بون ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ECCI ـ وحدة الدراسات (26)
إن تكرار وقائع حرق المصحف في بعض الدول الأوروبية مؤخرا، يزيد المخاوف من تداعيات الأمر على الأمن المجتمعي في أوروبا، وخاصة في بريطانيا التي ترتفع فيها جرائم الكراهية الدينية، في ظل تصاعد وجود اليمين المتطرف وخطابه في المجتمع البريطاني، كما ارتفعت الأصوات في هولندا للمطالبة بوضع حد لارتفاع وتيرة الكراهية ضد المسلمين وتكرار حوادث ازدراء الأديان، في أعقاب تسجيل وقائع تمزيق نسخ من القرآن الكريم خلال الأشهر الأخيرة.
ازدراء الأديان في بريطانيا
شهدت إحدى المدارس الواقعة بمدينة ويكفيلد بمقاطعة غرب يوركشاير البريطانية في فبراير 2023، واقعة خدش نسخة من القرآن الكريم عن طريق الخطأ من قبل مجموعة من الطلاب، لذا طالب أحد أعضاء مجلس حزب العمال السلطات بالتعامل مع الموقف، وقامت المدرسة بإيقاف (4) طلاب عن الدراسة.
هذا الحادث أثار تباين في وجهات النظر، حيث أكدت وزيرة الداخلية البريطانية سويلا برافرمان، ضرورة أن تكون استجابة الشرطة متناسبة مع مراعاة مصلحة الأطفال كأولوية على أي إهانات متصورة، وأبدت منظمة “هيومينستس يوكيه (Humanists UK)” أن الإجراءات ضد الطلبة كانت تأديبية مفرطة نتيجة ضغوط من مجموعات دينية، في المقابل اعتبر المفتش آندي ثورنتون أحد أعضاء المدرسة، أن الحادث يعبر عن الكراهية وسوء في تقدير وفهم الطلاب لأفعالهم.
تعد بريطانيا في مقدمة الدول الأوروبية التي تعاني من حوادث الكراهية الدينية، وأعلنت الداخلية البريطانية في 13 أكتوبر 2021، أن الجرائم بلغت (124091) جريمة كراهية، من بينها (2703) جريمة ضد المسلمين، و تصاعدت الجرائم ذات الدوافع العنصرية بنسبة (12%) ووصلت إلى (85) ألف جريمة، حيث استهدفت (45%) منها مسلمين، واستهدفت (22%) يهوديين.
ارتفعت جرائم الإسلاموفوبيا تدريجياً خلال الفترة من مارس 2021 إلى مارس 2022، ووصلت حوادث الكراهية ضد المسلمين إلى (3) آلاف و (259) حادثة، بزيادة تقدر بـ (42%) عن الفترة من مارس 2020 إلى مارس 2021، وسجلت جرائم الكراهية على أساس ديني في نفس الفترة نحو (8) آلاف و (730) جريمة بزيادة تقدر بـ (37%) عن مارس 2020 إلى مارس 2021.
أعلنت منظمة ” Tell Mama UK تل ماما يو كيه” في دراسة في 23 يوليو 2023، عن تصاعد حالات الإسلاموفوبيا في العقد الماضي بتلقي أكثر من (20) ألف تقرير من أشخاص أبلغوا عن حوادث كراهية، ووثقت (584) حالة عام 2012 و (1212) حالة في 2021، وكان عام 2020 أعلى نسبة في تسجيل حالات الإسلاموفوبيا.
أسباب زيادة ازدراء الأديان في بريطانيا
تزايدت جرائم الكراهية وحالات ازدراء الأديان بعد يونيو 2016، عقب إجراء استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتصاعد الهجمات الإرهابية في يونيو 2017 وظهور احتجاجات ” حركة حياة السود مهمة” واحتجاجات ضد اليمين المتطرف في 2020.
أرجع المجلس البريطاني الإسلامي في تغريدة عبر تويتر في يوليو 2023، أسباب تكرار حوادث الكراهية ضد المسلمين، وارتفاعها بنسبة (30%) لنشاط اليمين المتطرف وانتشار خطاباته السياسية، ما ساهم في زيادة الهجمات المعادية للمسلمين، لذا وجه دعوة للحكومة البريطانية لإيجاد حلول لمعالجة الإسلاموفوبيا.
تداعيات ازدراء الأديان
تنعكس حوادث ازدراء الأديان والإسلاموفوبيا على الأمن المجتمعي البريطاني، خاصة مع شن حملات إلكترونية تحريضية ضد المسلمين وتغذية الخطاب المتطرف ضدهم، وتحميلهم أسباب الأزمات الاقتصادية والسياسية في بريطانيا في ظل تدهور الوضع الاقتصادي السنوات الأخيرة.
