خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
محاربة التطرف ـ لماذا يتجه الشباب في ألمانيا نحو التطرف الإسلاموي واليميني؟
يتبنّى كثير من الشباب في ألمانيا خلال السنوات الأخيرة التطرف الديني واليميني. ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: كيف يمكن مواجهة تصاعد راديكالية الأطفال والبالغين؟. في عام 2023، خطّط فتى يبلغ 15 عامًا وآخر يبلغ 17 عامًا لشنّ هجوم على سوق عيد الميلاد في مدينة ليفركوزن بولاية شمال الراين ويستفاليا. وفي محادثات عبر الإنترنت، ناقش المراهقان، اللذان أعلنا تأييدهما لتنظيم داعش “المصنّف إرهابيًا” في ألمانيا، تنفيذ عملية دهس بشاحنة بهدف قتل أكبر عدد ممكن من المتواجدين. وبعد يومين فقط من التخطيط، اعتقلت الشرطة الشابين عقب اكتشاف المحادثات عبر الإنترنت، وحكم عليهما بالسجن أربع سنوات عام 2024.
التطرف في ألمانيا، الأسباب والدوافع
تُقلق هذه الحالات السلطات الأمنية الألمانية بصورة متزايدة. فوفقًا للشرطة الجنائية الاتحادية، تسجّل البلاد منذ سنوات ارتفاعًا في جرائم التطرف. كما ارتفع عدد المشتبه بهم من القُصّر دون 18 عامًا بنحو الثلث منذ عام 2019، بينما زاد عدد المشتبه بهم دون 14 عامًا بنسبة تصل إلى الثلثين خلال الفترة نفسها. تشير أحدث إحصائيات الجريمة الصادرة عن الشرطة الاتحادية إلى بعض الأسباب المحتملة لهذا الاتجاه، موضحة أن الضغوط النفسية على الأطفال واليافعين تتزايد منذ سنوات. ورغم أن الضغوط النفسية ليست سببًا مباشرًا للجوء إلى الجريمة، إلا أنها تزيد احتمالات ارتكاب جرائم عنف عندما تقترن بعوامل سلبية أخرى.
من بين هذه العوامل، العنف الأسري، وغياب الاحتواء العاطفي، والفقر، والخوف الناتج عن الأزمات المتعددة مثل الحرب وتغير المناخ وجائحة كورونا. ترى الشرطة الجنائية الاتحادية أن القصّر الذين فرّوا من بلدانهم أكثر الفئات هشاشة. فالمراهقان اللذان خططا لهجوم ليفركوزن ينحدران من أصول أفغانية وشيشانية. وتشير التقارير إلى أن كثيرًا من المهاجرين الشباب الذين يعانون العزلة يبحثون على الإنترنت عن إجابات وتوجيهات، لينتهي بهم الأمر في مواقع يحضر فيها خطاب المتطرفين الدينيين أو السياسيين. ويذكر تقرير مكتب حماية الدستور لعام 2024 أن الجرائم العنيفة ذات الدوافع اليمينية ترتبط في الغالب بعمليات تطرف تتم عبر الإنترنت، تتجاوز مشاهدة الدعاية لتصل إلى شبكات دولية على قنوات مثل تلغرام وديسكورد.
معالجة أسباب التطرف باتت أكثر صعوبة
يقدّم التقرير مثالًا على ذلك مجموعة “يونغ أوند شتارك” التي اشتهرت عام 2024 عبر إنستغرام، بعدما أصبحت بوابة دخول كثير من المراهقين إلى التطرف اليميني. وتستهدف هذه المجموعة خصومًا مثل “أنتيفا”. تعمل منظمة “شبكة الوقاية من العنف” منذ أكثر من عشرين عامًا مع الأطفال واليافعين والشباب، وهي شريك مهم في برامج نزع التطرف. وتوضح فريدة أكتاش، المختصة في التطرف الديني: “أن إخراج الشباب من فقاعاتهم الرقمية المغلقة بات أكثر صعوبة”.تقول أكتاش: “إن الخطاب السياسي والاجتماعي في ألمانيا أصبح أكثر استقطابًا، معتبرة أن بناء الجسور والعودة إلى الحوار ضرورة أساسية، وأن الحكم السريع على الشباب عند صدور عبارات مثيرة للجدل قد يقود إلى نتائج عكسية، بينما يجب معالجة مشاعرهم أولًا”.
