محاربة التطرف في ألمانيا ـ جدلية التكامل والاندماج الأجتماعي . بقلم داليا عريان

سبتمبر 3, 2022 | الاتحاد الأوروبي, الجهاديون, تقارير, دراسات, دراسات مشفرة, محاربة التطرف, مكافحة الإرهاب

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...
يمكنك الاشتراك بالدراسات والملفات المشفرة مقابل اشتراك شهري قدره 30 يورو
بارسالك رسالة عبر البريد الإلكتروني. info@europarabct.com

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ المانيا  و هولندا

إعداد : داليا عريان ـ  باحثة في المركز الأوروبي  Dalia Essa Erian Twitter

محاربة التطرف في ألمانيا ـ جدلية التكامل والاندماج الأجتماعي

مع تزايد مخاطر تيار الإسلام السياسي في ألمانيا، تصبح قضية دمج المسلمين في المجتمع الألماني من أولويات عمل الحكومة ومنظمات المجتمع المدني لسد أي ثغرات في العلاقات بين الجالية المسلمة وباقي فئات المجتمع الألماني، وصد محاولات جماعة الإخوان المسلمين لاستقطاب فئات الشباب نحو التطرف باستغلال ممارسات جماعات اليمين المتطرف العنصرية ضد المسلمين واتهام الحكومة بالتقصير في الرد على هذه الوقائع الفردية. وتحرص ألمانيا على الربط بين عمل المؤسسات المعنية بعملية دمج المسلمين في المجتمع ودور المراكز الإسلامية المنوطة بمتابعة شؤون الجالية المسلمة، بهدف تحقيق اندماج أكثر للمسلمين في المشاركة المجتمعية والحياة السياسية.

 مؤسسات ألمانية معنية بالاندماج والتكامل الاجتماعي

يقع على عاتق المؤسسات الألمانية المعنية بالاندماج والتكامل الاجتماعي دور كبير في احتواء الجالية المسلمة في ألمانيا، وفي مقدمة هذه المؤسسات وزارة الداخلية التي ينقسم دورها بين إقامة الفعاليات الخاصة بدمج المسلمين والتواصل المستمر مع المراكز الإسلامية المتابعة لأحوال الجالية المسلمة في ألمانيا، علاوة على القيام بمهام الرقابة على عمل المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين.

وأطلقت ألمانيا منذ عام 2006 مبادرة ” مؤتمر الإسلام في ألمانيا” برعاية وزارة الداخلية، ويعد المؤتمر حلقة نقاشية مستمرة حول التعاون بين مؤسسات الدولة والمسلمين في البحث عن مخرج لقضايا الدمج ومشاركة الجالية المسلمة في المجتمع، ونجح المؤتمر في طرح أمور مشاركة المسلمين في السياسة ودرجة تأثيرهم من حيث مشاركة النخبة والناخبين في الانتخابات إضافة إلى طرح القضايا الجدلية المتعلقة بتدريس التربية الإسلامية في المدارس وتشييد المساجد ورفع الأذان بمكبرات الصوت بالمدن الألمانية.

ويعد المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين ” بامف” التابع لوزارة الداخلية واحد من أهم المؤسسات المسؤولة عن عملية دمج المسلمين في المجتمع عبر إعداد الإحصائيات والدراسات المتخصصة عن أعداد الجالية وأحوالهم وخطوات الدمج، وتنفيذ سياسة دمج المسلمين بتقديم دورات الاندماج وتعلم اللغة الألمانية وتوفير المراكز الاستشارية للرد على استفسارات الجالية فيما يخص صعوبات الاندماج بالمجتمع ونظام التعليم وطبيعة فرص العمل المتاحة، لا سيما مع توسيع الحكومة الألمانية نطاق التدريب اللغوي وربطه مع الخطوات التي تتخذها وكالة التوظيف الفيدرالية.

