خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
محاربة التطرف ـ هل تتمكن السياسات الألمانية من مكافحة التمييز والعنصرية؟
ما هي العنصرية بالضبط؟ وكيف يمكن للدولة أن تكافحها بأفضل الطرق؟ هذه الأسئلة أصبحت أكثر إلحاحًا في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة، بعدما تزايدت الحوادث ذات الدوافع العنصرية وتنامت الحاجة إلى وضع إطار شامل لمواجهتها. وبحلول عام 2027، من المقرر أن تكون هناك خطة وطنية جديدة جاهزة، تعيد صياغة التوجّه العام للسياسات الحكومية في هذا المجال، في وقت ما يزال المفهوم الحالي المعتمد يعود إلى عام 2017، أي قبل التغيرات الاجتماعية والسياسية العميقة التي شهدتها ألمانيا وأوروبا.
إعادة تنظيم الجهود لمكافحة العنصرية
تعتزم الحكومة الألمانية إعادة تنظيم جهودها لمكافحة العنصرية على أسس جديدة وأكثر حداثة. وقد بدأ بالفعل المسار المتفق عليه في اتفاق الائتلاف بين أحزاب الاتحاد المسيحي الديمقراطي والاتحاد المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي CDU/CSU/SPD، وذلك من خلال اجتماع افتتاحي شارك فيه ممثلو الوزارات المختلفة، وفق ما أعلن مكتب مفوضة الدولة للاندماج ومكافحة العنصرية ناتالي باوليك، التي تتولى قيادة هذا الملف. تقول باوليك في بيان رسمي: “نبدأ الآن العمل على الخطة الوطنية الجديدة لمكافحة العنصرية. سنجمع في هذه الخطة الإجراءات المتخذة ضد العنصرية ونطوّرها بطريقة أكثر استهدافًا وفاعلية”.
يشير اتفاق الائتلاف إلى أن الخطة الجديدة ستُبنى على تعريف علمي محدّث للعنصرية، مع هدف واضح يتمثل في مكافحة مختلف أشكالها، سواء أكانت فردية أم مؤسساتية. وقد سبقت هذه الخطوات محاولة لوضع تعريف عملي للعنصرية خلال فترة الائتلاف الحكومي السابق، حين قدّمت مفوضة الحكومة لمكافحة العنصرية آنذاك ووزيرة التنمية الحالية ريم العبالي رادوفان في مارس 2025 تعريفًا موجّهًا للإدارة العامة. وقد استغرق إعداد هذا التعريف نحو عام ونصف، شارك خلاله خبراء وخبيرات من مجالات متعددة بهدف صياغة مفهوم يساعد موظفي الدولة على فهم أوضح لآليات العنصرية وتجليّاتها اليومية في العمل الحكومي وفي التعامل مع المواطنين. وعلى الرغم من ذلك، تم التأكيد بأن التعريف غير ملزم قانونيًا، بل يمثل مرجعًا استشاريًا.
مراجعة المفاهيم المتعلقة بالعنصرية وتعريفها بدقة
جاء في هذا التعريف أن “العنصرية تقوم على تقسيم وتصنيف تاريخي للبشر استنادًا إلى سمات ظاهرية معينة، أو إلى ثقافة أو أصل أو انتماء عرقي أو قومي أو ديني، سواء كانت حقيقية أو مفترضة”. وتوضح الوثيقة أن هذا التقسيم ينتج عنه إسناد صفات إيجابية أو سلبية للمجموعات، مما يؤدي إلى تصوير بعضها على أنها أعلى أو أدنى درجة من غيرها. أما المجموعات المصنفة كـ”أدنى”، فتتعرّض للانتقاص والتحقير على أساس صور نمطية راسخة وأحكام مسبقة متوارثة تاريخيًا. ولأجل صياغة هذا التعريف، أنشأت العبالي رادوفان في يونيو 2023 لجنة تضم 12 خبيرًا وخبيرة في قضايا التمييز والعنصرية، عملت على مراجعة المفاهيم وتعريفها بدقة. أما الخطة الجديدة التي أعلنت عنها باوليك، فسيتم إعدادها بمشاركة أوسع، إذ ستضم العلماء والمجتمع المدني والولايات الألمانية، بهدف الوصول إلى إطار متكامل يترجم إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ. ومن المتوقع، وفق المعلومات المتاحة، أن تُعرض الخطة على مجلس الوزراء لاعتمادها رسميًا في عام 2027.
