المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم: الباحثة شهلاء الهاشمي، عضوة منتدى خبراء الأمن منتدى خبراء الأمن ـ ECCI
“حزب الله” العراقي: هل تعكس توسعة المخازن استعداداً لمرحلة تصعيد جديدة؟
لم يعد ملف سلاح الفصائل المسلحة في العراق مجرد قضية سياسية قابلة للتأجيل، بل يتحول تدريجياً إلى اختبار مباشر لقدرة الدولة على تحديد من يمتلك القوة ومن يملك قرار استخدامها. وفي هذا السياق، جاء إعلان الأمين العام لكتائب حزب الله العراقية، أبو حسين الحميداوي، رفض تسليم أسلحة ما وصفها بـ”جبهة المقاومة” إلى الحكومة العراقية، ليعيد فتح واحدة من أكثر القضايا حساسية في مستقبل الأمن الوطني العراقي.
الأكثر أهمية في التصريح لم يكن الرفض وحده، وإنما الحديث عن التوجه نحو توسيع مخازن الأسلحة والذخائر وتطويرها، بالتزامن مع الدعوة إلى تعزيز الإجراءات الأمنية والحفاظ على السرية العسكرية. وهذا يعني، من منظور استراتيجي، أن الفصيل لا يتعامل مع المرحلة باعتبارها مرحلة تراجع أو تسوية، بل باعتبارها مرحلة إعادة تموضع في مواجهة بيئة أمنية أكثر ضغطاً.
يمكن قراءة موقف كتائب حزب الله باعتباره رسالة متعددة الاتجاهات. داخلياً، يشير إلى أن الفصيل لا يعتبر الضغوط المطالبة بحصر السلاح بيد الدولة كافية لتغيير موقفه. وخارجياً، يبعث برسالة إلى الولايات المتحدة وحلفائها بأن الضربات العسكرية لن تؤدي بالضرورة إلى إنهاء قدراته أو دفعه إلى التخلي عن سلاحه.
أما على المستوى السياسي، فإن الموقف يعكس صعوبة الوصول إلى توافق عراقي حول مستقبل الفصائل المسلحة. فالحكومة مطالبة بتأكيد سيادة الدولة ووحدة القرار الأمني، بينما تتمسك الفصائل بمفهوم مختلف للأمن يقوم على الاحتفاظ بقدرات مستقلة تحت عنوان “المقاومة”. وهنا تتجاوز القضية سؤال: “هل تسلم الفصائل أسلحتها؟” إلى سؤال أكثر خطورة: من يمتلك القرار النهائي بشأن استخدام القوة داخل العراق؟
تطرح قضية حصر السلاح بيد الدولة معضلة جوهرية تتعلق بطبيعة النظام الأمني العراقي. فوجود مؤسسات عسكرية وأمنية رسمية إلى جانب جماعات تمتلك قدرات مسلحة مستقلة يخلق ما يمكن وصفه بـ”تعدد مراكز القوة”. المشكلة ليست فقط في كمية السلاح التي تمتلكها هذه الجماعات، وإنما في استقلالية قرار استخدامها. فكلما امتلكت جهة غير حكومية قدرة على اتخاذ قرار عسكري مستقل، أصبح احتكار الدولة للقوة أكثر تعقيداً. ومن هنا، فإن ملف السلاح يرتبط مباشرة بمفهوم السيادة. فإذا كانت الدولة لا تستطيع وحدها تحديد متى تبدأ المواجهة ومتى تتوقف، فإن قدرتها على إدارة السياسة الأمنية الخارجية والداخلية تصبح محدودة.
جاءت تصريحات الحميداوي عقب استهداف مقرات تابعة لفصائل مسلحة في 29 يوليو 2026، والتي أشارت المعطيات الأولية المتداولة إلى أنها أسفرت عن مقتل 20 عنصراً وإصابة 32 آخرين. وقد أدت هذه الضربات إلى تصعيد الخطاب السياسي والإعلامي للفصائل، خصوصاً مع توجيه اتهامات إلى الولايات المتحدة والسعودية بالوقوف وراء الهجمات داخل الأراضي العراقية. ومن منظور استراتيجي، يمكن أن تؤدي الضربات إلى نتائج متناقضة. فمن جهة، قد تؤدي إلى إضعاف بعض القدرات الميدانية. ومن جهة أخرى، قد تدفع الجماعات المسلحة إلى زيادة إجراءات الحماية والسرية وإعادة توزيع قدراتها، وتعزيز استعدادها لمواجهة ضربات إضافية. وهذا يخلق معضلة للجهات التي تسعى إلى تقليص نفوذ الفصائل: الضغط العسكري قد يضعف القدرة، لكنه قد يؤدي أيضاً إلى زيادة دوافع التحصين والمواجهة.
