب.

وفي عميلة غسيل الدماغ تتحرك الإيحاءات في اتجاه واحد مركز حيث يتعرض الفرد أو الأسير لضغط جسدي ونفسي كبيرين، مع الإيحاء للأسير على تكوين اعترافاته وخاصة بعد أن يضعف لديه القدرة على التمييز العقلي بين أفعاله وأفكاره، وبين ما يوحي إليه عن طريق مستجوبيه،وتنمية الإحساس بالذنب لدى الأسير (أو السجين) بحيث يطلب من الأسير مراجعة تاريخ حياته السابقة وتبرير أفعاله السياسية والشخصية والأخطاء التي قام بها مما يثير لديه الإحساس بالذنب والخطأ وبالتالي كراهية الذات، والإحساس بالدونية و الضعف، وعدم الثقة بالنفس مما يجعله يتقبل آراء الآخرين وأفكارهم ويخدم مصالحهم ،وتدمير الذات إذ إن عملية الإذلال، والتحقير، والتعذيب تؤدي بالفرد إلى احتقار ذاته، والتقليل من نظرته لذاته وهذه العملية تكون مؤثرة كلما كان الفرد ذو أهمية وسلطة ونفوذ  وهو يقارن بين ضعفه وعجزه وبين قوة أو سيطرة مستجوبيه، وهذه كلها تضعف من قدرة الفرد العقلية و النفسية على مقاومة عملية غسيل الدماغ.

ولقد أورد الكاتب إدوارد هنتر رواية رجل أمريكي تعرض للأسر لدى الشيوعيين، فقال ما يلي : “إن لعبة القط والفأر التي يلعبها الشيوعيون بعقل رجل ما وصفت بدقة بواسطة الكابتن (زاك دين) وهو من القوات الجوية الأمريكية، وكان قبل ذلك يعمل مهندسا للبترول في ولاية أوكلاهوما وعندما سألته عما حدث قال :

أن الشيوعيون يضغطون عليك حتى نقطة الموت ثم ينقذونك ثم يعاودون الضغط عليك حتى ترى باب الموت، وعندما تكون على وشك دخوله فأنهم يشدوك بعيدا، ربما لا يصدق ما سأقصه عليك، ولكن بعد أن يكرروا ذلك الأسلوب عدة مرات فأنك تشعر بالعرفان لهم لإنقاذهم حياتك، وتنسى أنهم كانوا هم الأفراد الذين كانوا على وشك أن يقتلوك، وكل ما تحسه أنهم هو الذين أنقذوك وتكون مستعدا أن تفعل كل شيء يريدونه”.

* حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الدكتور العميد سعد معن