كما يمثل المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا نقطة تواصل بين المؤسسات والجالية المسلمة، ما يجعل دوره الرئيسي يرتكز على تقريب وجهات النظر بين المسلمين والمجتمع الألماني فيما يتعلق بقضايا ممارسة الشعائر الدينية وبناء المساجد، وتعتمد عليه وسائل الإعلام في معرفة توجهات المسلمين في الحياة العامة والمشاركة السياسية نظرا لأنه يعد صوت الجالية المسلمة في ألمانيا بتقديمه التكامل الاجتماعي، إضافة إلى أنه المركز الإسلامي الأكثر تواصلا مع الإعلام بحضور الفعاليات وعلاقاته الوطيدة مع وزارة الداخلية. وتعول المؤسسات الحكومية على المجلس في اتخاذ خطوات جادة في دمج المسلمين بالمجتمع وفتح آفاق جديدة لمشاركتهم في الانتخابات وطرح الصعوبات التي تواجههم في الانخراط في الحياة العامة.

ما هي قدرة المسلمين على الاندماج في المجتمع؟

رغم تزايد أعداد المسلمين في ألمانيا خلال السنوات الماضية، إلا أن محاولات اندماجهم وتأهيلهم في المجتمع تبدو أنها متفاوتة بناء على عدة عوامل من بينها المستويين الاجتماعي والتعليمي وطبيعة العمل وفترة الإقامة، وتختلف هذه العوامل ومن ثم درجة التجاوب مع سياسات الدمج في المجتمع بين المسلمين الذين ولدوا في ألمانيا والمسلمين من أصول مهاجرة.

كان تقدير مهارات اكتساب اللغة الألمانية والمستويين التعليمي والمهني لدى المسلمين المولدين في ألمانيا بنسب عالية جداً،  وصلت إلى (65%)  من المسلمين الذين شملتهم الأبحاث لديهم علاقات قوية مع الأصدقاء، إضافة إلى أن المسلمين مواليد ألمانيا لا ينتمون بأي شكل للمراكز الإسلامية ولا البلاد التي قدمت منها عائلاتهم.

وأن مشاكل اندماج المسلمين في ألمانيا لا ترتبط بالدين، خاصة وأن (15.8%) من المسلمين من أصول مهاجرة لم يكملوا تعليمهم ونحو (74.6%) من المسلمين المهاجرين لا يمتلكون مهارات للعمل نظرا لأن ظروف الهجرة دفعتهم لعدم استكمال دراستهم، وبالمقارنة كانت نسبة (21.8%) من المسلمين الذين ولدوا في ألمانيا لا يمتلكون مهارات للعمل، ووصل عدد الرجال المسلمين من أصول مهاجرة ويعملون إلى  (61%) بينما بلغت نسبة المسلمات المهاجرات وتعملن (41%).

وتبدو أن محاولات المؤسسات الألمانية في تحقيق سياسات الدمج من خلال إقرار برلمان بافاريا مشروع تدريس مادة التربية الإسلامية واعتماد بعض المدن مشروعا أمنيا خاصا بحماية المساجد لم تؤتِ بثمارها، فالتطور في هذه القضية بطيء في ألمانيا مقارنة ببعض الدول الأوروبية، لتباين المجتمعات والمستويات الثقافية التي قدم منها المسلمون من أصول مهاجرة وتنوعت بين (23) دولة مسلمة ما يجعل عملية التوعية بضرورة التمثيل في الحياة العامة والسياسية صعبة للغاية، واقتصار دور بعض المؤسسات المعنية بشؤون الجالية المسلمة على الأمور الدينية فقط دون التطرق إلى أهمية الانخراط في المجتمع والسياسة.

ورغم عدم تحقيق سياسات الاندماج الهدف المرجو منها السنوات الماضية، لكن تعد الانتخابات البرلمانية الأخيرة مؤشرا لبعض التغييرات المتعلقة بنسب مشاركة الجالية المسلمة في الحياة السياسية، خاصة وأن (81%) من المسلمين الألمان يرون أن الديمقراطية الحل الأمثل للحكم ما يعني اختلاف رؤية المسلمين نحو النظام السياسي وأهمية المشاركة في المؤسسات الديمقراطية. وارتفعت نسبة المسلمين المرشحين في قوائم الأحزاب السياسية في انتخابات سبتمبر 2021 مقارنة بالاستحقاقات الانتخابية السابقة، وحملت أيضا الانتخابات الأخيرة مؤشراً جديداً بشأن انتماءات المرشحين المسلمين الحزبية، وتنوعت ما بين أحزاب اليسار والخضر والاشتراكي الديمقراطي المهتمين بقضايا المهاجرين وحزبي الليبرالي الحر والمسيحي الديمقراطي. 