العنصرية لم تعد مشكلة هامشية
تشدد باوليك على أن “العنصرية لم تعد مشكلة هامشية”. وتستند في ذلك إلى بيانات رسمية تظهر أن جريمة بدافع عنصري تقع كل 75 دقيقة في ألمانيا، وهو رقم يثير القلق ويعكس تحديًا مجتمعيًا متزايدًا. وترى باوليك أن حماية المتضررين من العنصرية يجب أن تكون محورًا أساسيًا في الخطة الجديدة، إلى جانب تعزيز برامج الوقاية والتوعية وتطوير آليات للإبلاغ والدعم. ويُذكر أن الخطة الوطنية الحالية لمكافحة العنصرية، التي يعود تاريخها إلى عام 2017، تضمنت مجموعة من الأهداف، مثل تعزيز التنوع في بيئة العمل والتعليم والتدريب المهني، وتحديث أساليب رصد التمييز، ومكافحة العنصرية وخطاب الكراهية على الإنترنت. إلا أن التطورات السياسية والاجتماعية، وتصاعد النزعات اليمينية المتطرفة، وتزايد الجرائم ذات الخلفية العرقية والدينية، كلها عوامل جعلت من الضروري تحديث هذه الخطة وتوسيع نطاقها.
ومع اقتراب ألمانيا من صياغة خطتها الجديدة، تبدو الدولة مقبلة على مرحلة أعمق من النقاش حول كيفية التعامل مع العنصرية باعتبارها تحديًا بنيويًا وليس مجرد سلوك فردي. ومن المتوقع أن تتضمن الخطة أدوات جديدة لتعزيز المساواة، وتطوير سياسات الإدماج، وتحسين جمع البيانات، ودعم الضحايا، مع التركيز على بناء وعي مجتمعي أوسع بخطورة الظاهرة وامتداداتها.
النتائج
يمكن القول في ضوء التطورات التي تشهدها ألمانيا بشأن مكافحة العنصرية، إن إطلاق مسار جديد لإعداد خطة وطنية محدّثة يمثل خطوة مهمة، لكنه يكشف عن حجم التحديات الماثلة أمام صانعي القرار. فإعادة صياغة خطة 2017 تُظهر إدراكًا رسميًا بأن الواقع الاجتماعي والسياسي قد تغيّر بشكل كبير، وأن الأدوات السابقة لم تعد كافية لمواجهة أشكال العنصرية المتجددة، خصوصًا تلك المرتبطة بالفضاء الرقمي، وتصاعد الشعبوية اليمينية.
تبدو خطوة الحكومة نحو اعتماد تعريف علمي للعنصرية مؤشرًا إيجابيًا يعكس رغبة في بناء سياسة تستند إلى قاعدة معرفية واضحة، بدلًا من التدابير المجتزأة. كما أن إشراك الخبراء والمجتمع المدني والولايات يشير إلى إدراك بأن مواجهة الظاهرة تتطلب عملًا متعدد المستويات، يتجاوز المقاربة الأمنية التقليدية نحو معالجة الأسباب البنيوية المرتبطة بالتمييز وعدم المساواة وفرص الوصول. في المقابل، تبقى فعالية الخطة رهينة بقدرة الحكومة على تحويل المبادئ النظرية إلى سياسات ملزمة وآليات تنفيذ حقيقية، لا سيما أن التعريف السابق الذي طرحته ريم العبالي رادوفان لم يكن ملزمًا، ما أثار تساؤلات حول جدوى المقاربة غير الإلزامية.
من المرجّح أن تواجه الخطة الوطنية الجديدة اختبارًا حقيقيًا في ظل ارتفاع الجرائم العنصرية، بمعدل جريمة كل 75 دقيقة، ما يعكس توترًا اجتماعيًا يتجاوز حدود الخطاب السياسي. وسيكون على الحكومة تعزيز آليات الرصد المبكر، وتطوير برامج التعليم والتوعية، وتحديث تشريعات خطاب الكراهية، مع التركيز على الفضاء الإلكتروني الذي بات منصة مركزية لنشر التطرف العنصري.
ستحتاج ألمانيا إلى بناء شراكات أوسع داخل الاتحاد الأوروبي، نظرًا لأن العنصرية والتطرف العرقي باتا ظاهرتين عابرتين للحدود. وفي حال نجاح الخطة الجديدة، يمكن أن تشكل نموذجًا أوروبيًا للسياسات الشاملة لمكافحة العنصرية؛ أما في حال تعثرها، فستبقى فجوة الثقة بين الدولة والمجتمعات المتضررة قائمة، وربما تتوسع مع مرور الوقت.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111638
