
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم : د . سعيد أبو زكي ، مدرّس مادتيّ التاريخ والأخلاق في الجامعة اللبنانيّة الأمريكيّة، وباحث متخصّص في تاريخ الدروز
حين يتكلم التاريخ: أزمة السويداء في مرآة الماضي
يصعب على كثير من السياسيين والإعلاميين المتابعين للشأن السوري فهم المواقف الصارمة التي يتّخذها دروز جبل العرب (السويداء) تجاه السلطة الجديدة في دمشق، لا سيما رفضهم الاعتراف بالدستور الانتقالي وشرعية الحكومة المنبثقة عنه. ويعود هذا الالتباس في الفهم إلى حصر تفسير تلك المواقف في سياق التطوّرات الدامية التي أعقبت اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011 ـ وهي تطورات مهمّة دون شك، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير هذا الرفض الجذري.
مثل هذا التفسير اللحظي يُغفل جذورًا تاريخية أعمق تُشكّل الإطار الحقيقي للأزمة الراهنة بين قادة جبل العرب والسلطة المركزية في دمشق. إذ إنّ الصراع بين الجبل والدولة ليس جديدًا، بل يمتدّ إلى بدايات القرن العشرين، حين طالب الدروز باستقلال إداري يحفظ خصوصيتهم الدينية والاجتماعية، فقوبلوا بمحاولات متكرّرة لفرض سلطة مركزية خانقة من قبل الأنظمة المتعاقبة.
تسعى هذه الدراسة إلى إعادة الإشكالية الحالية إلى إطارها التاريخي الصحيح، من خلال عرض تحليليّ موجز لأبرز محطات الصراع بين جبل العرب والدولة المركزيّة في دمشق. فالمسألة لا تتعلّق بموقف ظرفي من دستور أو حكومة، بل بصدام مزمن بين مطلب الأقليات بالعدالة واحترام التعدّديّة، ونزعة السلطة إلى الإقصاء والاحتكار — وهو ما يكشف أحد أبرز أسباب فشل النماذج المركزية في إدارة دول متعدّدة الهويّات.
جبل العرب: طليعة التحرّر ورفض الخضوع
احتلّ دروز جبل العرب، منذ مطلع القرن العشرين، موقعًا متقدّمًا في مسار النضال الوطني العربي ضد الاستعمار والهيمنة الخارجية. لم يكن دخولهم إلى دمشق عام 1918، عقب انهيار الدولة العثمانية، حدثًا هامشيًا في نظرهم، بل سبق وصول الأمير فيصل بن الحسين وجيشه، فشكّل علامة بارزة على ريادتهم في لحظة التأسيس الوطني. وقد مثّل الأمراء من آل الأطرش، وفي مقدّمتهم سلطان باشا الأطرش، أبرز رموز هذا التوجّه التحرّري، ولا سيّما خلال الثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي (1925-1927). وتكرّر المشهد ذاته في عام 1945، حين قاد الأمير حسن الأطرش رجاله لتحرير جبل العرب من السيطرة الفرنسية، في وقتٍ لم تكن فيه بقية المناطق السورية قد تحرّرت بعد، ومن دون أي دعم عسكري خارجي، ما عزّز مكانة الجبل في وجدان أبنائه وغيرهم من السوريين كرمزٍ للمقاومة الوطنية والاستقلال.
غير أنّ الأمير حسن، وبقية قادة الجبل، وفي مقدّمتهم القائد الرمز سلطان باشا الأطرش، لم يروا تناقضًا بين الانتماء الوطني العروبي التام من جهة، وبين مطالبتهم – كما غيرهم من الأقليّات في السورية – بالاحتفاظ بالاستقلال الإداري الذي يصون خصوصياتهم ضمن الدولة الوطنية الجامعة من جهة أخرى. فقد اعتبروا هذا المطلب تعبيرًا طبيعيًّا عن الشخصية العربيّة الأصيلة التي تضع الكرامة والحرية في أعلى سلّم القيم، وتأكيدًا على انتماءٍ وطنيٍّ قائمٍ على الاختيار لا على الإكراه. لذلك، تمسّك قادة جبل العرب بحقّهم في استقلالٍ إداري يحفظ خصوصيتهم الدينية والاجتماعية، وطالبوا بتنمية الجبل وتطويره في إطار الدولة السورية.وبعد سقوط نظام الأسد، في أواخر عام 2024، دخلت فصائل مسلّحة من السويداء إلى دمشق قبل سائر الفصائل، فشكّل هذا الحدث العسكري استعادةً تاريخيّة لمشهد عام 1918، يصعب إغفال رمزيته، لا سيّما لدى أبناء جبل العرب، بوصفه امتدادًا طبيعيًا لدور دروز سوريا في تصدّر مشهد مقاومة الاستبداد والتحرّر الوطني. ولا يمكن في هذا السياق إغفال حقيقة أنّ دروز السويداء كانوا، في ذلك الحين، وحدهم في حالة ثورة سلمية مفتوحة ضد نظام الأسد منذ عام 2023.