يتسبب هذا الخطاب المتطرف في تقليل فرص المسلمين في الحصول على تعليم وعمل متساوِ مع باقي فئات المجتمع البريطاني، كما أنه يهدد وجود المهاجرين واللاجئين ليس في بريطانيا فقط بل في أغلب أوروبا.
تزداد المخاوف من توغل حالات ازدراء الأديان وجرائم الكراهية الدينية داخل المدارس والجامعات، ما يعمق مشاعر الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد وبين فئات عمرية صغيرة، ويهدد محاولات دمج المسلمين والأقليات الدينية داخل المجتمع البريطاني.اليمين المتطرف في أوروبا ـ تصاعد حالات “الإسلاموفوبيا” في أوروبا
تعامل المجتمع مع حوادث ازدراء الأديان
عرض أحد المعلمين في مدرسة “باتلي غرامر سكول” بشمال إنجلترا رسوماً كاريكاتيرية مسيئة للرسول في 25 مارس 2021، لذا أوقفته المدرسة عن العمل وعلقت الدراسة بعدها مع تقديم اعتذار للآباء على نشر هذه الصورة، وفي الوقت نفسه اعتبر وزير التربية والتعليم البريطاني وقتها غافين ويليامسون، الإجراء ترهيب وتهديد للمعلم.
هذه الواقعة كشفت عن زيادة ملحوظة في الإسلاموفوبيا في المدارس البريطانية، وأشارت منظمة ” تشايلد لاين” المعنية بتقديم المشورة والنصائح للأطفال في 2017، أنها أعدت (2500) جلسة خلال (3) سنوات لمواجهة التنمر الذي يتعرض له أطفال مسلمون لوصمهم بالإرهاب.
أكدت رئيس الرابطة الإسلامية رغد التكريتي، أنه يجب حماية طلاب المدارس من أي انتهاك لحقوقهم عبر الإساءة لمقدساتهم الدينية، وشدد مدير مسجد فينسبري بارك في لندن محمد كزبر، على أن تكرار حوادث ازدراء الأديان تزيد من فرص اليمين المتطرف، مؤكداً على ضرورة التأني في التعامل مع هذه الحوادث حتى لا تنعكس بشكل سلبي على صورة الإسلام والمسلمين في أوروبا.
أظهر استطلاع رأي في 9 أغسطس 2023، أن أكثر من خُمس العاملين في بريطانيا تعرضوا للتمييز في مكان العمل بسبب الهوية، وقال (22%) من بين (1523) شخصاً إنهم تعرضوا للتمييز في مكان العمل.
الدستور والقانون البريطاني
أبدت بريطانيا مع عدد من دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تحفظها في 11 يوليو 2023، على قرار مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة الذي يدين ما وصفه بـ ” أعمال الكراهية الدينية” على إثر تكرار حوادث حرق المصحف في عدد من الدول الغربية. ودعت بريطانيا للتصويت ضد القرار نظراً لأنه يتعارض مع حرية التعبير وفقاً لرؤيتها.
ظلت بريطانيا تعمل بقوانين تجريم جريمة التجديف ” ازدراء الأديان” حتى تم إلغائها عام 2008، وفي الوقت نفسه ينص دستور المملكة المتحدة على حرية الدين وفقاً لقانون حقوق الإنسان لعام 1998 المعتمد من الأمم المتحدة إضافة إلى القانون القومي والأوروبي.
رغم أن القانون الأوروبي تأسس عليه قوانين حرية الرأي والتعبير في المملكة المتحدة، إلا أنها ألغت الاتفاقية الأوروبية في قانونها الداخلي واستبدلتها بوثيقة حقوق المملكة المتحدة لعام 2022، وتعارض القوانين في بريطانيا أي سلوكيات من شأنها أن تلحق الأذى بالغير وتحرض على الكراهية والعنصرية أو الإرهاب سواء بنشر خطابات أو حيازة وثائق تتضمن هذا المعنى. محاربة التطرف ـ ماذا عن ازدراء الأديان في ألمانيا؟
تدابير حكومية
– أصدر القضاء البريطاني في 27 يناير 2023، حكم على مراهق بالسجن لأكثر من (11) عاماً بتهمة نشر محتوى لعقيدة متطرفة.
– منعت السلطات البريطانية في 20 مايو 2023، سياسي دنماركي ينتمي لليمين المتطرف من دخول المملكة المتحدة، على إثر تهديده بحرق نسخة من المصحف في ويكفيلد.
– أكدت الخارجية البريطانية في 21 يوليو 2023، على أن حرق القرآن وتدنيسه في ستوكهولم يعد عملاً استفزازياً للمسلمين في جميع انحاء العالم، وسعت بريطانيا للتأكيد من خلال هذه التصريحات على أنها ستدافع عن حرية الدين للجميع وتعزز الاحترام المتبادل.