“الإسلاموفوبيا” وعنصرية اليمين المتطرف ضد المسلمين

في ظل تنامي وجود تيار الإسلام السياسي تصاعدت أصوات جماعات اليمين المتطرف، ما يثير المخاوف من ارتفاع العنصرية ضد المسلمين وانتشار ظاهرة الإسلاموفوبيا في المجتمع الألماني. وفي 23 يونيو 2021 أبرزت الاستخبارات الألمانية لأول مرة خطورة اليمين المتطرف ووسائله الخفية، فهو تيار يغذي ثقافة يمينية متطرفة تهدد الدستور الألماني بانتهاك مبادئ الكرامة الإنسانية وسيادة القانون، ويقدم نفسه كحركة وطنية محافظة تنتمي للطبقة الوسطى ويروج لمواقف راديكالية عنصرية معادية لليبرالية والديمقراطية.

وتتبنى جماعات اليمين المتطرف نظرية المؤامرة للتحريض ضد المسلمين بزعمهم وجود خطط لإحلال المهاجرين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بدلا من العرق الأبيض. وقبل هذا التقرير السنوي بنحو شهرين، وجه الادعاء العام الألماني في 13 أبريل 2022، تهما لإحدى الجماعات اليمينية المتطرفة بمعاداة الأجانب وصل إلى حد التخطيط لحيازة أسلحة والهجوم على مساجد.

وكشفت دراسة ألمانية حديثة أن هناك 90% من الألمان يؤكدون على وجود عنصرية وحالات تمييز في أماكن الإقامة والعمل، وأن هناك نحو 45% واجهوا حوادث عنصرية لمرة واحدة، بينما تعرض 58% من المشاركين بالدراسة لحوادث عنصرية لمرة واحدة على الأقل، وكان الشباب الفئة الأكثر عرضة لهذه المواقف بنسبة 73% مقابل 24% من كبار السن.

وأشارت الدراسة المنشورة في 5 مايو 2022 إلى أن ثلث المشاركين يرون أن “ضحايا العنصرية” لديهم قلق مفرط تجاه بعض المواقف وتفسير خطأ للمصطلحات المقصود بها مجاملة كممارسات عنصرية، مع إبداء 70% من المشاركين الرغبة في مكافحة العنصرية، ما يعني أن إصدار القوانين لمكافحة الإسلاموفوبيا وتعزيز الحريات الدينية ستجد مساندة كبيرة من قبل المجتمع الألماني، الأمر الذي يدفع المؤسسات المتخصصة لرصد دائم لقياس العنصرية ومعرفة أسبابها ودرجة تمددها بالمجتمع.

 واقع المسلمين والإسلام السياسي في ألمانيا

يعيش أغلب المسلمين الألمان خارج الهياكل التقليدية المسؤولة عن متابعة أحوالهم الأمر الذي يجعلهم أكثر ليبرالية في طبيعة نمط الحياة لابتعادهم عن المراكز الإسلامية والجمعيات ذات الصلة بتيار الإسلام السياسي من ناحية، وأقل تأثيرا في الحياة العامة والسياسية لغياب أطر الاندماج في المجتمع من ناحية أخرى. ويصبح الرهان على الشباب في عملية دمج المسلمين في المجتمع، لارتفاع نسبة الوعي لديهم بأهمية المشاركة السياسية وضرورة إحداث التغيير في ملفات الهجرة والمشاركة في سوق العمل والاندماج والهوية ومكافحة التطرف والعنصرية إضافة إلى القضايا البيئية والاقتصادية، ونتج هذا التطور الملحوظ في النقاشات عبر مواقع التواصل الاجتماعي وداخل مؤسسات المجتمع المدني لسببين، السبب الأول ظهور خطاب عنصري ضد المهاجرين من أصول مسلمة من قبل جماعات اليمين المتطرف، والسبب الثاني اختراق الإسلام السياسي لعمل المراكز الإسلامية ونشر خطابه المتطرف.