نصف الفهم يكمن في البدايات
تجلّت الخصوصية الدرزية بوضوح في اتفاقية «أبو فخر – دو كاي» عام 1921، التي أنشأ الفرنسيّون بموجبها دولة جبل الدروز ذات الحكم الذاتي. فقد نصّت الاتفاقية على الاستقلال الإداري الموسّع لجبل العرب، وإعفاء الدروز من الخدمة العسكرية الإلزامية، ورفض ضمّهم إلى الاتحاد السوري المحتمل بشكل قسري، وعدم تدخّل السلطة الحاكمة في شؤونهم الدينية أو عزل رؤساء الدين. لم تكن هذه البنود تعبيرًا عن نزعة انفصالية، بل عن الشخصية الدرزية السياسية التي طبعت تاريخهم في بلاد الشام، ورسمت تصورًا مبدئيًا للدولة السورية: دولة عربية مستقلة، تحترم التنوّع، ولا تفرض هيمنة مركزية تُلغي الخصوصيات المحليّة. كان هذا الفهم جوهر انخراط الدروز في الثورة السورية الكبرى، التي انطلقت من جبل العرب على خلفية إلغاء الفرنسيين لاستقلال الجبل الإداري واعتقال الزعماء الدروز فيه. وسرعان ما تحوّلت الثورة من مطالب محلية إلى مطالب وطنية شاملة: وحدة سوريا، الاستقلال، واحترام الحرية والكرامة، مستلهمين مبادئ ثورة الفرنسيين أنفسهم في العدالة والمساواة. ورغم أن الثورة قُمعت عسكريًا، فإنها أرست رؤية درزية واضحة لدورهم في سوريا: شراكة قائمة على الحرية والكرامة، لا خضوعًا لمركزٍ إقصائيٍّ متسلّط.
من التهميش السياسي إلى القصف العسكري
مع دخول السوريين حقبة الاستقلال في أربعينيات القرن الماضي، بدأت مرحلة جديدة من التوتر. فبدلًا من تكريم جبل العرب، الذي قدّم أكثر من نصف شهداء الثورة السورية الكبرى، جرى تهميشه ومعاقبته. فقد رفض الرئيس شكري القوتلي (1943–1949)، الذي اعتبر الدروز «أقلية خطيرة»،فلم يتم تعيين وزراء منهم، كما حرمهم في عام 1947 من التمثيل النيابي بعد رفضه الاعتراف بنتائج الانتخابات في جبل العرب، التي أسفرت عن فوز مرشحي بيت الأطرش بجميع المقاعد، على الرغم من تقرير المراقب العام الذي أكّد خلو العملية الانتخابية من التزوير أو المخالفات القانونية.
ولم يقف القوتلي عند هذا الحد، بل عمد إلى إشعال فتنة داخلية في جبل العرب، عُرفت بـ«الثورة الشعبية ضدّ الطرشان» (1947)، أراد بها تقويض زعامة بيت الأطرش المتمسّكة بمطلب الإدارة الذاتية. لكنّ رياح الجبل جرت بما لا تشتهي سفن القوتلي، إذ أدّت المواجهات إلى تعزيز مكانة بيت الأطرش بعد انتصارهم على المتمرّدين، وعفو سلطان باشا الأطرش عنهم. وقد عبّر هذا الصراع السياسي عن جوهر المأزق: الدولة المركزية ترى في أي خصوصية محلية تهديدًا لسلطتها ينبغي تقويضه.