يرى المدير التنفيذي للشبكة، توماس موكه، أن الحوار أساس العمل الوقائي. ويشير إلى تجارب داخل المدارس شهدت توترات حادة، لكنها شكّلت نقطة انطلاق لفتح مساحات للنقاش وتبادل وجهات النظر. ويحذّر من أن فقدان القدرة على التواصل يعني منح المتطرفين فرصة أكبر. ترى أكتاش أن آثار جائحة كورونا لا تزال واضحة؛ فقد شعر كثير من الشباب أنهم تُركوا وحدهم، سواء في المنزل أو المدرسة. وهذا الإحساس بالوحدة يستمر لديهم حتى وسط مجموعات الأقران، ما يجعلهم عرضة للارتباط بجماعات يمينية أو إسلامية متطرفة. كما يشير موكه إلى أن كثيرًا من الأهالي لا ينتبهون لعلامات التطرّف المبكرة لدى أبنائهم، داعيًا إلى الاستعانة بمراكز الاستشارة عند وجود أي شكوك. توضح الشبكة أنها تعاملت خلال السنوات العشر الماضية مع 431 حالة لشباب شكّلوا خطرًا على أنفسهم أو على الآخرين، بينهم 75 مصنفون “عاليي الخطورة”، و65 منهم عائدون من سوريا بعد انضمامهم إلى تنظيم داعش. ويُعد انخفاض نسبة العائدين إلى الجريمة مؤشرًا إيجابيًا، إذ عاد اثنان فقط من بين 431 حالة إلى السلوك الإجرامي.
النتائج
يشير تزايد حالات التطرف بين الشباب في ألمانيا إلى تحول واضح في طبيعة التهديدات الأمنية، خصوصًا مع انتقال جذور التطرف من الأماكن المغلقة أو الخلايا اليمينية التقليدية إلى منصات رقمية مفتوحة تستقطب الأطفال والشباب بصورة أوسع مما كان قائمًا قبل عقد واحد فقط. يكشف مسار التطرف أن البيئة الرقمية أصبحت عاملًا حاسمًا في تشكيل قناعات المراهقين، حيث تتشابك الأزمات النفسية والاجتماعية مع خطاب متطرف قادر على الوصول إليهم بسرعة غير مسبوقة. تؤكد البيانات الأمنية أن المشكلة لا تتعلق فقط بالعنف الديني، بل تمتد إلى التطرف اليميني الذي ينمو في فضاءات رقمية مغلقة، ويقدّم سرديات تبسيطية تستغل مشاعر الغضب والوحدة والبحث عن الهوية.
في القراءة المستقبلية، يبدو أن ألمانيا ستواجه تحديًا مركبًا على مستويين: الأول أمني مباشر يتطلب قدرًا أكبر من المراقبة الفعالة للمنصات الرقمية وقنوات الاستقطاب، مع تطوير أدوات تشخيص مبكر للسلوكيات الخطرة. أما المستوى الثاني فهو اجتماعي، حيث ستحتاج برلين إلى توسيع برامج الدعم النفسي والاندماج الثقافي، خاصة بين أبناء المهاجرين العائدين من مناطق صراع والذين يواجهون فجوات تربوية وانقطاعًا اجتماعيًا يجعلهم أكثر قابلية للانضمام للجماعات المتطرفة. ويُتوقع أن تصطدم الجهود الحكومية بواقع الاستقطاب السياسي الداخلي، إذ تغذي بعض الخطابات الشعبوية مشاعر الخوف وعدم الثقة، ما يدفع مزيدًا من الشباب إلى البحث عن تفسيرات مبسطة في أيديولوجيات متشددة.
تشير تجارب المنظمات الوقائية إلى أن الحوار المباشر مع الشباب سيبقى الأداة الأكثر فعالية، غير أن نجاحه مرهون بقدرة المؤسسات التعليمية والأسر على خلق مساحات آمنة للتعبير قبل انجراف المراهقين إلى خطوط الصدع الرقمية. ستزداد أهمية برامج مكافحة التطرف التي تعتمد على الوجود داخل المدارس والمنصات الرقمية في آن واحد، إذ لم يعد ممكنًا فصل العالم الواقعي عن الافتراضي عندما يتعلق الأمر بالشباب. من المرجح أن تُعيد ألمانيا تقييم سياساتها الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي، وقد تتجه نحو ضوابط أكثر صرامة على المحتوى المتطرف، بالتوازي مع تعزيز الشراكات مع القطاعين التربوي والمجتمعي.
رغم خطورة المؤشرات الحالية، تُظهر البيانات أن نسب العودة إلى الجريمة بين الشباب الذين خضعوا لبرامج نزع التطرف تبقى محدودة، وهو ما يمنح المؤسسات الألمانية نافذة أمل. ومع ذلك، فإن النجاح المستقبلي يتطلب استراتيجية شاملة تبدأ من الأسرة، ولا تنتهي عند حدود الأمن الرقمي، بل تمتد لتشمل إصلاح الخطاب العام وتعزيز إدماج المراهقين في مجتمع يشعرون فيه بالانتماء، لا بالهشاشة.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=112193