من أبرز عناصر البيان الإشارة إلى أن المواجهة أصبحت مزيجاً من الحرب العسكرية والإعلامية. هذه النقطة مهمة لأنها تكشف عن تحول الصراع من ساحة العمليات إلى ساحة المعلومات. في البيئة العراقية الحالية، لا تكفي الضربة العسكرية وحدها لتحقيق التأثير السياسي المطلوب. فالطرف الذي ينجح في تفسير الضربة للرأي العام قد يحقق مكاسب تتجاوز النتائج الميدانية. ولهذا أصبحت وسائل الإعلام والمنصات الرقمية جزءاً من الصراع الأمني. وتسعى الأطراف المتنافسة إلى تحديد من هو المعتدي ومن هو المدافع، ومن يمتلك الشرعية ومن يمثل التهديد. و يزداد دور الاستخبارات مفتوحة المصدر في تحليل هذه البيئة، من خلال متابعة الخطاب العام، ورصد التحولات في المواقف السياسية، وتحليل الحملات الرقمية، ومقارنة البيانات الرسمية مع التطورات الميدانية.
العراق في قلب التنافس الأمريكي– الإيراني
لا يمكن فهم موقف كتائب حزب الله بعيداً عن التنافس الإقليمي الأوسع. فالفصائل المسلحة المرتبطة بمحور إيران تنظر إلى العراق باعتباره جزءاً من منظومة ردع إقليمية، بينما تنظر الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى بعض هذه الجماعات باعتبارها مصدراً لتهديد القوات والمصالح الأمريكية والإقليمية. وبالتالي، فإن ملف السلاح العراقي لا يمثل مشكلة داخلية فقط. فأي تصعيد بين واشنطن وطهران يمكن أن ينعكس مباشرة على نشاط الجماعات المسلحة داخل العراق، وأي ضربة للفصائل يمكن أن تتحول إلى عنصر جديد في التوتر الإقليمي.وهنا تكمن المعضلة العراقية الكبرى: كلما تصاعد التنافس الإقليمي، ازدادت صعوبة فصل الأمن العراقي عن الصراع الإقليمي.
قد تحاول الحكومة العراقية إدارة الأزمة من خلال الحوار والتفاهمات السياسية، بهدف منع تحول ملف السلاح إلى مواجهة داخلية. ويظل هذا الأحتمال الأقل تكلفة على الاستقرار الداخلي، لكنه يتطلب تنازلات متبادلة وإطاراً واضحاً لتنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل. وقد تستمر الضربات والضغوط المتبادلة دون الوصول إلى مواجهة شاملة. وفي هذه الحالة قد تدخل الفصائل مرحلة أكثر اعتماداً على السرية وإعادة التموضع، بينما تستمر الحكومة في محاولة منع توسع الصراع داخل المدن والمؤسسات. قد تتجه بغداد، تحت ضغط داخلي ودولي، نحو إعادة تنظيم العلاقة القانونية والأمنية مع الجماعات المسلحة. وسيكون هذا التحدي الأكثر صعوبة، لأنه سيصطدم مباشرة بمصالح القوى التي ترى أن السلاح جزء أساسي من نفوذها السياسي والأمني.
يمثل موقف كتائب حزب الله مؤشراً مهماً على أن معركة السلاح في العراق تدخل مرحلة أكثر حساسية. فرفض تسليم السلاح، بالتزامن مع الحديث عن تعزيز القدرات العسكرية، يعني أن الفصائل لا تتعامل مع الضغوط الحالية باعتبارها ظرفاً مؤقتاً، بل تستعد لاحتمال استمرارها. وبالنسبة للحكومة العراقية، فإن التحدي لا يكمن فقط في إقناع الفصائل بتسليم السلاح، بل في بناء منظومة أمنية تجعل الدولة الطرف الوحيد القادر على اتخاذ القرار العسكري الاستراتيجي. أما بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن استمرار الضغوط العسكرية قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يحمل في الوقت نفسه خطر دفع الفصائل إلى مزيد من التحصين وإعادة التنظيم.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل تمتلك الفصائل السلاح؟ بل أصبح: من يملك قرار استخدام القوة عندما تتعارض حسابات الفصيل مع حسابات الدولة؟
هذه هي المعركة الأعمق التي ستحدد مستقبل الأمن العراقي. فإذا نجحت بغداد في بناء توافق يضع جميع أدوات القوة ضمن إطار الدولة، فقد تتحول أزمة السلاح إلى فرصة لإعادة بناء مفهوم السيادة. أما إذا استمرت ازدواجية القوة، فقد يبقى العراق عالقاً بين دولة تمتلك الشرعية القانونية وقوى مسلحة تمتلك القدرة على فرض وقائع ميدانية. وهنا تحديداً يكمن الاختبار الأكبر لمستقبل الدولة العراقية: هل تستطيع بغداد أن تكون صاحبة القرار الأمني الوحيد، أم أن تعدد مراكز القوة سيصبح قاعدة دائمة في النظام السياسي والأمني؟
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=122342
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