أما حقبة أديب الشيشكلي (1949–1954) فكانت الأكثر دموية. سعى الشيشكلي إلى إنشاء دولة مركزية عسكرية ودمج الدروز قسرًا فيها، رافضًا مطلب الإدارة الذاتية. ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية ضدّ حكمه الاستبداي في أواخر عام 1953، التي انطلقت من حلب وامتدّت إلى جبل العرب، شنّ حملة عسكرية دامية على الجبل في كانون الثاني 1954، أسفرت عن مقتل نحو 300 مدني. وقد رفض سلطان باشا الأطرش خوض مواجهة عسكرية مع الجيش السوري، حقنًا لدماء السوريين وحفاظًا على وحدة البلاد، فلجأ إلى الأردن.وتجدر الإشارة إلى أنّ الشيشكلي مهّد لهجومه الدموي على جبل العرب بحملة تحريض طائفية، شملت تكفير الدروز واتهامهم بالخيانة والعمالة، تارةً للهاشميين وتارةً أخرى للإسرائيليين. لم يكن ذلك القصف الوحشي مجرّد عقوبة جماعية لجبل العرب، بل رسالة إلى بقية المناطق – وإلى الأقليات – مفادها: إمّا الخضوع غير المشروط، أو التدمير؛ فما أشبه عام 1954 بعام 2025! وفي مفارقة دامية، ساهم الهجوم على السويداء في تسريع سقوط الشيشكلي بعد شهر واحد فقط من بدء الهجوم.
في قبضة البعث: من الإقصاء إلى الإفقار
لم تكن علاقة جبل العرب مع نظام البعث أفضل حالًا. فبعد نجاح الانقلاب العسكري الذي قاده صلاح جديد، وحافظ الأسد، وسليم حاطوم على حكومة الرئيس أمين الحافظ في عام 1966، بادر الضابطان العلويّان، جديد والأسد، إلى إقصاء جميع الضباط الدروز من مواقع النفوذ؛ فأُعدم الرائد سليم حاطوم، وسُجن اللواء فهد الشاعر، على الرغم من إنجازاته العسكرية البارزة. ثم استأثر حافظ الأسد بالسلطة، فأنشأ دولة بوليسيّة قمعيّة عملت على إضعاف الزعامات الدرزية التقليدية، المستندة إلى العصبية السياسية والاجتماعية المتجذّرة، وتهميشها، واستبدالها بقيادات طيّعة موالية للنظام، لا تستمد شرعيتها من قاعدة شعبية أصيلة، بل من شبكة الزبائنية المرتبطة بحزب البعث.
أما التهميش الاقتصادي، فكان أداة دائمة لإخضاع الجبل. لم يكن إهمال استصلاح الأراضي، أو منع حفر الآبار في السويداء، مجرد تقصير عرضي، بل سياسة منهجية غرضها تجريد المجتمع الدرزي من استقلاله المادي، عبر ضرب القطاع الزراعي، الذي يشكّل مصدر رزقه الرئيسي، كما يمثّل ركيزة حريته وكرامته السياسية. فالارتباط بالأرض يعزّز الشعور بالكرامة والانتماء، بينما تُنمّي الوظائف الإدارية في الدولة المركزية التبعيّة والولاء القسري. وبهذا المنطق، كانت الدولة المركزية – التي تخشى مجتمعًا متجذّرًا في أرضه، حرًّا في قراره، متمسّكًا بحقه في الحرية والكرامة – تسعى إلى دفع أبناء الجبل نحو وظائف القطاع العام، من خلال إضعاف الاقتصاد المحلي، ولا سيما الزراعة، كي لا يبقى أمامهم خيار سوى الهجرة أو الارتهان للوظيفة الإدارية الرسمية. وإزاء هذا الواقع، لجأ أبناء الجبل إلى الاستثمار في تعليم أبنائهم حتى المراحل الجامعية، تحضيرًا للهجرة والعمل في الخارج، بوصفه السبيل الوحيد لتأمين لقمة العيش بكرامة.