وفي المقابل يتمدد نفوذ الإسلام السياسي في ألمانيا عبر الجمعيات المتطرفة التي تروج لخطاب متشدد يتناقض مع قيم المجتمع الألماني ومفاهيم الاندماج التي تسعى المؤسسات الألمانية لتحقيقها بين الجالية المسلمة ومؤسسات الدولة. وتكمن خطورة تيار الإسلام السياسي في تمويل المساجد والمراكز الدينية والتدخل في اختيار أئمة المساجد ما يعني تغلغل الخطاب المتطرف بين المؤسسات الدينية ومن ثم بين أبناء الجالية المسلمة، إضافة إلى تحركات التيار عبر مواقع التواصل الاجتماعي وسعيه لتجنيد الشباب عبر تقديم ممارسات اليمين المتطرفة بأنها رفض مجتمعي لاندماج المسلمين به. وتستغل جماعات الإسلام السياسي ثغرة عدم اندماج المسلمين بالمجتمع الألماني، في التواصل مع أنصارها داخل وخارج ألمانيا لتوسيع شبكتها الدولية بتمويل واحد وخطاب متطرف موحد يخدم هدفها الرئيسي في فرض نفوذها على المؤسسات الألمانية تدريجيا كمرحلة أولى في خطتها لتغير النظام السياسي في ألمانيا، بينما ستعتمد في المرحلة الثانية من خطتها على علاقاتها بالتنظيمات المتطرفة للسيطرة على جميع شرائح المجتمع الألماني.

التقييم

تواجه ألمانيا في الوقت الراهن خطرين لا يقلان أهمية عن بعضهما البعض، الخطر الأول هو تصاعد نفوذ جماعة الإخوان المسلمين وسيطرتها على أكبر المراكز الإسلامية، والخطر الثاني يتمثل في انتشار جماعات اليمين المتطرف وممارساتها العنصرية ضد الأقليات وبالأخص الجالية المسلمة، ما يؤكد على أهمية مضي المؤسسات الألمانية قدما في سياسات الاندماج والتكامل الاجتماعي لاحتواء المسلمين داخل المجتمع ومواجهة الجماعات المتطرفة المهددة لأمن واستقرار المجتمع الألماني.

وتساعد عملية دمج المسلمين على حل المشاكل الاجتماعية الخاصة بالعمل والإقامة والتعليم والجنسية واللغة ما يجعلهم مؤهلين للمساهمة في الحياة السياسية والاستحقاقات بشكل أوسع ويزيد من شعورهم بالانتماء للمجتمع والدولة، وتدريجيا مع شمول سياسات الاندماج لشرائح وفئات أكثر داخل الجالية المسلمة تفشل محاولات جماعة الإخوان المسلمين لتجنيد الشباب وتغلق الأبواب أمام ممارسات اليمين المتطرف العنصرية.

وفي الوقت نفسه يسهم التوسع في سياسات الاندماج خضوع المراكز الإسلامية للرقابة بشكل أكبر ما يعني تقليص نفوذ جماعة الإخوان المسلمين بداخلها خاصة وأن هذه المراكز واحدة من المؤسسات المنوطة بعملية دمج المسلمين وإشراكهم في السياسة، وتفعيل دورها في هذه المهمة يجعلها على تواصل وتعاون مستمر مع مؤسسات الدولة ويحجم من علاقاتها مع جماعات الإخوان التي باتت تسيطر على أغلبها بالتمويل والأفكار.

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

رابط مختصر … https://www.europarabct.com/?p=83609

الهوامش

تحليل: هل تحمل الانتخابات تحولا في مشاركة مسلمي ألمانيا؟
https://bit.ly/3QppnZY

العنصرية في ألمانيا.. أشكالها وأسبابها وكيف يمكن مكافحتها؟
https://bit.ly/3QvgPRn

Muslims in Germany: Religion not a good gauge of integration
https://bit.ly/3QHMZt0

موقع المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين
https://bit.ly/3dMmjJa

ألمانيا.. جماعة متطرفة “خططت” لقتل مسلمين ومهاجمة مساجد
https://bit.ly/3QP8us3

“اليمين الجديد” في ألمانيا. أفكاره وأذرعه؟
https://bit.ly/3CuMG0m

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث؟

جاري التحميل ... جاري التحميل ...