ازدراء الأديان في هولندا
شهدت هولندا في 24 يناير 2023، حادث حرق زعيم جماعة “بيغيدا” المتطرفة المناهضة للإسلام في هولندا إدوين واغنسفيلد، نسخة من المصحف بعد تمزيقها في لاهاي، وتعقد الأمر كثيراً بعد بث المتطرف الفعل عبر تويتر أمام مبنى البرلمان، وتداول أنباء بمنح الشرطة المحلية إذن له بهذا الفعل.
كرر واغنسفيلد نفس الفعل في 19 أغسطس 2023، بتمزيقه نسخة من المصحف أمام السفارة التركية في لاهاي، ما أثار غضب المشاركين في مظاهرة مضادة له، لتشهد نفس المدينة وقفة احتجاجية للتنديد بتصرفات تيار اليمين المتطرف في هولندا.
ظلت هولندا تعمل بقانون التجديف حتى 2012، حيث ألغت العمل به بعد اتفاق الأحزاب في البرلمان على أن القانون لم يتم تطبيقه منذ أكثر من (50) عاماً في هولندا.
رغم هذه الخطوة، إلا أن الشرطة الهولندية ألقت القبض على زعيم جماعة “بيغيدا”، في أكتوبر 2022، في أعقاب حرقه لنسخة من المصحف أمام حشد من تياره في روتردام، كما أحيل الشخص نفسه إلى المحاكمة في 4 يوليو 2023 بتهمة توجيه إهانات لمجموعة أشخاص بعد تمزيقه لنسخة للمصحف أمام البرلمان، وينص القانون الهولندي عقوبة ازدراء الأديان بالسجن لمدة عام أو غرامة قدرها (9) آلاف يورو. الإخوان المسلمين في ألمانيا ـ هل نجحت الجماعة بتوظيف الإسلاموفوبيا ؟
تقييم وقراءة مستقبلية
– ارتفاع حوادث الكراهية الدينية وخصوصاً تجاه المسلمين في بريطانيا العقد الأخير، ينذر بزيادة حوادث ازداء الأديان والعنصرية، الأمر الذي يهدد أمن المجتمع البريطاني ويمنح التيار اليمني المتطرف فرصة لنشر أفكاره بين الشباب عبر شبكة الإنترنت وبإقامة مظاهرات احتجاجية تحمل طابعاً عنصرياً معادياً للمسلمين والمهاجرين.
-الخلط بين مفهوم حرية التعبير وازدراء الأديان، ونشاط الجماعات الإسلاموية المتطرفة إلكترونياً، وظهور حملات إلكترونية مناهضة لها من قبل اليمين المتطرف، يدفع بشكل واضح إلى تكرار مزيد من جرائم العنصرية في بريطانيا وهولندا.
– تكرار حوادث ازدراء الأديان في بعض بلدان أوروبية مثل السويد وهولندا، يشجع تيار اليمين المتطرف في بريطانيا وباقي أوروبا على ارتكاب أفعال مماثلة، ما يزيد الفجوة بين المجتمع الأوروبي والمسلمين، ويمنح للجماعات الإسلاموية وفي مقدمتها داعش والإخوان المسلمين مساحة للتوغل داخل المؤسسات الدينية والمجتمعية، ما ينعكس سلباً على محاولات دمج المسلمين في بريطانيا بشكل خاص وأوروبا بشكل عام.
– بات من الملاحظ انتشار أفكار اليمين المتطرف وحوادث الكراهية الدينية في المدارس والمؤسسات التعليمية في بريطانيا، هذا يعني خطورة تمدد العنصرية بين الأطفال والمراهقين، ويفرض على المؤسسات الحكومية المعنية مراجعة سلوكيات الأطفال والمعلمين، وتوفير جلسات توعية لهم بشأن احترام الآخر.
– ينبغي على حكومتي بريطانيا وهولندا الانتباه إلى حوادث إهانة الرموز الدينية، ومعالجة الأسباب الجذرية التي تسببت في تصاعدها السنوات الأخيرة، خاصة وأن فترة نشاط اليمين المتطرف على الإنترنت خلال جائحة كورونا كانت الأعلى تسجيلا في حوادث العنصرية، ما يلزم الدولتين بتشديد الرقابة على المحتوى الإلكتروني وتتبع أنشطة الأحزاب اليمينة المتطرفة.
رابط مختصر ..https://www.europarabct.com/?p=90501
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
الهوامش
بريطانيا: المسلمون هم الأكثر تعرضا لجرائم الكراهية
https://bit.ly/3PhFRW1
Hate crime, England and Wales, 2020 to 2021
https://bit.ly/3PjC9LE
Cases of anti-Muslim hate ‘have more than doubled’ in a decade
https://bit.ly/3qSDCPJ
بريطانيا تمنع دخول سياسي دنماركي يميني متطرف خطط لحرق المصحفظ
Most victims of religious hate crimes are Muslims and Jews: UK
https://bit.ly/3qW4Chb