الحرب الأهلية: اختبار الإدارة الذاتية تحت النار
مع اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، اتّخذ دروز السويداء موقفًا حياديًا، إذ رفضوا الانخراط في القتال الداخلي، كما رفضوا أوامر النظام بالتجنيد. وفي أواخر عام 2013، تأسّست حركة “رجال الكرامة” بقيادة الشيخ وحيد البلعوس، بقصد حماية الرافضين للخدمة العسكرية ومقاومة الفصائل المسلحة التي اقتربت من الجبل. فعّل البلعوس وطنية الدرزية السياسية الكامنة من خلال خطاب تعبوي يدعو إلى صون الأرض والعِرض والحرية في جبل العرب، مترافقٍ مع خطاب وطني يرفض التعدّي على الأبرياء والانخراط في الحرب الأهلية. وقد أسّس نتيجة ذلك، وخلال مدة وجيزة، زعامة محليّة استندت إلى قاعدة جماهيرية واسعة، ما اعتُبر تحديًا لهيمنة الدولة المركزيّة.
وفي عام 2015، تم اغتياله في تفجير استهدف موكبه، أعقبه تفجير آخر أمام مدخل المستشفى المحلي الذي نُقل إليه، أسفر عن سقوط عدد من المدنيين، ودفع كثيرًا من المراقبين إلى اعتباره رسالة ترهيب دموية غرضها إعادة إخضاع الجبل.غير أن اغتيال البلعوس لم يُفضِ إلى استعادة السيطرة، بل أسهم في تراجع نفوذ النظام في السويداء بشكل كبير. ومنذ عام 2018، بدأت المنطقة تشهد تجربة قريبة من الحكم الذاتي غير المعلن، تخلّلتها مشاريع تنموية محلية بتمويل من المغتربين، وحماية أمنية وفّرتها فصائل محليّة غير نظامية. ورغم تعثّر هذه التجربة لاحقًا بفعل أزمة لبنان، وجائحة كورونا، والانهيار الاقتصادي السوري، فقد ساهمت في ترسيخ شعور جماعي بأهمية الكرامة والحرية والإدارة الذاتية، ما جعل فكرة العودة إلى الوضع السابق أقل قبولًا لدى شريحة واسعة من دروز جبل العرب.
وقد أدّى تفاقم الأزمة الاقتصادية في سوريا إلى اندلاع احتجاجات شعبية سلمية في عام 2023، اتخذت من ساحة الكرامة في مدينة السويداء مركزًا رمزيًا لها. وقد شكّل إعلان شيخ العقل، الشيخ حكمت الهجري، تبنّي مطالب المحتجّين السياسية والاقتصادية مفاجأة لكثيرين، لما أضفاه من بُعد ديني وأخلاقي ساهم في تعزيز شرعية الحراك داخل المجتمع المحلي، وأكسبه اهتمامًا متزايدًا في الأوساط الخارجية. وسرعان ما تحوّل الشيخ الهجري، نتيجة لهذا الموقف، إلى زعامة روحية وسياسية تحظى بإجماع كبير بين دروز سوريا، في سابقة لم يشهد لها الجبل مثيلًا منذ وفاة سلطان باشا الأطرش عام 1982. وتعيد هذه التحوّلات إبراز حقيقة مفصلية في تاريخ جبل العرب: فالزعامة الدرزية لا تُفرض بقرار فوقي، بل تنبع من تمثيلٍ صادق لتطلّعات المجتمع في صَون الحرية، والكرامة، والخصوصية – وهي المرتكزات التي تقوم عليها العصبية السياسية الدرزية.
نظام الشرع: عودٌ على بدء
في أواخر عام 2024، شهدت سوريا تحوّلًا دراماتيكيًا مع السقوط السريع لنظام بشار الأسد وسيطرة أحمد الشرع، المعروف سابقًا بأبي محمد الجولاني، على العاصمة دمشق. أعلن الشرع نهاية عهد البعث والأسد، وظهر بخطاب وطني منفتح، غير أن الواقع الميداني كشف عن تناقضات جوهرية. فقد حافظت القوى الفاعلة على الأرض، لا سيما الفصائل الجهادية ذات التاريخ التكفيري، على نهجها الإقصائي والعنيف، خاصة تجاه الأقليات الدينية، ومن هؤلاء الدروز، الذين ما كادوا يستبشرون بزوال النظام السابق حتى وجدوا أنفسهم أمام واقع أشد قلقًا. فبينما فرض نظام الأسد التبعية السياسية، إلّا أنّه سمح ببعض الخصوصية المذهبية والاجتماعية. أما نظام “الشرع”، فيسعى لفرض التبعية السياسية مع منع أي خصوصية مذهبية.
أقرّ الشرع دستورًا انتقاليًا، استند إلى دستور الـ1950، أسّس لدولة مركزية مهيمنة لا تتيح تمثيلًا حقيقيًا لمكونات الشعب السوري المتنوعة، ولا تفتح المجال لمشاركتها الفعّالة في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وبالتالي في تقرير مصيرها. ورغم وعود “الرئيس” الجديد باحترام التنوّع وصون الحريّات العامة والحرص على السلم الأهلي، فإن تعيينه قادة من التنظيمات “الجهادية” في مواقع السلطة، يُثبت – في نظر كثير من المراقبين المتخصصين – استمرار نهج الإقصاء، بعيدًا عن أي مشروع للتوافق الوطني أو العيش المشترك القائم على احترام الكرامة الإنسانيّة وتحقيق العدالة الاجتماعية. على الأرض، تصاعدت خطب التحريض والكراهية ضدّ الأقليات، وتحوّلت التعبئة الإعلامية والدينية إلى أعمال عنف، شملت مجازر على الساحل وهجمات دامية في الجنوب.
تكريس خطاب يستند إلى تناقض مذهبي- عرقي ـ خذ أسرارهم من صغارهم
برز في هذه المرحلة شعار “نحن بنو أمية”، الذي ترفعه الفصائل “الجهادية”كهوية رمزية. هذا الشعار، المستند إلى سردية تاريخية انتقائية، يحمل نزعة قومية–دينية تستحضر عهد الخلفاء الأمويّين الذين حكموا من دمشق أكبر دولة إسلامية عربية في التاريخ. وقد تبدو البغية من استعماله إيقاظ شعور الفخر القومي لدى السوريين – ولو كان شعورًا واهمًا، لكنّه يحمل في جوهره دلالات أكثر خطورة، إذ يشير إلى طموح كامِن لدى الفصائل “الجهادية “، التي تشكّل قاعدة نظام “الشرع”، بإحياء مشروع “الدولة الإسلامية” بحدودها القديمة. ما يجعل من المرحلة الانتقالية، في نظر هؤلاء، ليس تأسيسًا لدولة سورية حديثة، بل للدولة الإسلامية المنشودة، بما ينذر بمستقبل إقليمي مضّطرب، تسوده الحروب والدمار بدل السلم والاستقرار.
كما يستحضر هذا الخطاب سلوك الأمويين الطائفي والعرقي، خصوصًا عداءهم “للتشيّع والفرس”، لتكريس خطاب إيديولوجي، يستند إلى تناقض مذهبي-عرقي، يُقنع الأكثريّة السنية في سوريا بأنّ حكم “جهاديي” هيئة تحرير الشام هو السبيل الوحيد للتخلص من النفوذ الإيراني “الشيعي”، الذي اعتبره النظام “عدوًا مشتركًا” لسوريا وإسرائيل! هنا تكمن الخطورة الأعمق، إذ يبدو أن النظام الحالي يسعى إلى إعادة تعريف الهوية القومية السورية من عربية منفتحة إلى إسلامية منغلقة، أي قوميّة سنية إقصائية، تجعل من السوري غير السني “أجنبيًا” في وطنه، مهدّدًا في وجوده. وتغذّي هذه السردية التاريخية خطابًا إقصائيًا يلتقي – في جوهره – مع السرديات الإسرائيلية التي تبني هويتها على نفي الآخر. في هذا السياق، تبقى تجربة الرئيس الشرع محاطة بكثير من الشك، سواء في ما يتعلق بقدرته على ترويض الجماعات الجهادية وإبعادها عن أفكارها التكفيريّة وسلوكها العنفي، أو بمدى التزامه ببناء دولة وطنية تضمن الحقوق المتساوية لجميع السوريين.
بدءً حملات التكفير والتحريض الإعلامي
لقد منح “الإعلان الدستوري الانتقالي” الرئيس سلطات مطلقة، مما مكنه من احتكار القرار السياسي والعسكري. ثم شكل الرئيس حكومة سيطر على وزاراتها الأساسية وإداراتها التنفيذية قادة من “هيئة تحرير الشام”، الأمر الذي أعاد إلى الأذهان بنية الاستبداد التي عانت منها سوريا لعقود. وسرعان ما كررت حكومة “الشرع” الممارسات القديمة تجاه دروز سوريا، بدءًا بحملات التكفير والتحريض الإعلامي، واتهامهم بالعمالة لإسرائيل. بلغت تلك الحملات ذروتها بعد انتهاء زيارة دينية قام بها رجال دين دروز إلى مقام النبي شعيب في منطقة الجليل المحتل، حيث تم نشر تسجيل صوتي مفبرك نُسب لرجل دين درزي، يسيء إلى النبي محمد، بغرض تأجيج الفتنة الطائفية.
مهّد كل ذلك لهجوم عسكري بدأ في 28 أبريل 2025 واستمر أيامًا، استهدف مدنًا درزية في غوطة دمشق وجبل العرب، وخلّف عشرات الضحايا الدروز. كان الغرض الحقيقي من هذا الهجوم هو تجريد الدروز من السلاح وإخضاعهم بالقوة لسلطة النظام الجديد. علاوة على ذلك، عمل النظام – ولا يزال – على تفكيك وحدة الصوت الدرزي في جبل العرب، من خلال دعمه لفصائل ارتضت الخضوع للسلطة المركزية مقابل مكاسب ظرفية. كما فرض ممثّلين يفتقرون إلى الشرعية الشعبية، بالتوازي مع تهميش القيادات المحلية وتعيين إداريين من خارج المحافظة، دون مراعاة لخصوصيتها الثقافية والاجتماعية.
يجب فهم العلاقة المتوترة بين جبل العرب والنظام الجديد ضمن هذا السياق السياسي والإيديولوجي علاوةً عن تداعيات الصدامات العسكرية – المشار إليها سابقًا – بين الفصائل المسلحة التابعة للنظام، والشباب الدروز الذين حاولوا الدفاع عن بلداتهم، خوفًا على أهاليهم من التعرض لمجازر مشابهة لتلك التي وقعت في بلدات الساحل السوري. وتثبت ممارسات النظام الجديد بوضوح استمرار سياسة التهميش وتبرير العنف والاضطهاد الديني ضد الأقليات عامةً، والدروز خاصةً. وخلال سنوات الحرب، تعرّض الدروز لأعمال عنف من قِبل الفصائل الجهادية التي تتصدر المشهد اليوم، من أبرزها مجزرة قلب لوزة في محافظة إدلب، والهجمات المتكررة على بلدة حضر في محافظة القنيطرة. ولا توحي ممارسات أركان النظام الجديد حتى الآن بتغيّر جوهري في سلوكهم مقارنة بماضيهم الجهادي. فبالرغم من خطابه الوطني الجامع، تكشف الممارسات على الأرض عن نظام سلطوي عسكري قائم على المركزية والطائفيّة والإقصاء.
مشروع الدولة الدرزية: إحياء قديم بصيغة جديدة؟
في أعقاب هزيمة العرب الثانية في حرب حزيران 1967، سعت إسرائيل إلى إعادة إحياء مشروع قديم يقضي بتقسيم سوريا إلى كيانات طائفية وإثنية، بغية خلق محيط إقليمي مفكك يسهل التحكم فيه ولا يُشكل تهديدًا استراتيجيًا عليها. تمثّل هذا المشروع في إقامة كيانات منفصلة: دولة علوية في الشمال الغربي، دولة كردية في الشمال الشرقي، دولة درزية في الجنوب، وأخرى مسيحية في لبنان، بحيث تبقى الدولة المركزية – المحاصَرة جغرافيًا – كيانًا إثنيًا سنيًا، لا يحمل مقومات الدولة الوطنية الجامعة.
رغم أن المخطط كان يشمل إنشاء كيانات عدة، فقد اشتهر خطأً باسم “مشروع الدولة الدرزية”، ربما لأنه كان الحلقة الأولى المقرّر تنفيذها على حدود إسرائيل الجنوبية. غير أن هذا المشروع وُئد في مهده، بعدما أفشله القياديان الدرزيان كمال أبو لطيف وكمال كنج أبو صالح، من خلال إبلاغ كمال جنبلاط، الذي نقل بدوره التحذير إلى الرئيس جمال عبد الناصر، ما أحبط المحاولة في حينها. وتجدر الإشارة إلى أن بعض الزعماء الإسرائليين في فلسطين سعوا، منذ عام 1937، إلى إنشاء كيان درزي في جنوب سوريا بغرض نقل دروز فلسطين إليه، غير أن هذه المساعي توقفت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية.
لكن تطوّرات المشهد السوري في العقد الأخير تطرح تساؤلات مقلقة حول عودة هذا المشروع بصيغة مغايرة. فاليوم، يبدو أن التقسيم يُعاد إنتاجه من خلال تسليم الدولة المركزية لجماعات سلفية–جهادية ذات توجه تكفيري، تمارس العنف والإقصاء بحق الأقليات الدينية والعرقية، ما يدفع تلك المكونات، خوفًا على أمنها وكرامتها، إلى التمسك بخيار الانفصال أو الحكم الذاتي كوسيلة للبقاء.
بهذا المعنى، لا يُعاد تطبيق المشروع القديم بيد خارجية مباشرة، بل يُنفّذ عبر أدوات داخلية تسهم في تفكيك النسيج الوطني من الداخل.و قد يُفضي ذلك إلى نتائج موازية لما طمح إليه مخطط 1967، ولكن عبر مسار مختلف وأدوات جديدة. وهنا تكمن خطورة الرهان على تنظيمات دينية مسلّحة تحكم الدولة المركزية، واعتقاد البعض بقدرتها على التحول إلى مشروع وطني جامع، قادر على بناء دولة المواطنة والعدالة والحرية والمساواة. فالمشهد الحالي لا يوحي بأن الدولة السورية تسير نحو إعادة التأسيس على قواعد وطنية جامعة، بل يُنذر بتفكك بطيء يُبرّره خطاب طائفي تكفيري ويُغذّيه عنف ممنهج ضد الأقليات، وذلك في سياق إقليمي مضطرب تحكمه مشاريع الهيمنة وتقسيم النفوذ.
أحمال التاريخ
في خضمّ التغيير المتسارع الذي يشهده الإقليم، جاء موقف مشايخ العقل الثلاثة في السويداء، وفي مقدّمتهم الشيخ حكمت الهجري، إلى جانب القادة التقليديين في جبل العرب، استجابةً واعية للتجربة السورية المؤلمة، وتعبيرًا عن رفض راسخ لتكرار سياسات الإقصاء والتهميش والإفقار. هؤلاء، وقد خبروا خيبات الماضي لأكثر من قرن، يسعون إلى كسر الحلقة الجائرة، واستعادة مواطنة حرّة وكاملة ضمن دولة وطنية تحترم التعددية وحقوق الإنسان والحريات الأساسية، وتمنح الأمل بتجاوز الماضي الأليم نحو مستقبل مزدهر.انطلاقًا من ذلك، يصرّ الدروز على رفض الدولة المركزية المهيمنة، خصوصًا إذا كانت في قبضة جهات ذات خلفية دينية تكفيرية، ويتمسّكون بدولة وطنية تشاركية، تتيح قدراً من الإدارة الذاتية للأقليات، وتصون كرامتهم الإنسانية، وتحفظ وجودهم ضمن وطن يتّسع لجميع أبنائه، وفي الوقت نفسه تضمن لهم تمثيلًا عادلًا وفاعلًا في مؤسسات الدولة، يرسّخ انتماءهم الوطني.
نحو الحريّة الكرامة: “الشجاعة صبر ساعة”
يعي قادة الدروز في سوريا أنّهم يقفون أمام لحظة تاريخية حاسمة. فبعد عقود من الإقصاء والتهميش، وبعد تقديمهم الآلاف من الشهداء من أجل استقلال سوريا وكرامتها، يواجهون من جديد دولة مركزية ترفع شعار الوطنية ولكن تعمل بعقيدة طائفية إقصائية. لا يتحرّك هؤلاء القادة ضمن أجندات انفصالية أو مشاريع خارجية، بل يعبّرون عن طموح راسخ لبناء دولة وطنية جامعة تقوم على أسس العدالة والإنصاف، وتحترم التنوّع الثقافي والديني ضمن إطار وحدة سوريا.ويُظهر العرض التاريخي الموجز المُشار إليه أعلاه أن دروز سوريا لا يسعون إلى تأجيج صراعات جديدة، بل يناضلون من أجل استعادة حقوق أساسية لطالما انتُهكت في ظل أنظمة مركزية متعاقبة، حوّلتهم إلى فئة مهمّشة محرومة من الحرية والكرامة. ولا يمكن التأسيس لوطن سوري متماسك ومستقر من دون مقاربة جدّية لقضيتهم، تبدأ بالكفّ عن معاملتهم كـ”أقلية خطرة” أو “خائنة”، وتمتدّ إلى الاعتراف الفعلي بمطالبهم وهواجسهم المشروعة، فضلًا عن إعادة الاعتبار لدورهم التاريخي والمستمر في مسيرة النضال الوطني والتحرّر من الاستبداد.
ملاحظة ختامية: كُتبت هذه المقالة قبل اندلاع أحداث العنف الأخيرة في السويداء في 13 يوليو 2025، والتي كانت لا تزال مستمرّة حتى تاريخ مراجعتها الأخير. وقد شملت هذه الأحداث قيام عناصر من وزارة الدفاع والأمن العام والميليشيات الموالية لنظام “الشرع” بقصف أحياء سكنية، وإعدامات ميدانية لمدنيين عزّل، وعمليات خطف ونهب للمنازل، بالإضافة إلى سلوكيات طائفية عدائية، وجميعها موثقة بتسجيلات مرئية. وهو ما يؤكد تكرار نظام “الشرع” السلوكيات ذاتها التي أشرنا إليها أعلاه، ويقوّض ما تبقّى من إمكانية قبول دروز السويداء بالخضوع الكامل لنظامٍ لا يتوانى عن استعمال العنف لفرض إرادته على شعبه، ويثبّت عجزه عن بناء دولة وطنية تقوم على أسس العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان.
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=106169
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
مصادر مختارة:
- أبو زكي، سعيد. “بين الدين والسياسة: كيف تؤثر مواقف مشياخ العقل على دروز سوريا.” حاورته كارين عبد النور. الحرة 7، 19 نيسان 2025
- أبي راشد، حنا. جبل الدروز: بحث عام في تاريخ بني معروف، وأخلاقهم، ونسبهم، وعاداتهم، واعتقاداتهم، ونوادرهم، وآثارهم، وحروبهم، مع ضم الحلقة الثانية: حوران الدامية، وفيها استيفاء وقائع ثورتهم (1925–1926) وأسباب تحوّلها إلى “حرب سورية عامة” وانفجار الفكر التحرّري في أنحاء العالم. الطبعة الثانية. بيروت: منشورات مكتبة الفكر العربي ومطبعتها للنشر والطبع والتأليف، 1961.
- أبي راشد، حنا. حوران الداميّة: بحث عام في تاريخ حوران، ونسب عشائر حوران، وآثارهم، وحروبهم، وهو الحلقة الثانية، المتممة للحلقة الأولى: جبل الدروز، وفي الحلقتين، وقائع الثورة الدرزية (1925-1926) ووثائقها وأسباب تحوّلها، إلى “حرب سوريّة عامة” وانفجار الفكر التحرّري في أنحاء العالم. الطبعة الثانية. بيروت: منشورات مكتبة الفكر العربي ومطبعتها للنشر والطبع والتأليف، 1961.
- الصغيّر، سعيد. بنو معروف في التاريخ. الطبعة الثانية. دمشق: دار علاء الدين للطباعة والنشر والتوزيع، 2002.
- عزي، مازن. السويداء في قلب التغيير: سلطة مركزيّة جديدة في دمشق، صمود محلّي، وتنافس إقليمي على المجتمع الدرزي. ملخّص سياسات. بيروت: مؤسسة فريدريش إيبرت، حزيران 2025.
- فياض، فريد عبد الكريم (مُحرّر). سلطان باشا الأطرش: تاريخ وطن. دمشق: دار علاء الدين للطباعة والنشر والتوزيع، 2004.
- Landis, J. (1998). Shishakli and the Druze: Integration and intransigence. In T. Philipp & B. Schaebler (Eds.), The Syrian land: Processes of integration and fragmentation (pp. 369–388). Gotha: Perthes.
