اختر صفحة

مداخل تشكيل الهويات العنيفة المؤدية إلى التطرف والإرهاب

العرب اللندنيةـ تعتبر الحاجة للإيمان حاجة لازمة أو مفروضة على المراهقة. كذلك يعتبر الإيمان بحد ذاته شكلاً من أشكال التفكر الخاصة، إنها ظاهرة عقلية وجماعية تلامس حدود ما يمكن فهمه، لكنها ظاهرة تتحكم بخياراتنا وبأفعالنا.

تكمن قوة هذا الإيمان في غياب كل ضرورة لتقديم برهان عيني وفي تعلق الشخص اللامشروط بموضوعه. حينئذٍ يقود الإيمان لتملك مضامين أيديولوجية تدفع للالتزام، إذ يحمل الالتزام اليقين الضروري لينظم المرء حياته وإعطائها معنى.

تفيد الحاجة للانتماء الذات في المشاركة الاجتماعية. إلا أن الانضواء إلى مجموعة منتقاة بحق، يساعد الفرد في تحقيق ذاته على صعيد الأفكار والعواطف. إن الدافع للانضواء هو في آن واحد دافع اجتماعي بوصفه رابط تشارك ودعم أو حماية، ودافع نفسي إذ يتوافق مع تمثل يبلغ، إلى حد ما، درجة الأمثلة يكونه الفرد لنفسه عن شركائه، فهو يعتقد أنه هكذا يشارك بمشروع جماعي فعلي، ويتقاسم ما تقدمه المجموعة لنظره وقد تجمل بالحظوة إذ قد اكتسب الهوية التي يصبو هو إليها.

أخيرا، أيا كانت الطريق التي تستخدم للوصول إلى هذا الهدف ومهما كانت الحاجات المسيطرة، فإن الرغبة في ترك أثرٍ ما والشعور “بأن من يقوم بذلك هو واحد له أهميته” هي ما سيسمح للشاب بالخروج من صفة الغفلة القاسية، وأن يبني صورة ذات ناجحة تسهم في تعريفه بوصفه شخصاً. تستجيب الرغبة في الحصول على تمثيل إيجابي عن الذات لضرورة الإبقاء على التقدير الذاتي وتعزيزه، ويمكن أن يعبر عن ذلك بالبحث عن الإعلام والشهرة.

 تختلف الأعراف والقيم ونماذج الحياة من مجتمع إلى آخر، إلا أنها تمارس جميعها على أعضاء مجتمعاتها نوعاً من الضغط الذي يدعو إلى الامتثال. في المجتمعات الغربية تتميز الأيديولوجيات السياسية أو الاجتماعية بصفة كونها ليبرالية وديمقراطية، محدثة العديد من نماذج النجاح الاجتماعي حيث تستمد إلهامها لتحدد مكانتها. إن بلوغ أحد هذه النماذج من الأمور المرجوة وهو نظرياً بمتناول كل شاب، إلا أن تعقيد هذه المجتمعات بالذات إلى جانب تعددية التقديمات أو العروضات المرتبطة بالعولمة، يؤدي إلى جعل وفرة هذه النماذج -غالب الأحيان- أمراً يتعدى أو يتجاوز حدود ما يمكن السيطرة عليه ويبدو أنه يتمتع بقوة هروب مخيفة.

يظهر الواقع أن قلة من الشباب هم من يتوصل إلى هذا النجاح؛ ذلك أن هذه الشروط الصعبة جدا لا تساعد في تحقيق مشروع مستقبلي فعلي. ولهذا السبب يشعر العديد من الشباب بأنهم محكومون بالكفاف؛ ذلك أن تدفق هذه النماذج سيعكر صفو الطرقات، ويقود الشبيبة أحياناً إلى طرق مسدودة. جراء ذلك وبسبب الاضطراب والعزلة، وبسبب الحسرة أمام إمكانات لم تعد تحت طائلة اليد، وبسبب الصعوبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية الحاصلة، وبسبب الاضطهادات المستترة، باتت شريحة مهمة من السكان عند تخوم الفشل.

راحت وسائل الإعلام في تناولها بغزارة لصعوبات الحياة في بعض الأوساط الاجتماعية والاقتصادية، وتناولها مسائل البطالة وأوقات العمل الطويلة، والوظائف الهزيلة غير المجزية ومعالجة حالات التفاهة والأمور المغفلة المبرمجة اجتماعياً، تبرز منظورات المستقبل بشكل دراماتيكي. ففي فرنسا راحت التقارير الحكومية، كما الأعمال العلمية ترى في الاندفاع للأعمال الإرهابية من جانب الشبيبة النتيجة المهمة (إلا أنها ليست حاسمة) للإقصاء الاجتماعي لفئات من السكان. يشار في هذا الخصوص إلى الضواحي المهملة، وإلى الدفع للعيش داخل غيتوات، وإلى التسرب المدرسي والاجتماعي، وإلى الجنوح وسائر أشكال التهميش.

من جهة أخرى ومن أجواء الثقافة الشرقية التي ينحدر منها الشباب القادمون من خلال الهجرة، نجد بوضوح التركيز على الوسط القريب الذي يجعل هذه الثقافة أكثر انضواء: حسن ضيافة، كرم، كرامة، شجاعة، شرف وروح الجماعة، تلك هي القيم الأساسية التي يتميزون بها.

تعاني الثقافة الأوروبية المسيحية، وبفعل تهافت قيمها، كما تعاني الثقافة العربية الإسلامية التي ظلت ضحية شياطينها المتأرجحة بين الماضي والحداثة، من إسقاطات أزمة عامة يستشعر بها من خلال العديد من الإشارات: عولمة، شمولية النماذج، ارتفاع المعايير، تراجع القيم الدينية والروحية، وسيطرة النزعة المادية التقنية، عدم مصداقية الشأن السياسي والقيم الجمهورية، انقلاب الأعراف، الترابط على مستوى الكرة الأرضية. وفي نهاية المطاف تؤثر خيبة الأمل نفسها على الشبيبة المنحدرة من الثقافتين، هذه الشبيبة التي صارت بمواجهة جملة من النماذج غير الواضحة وغير المشجعة، وبمواجهة مُثُلٍ غير متماسكة بل باهتة.

 يمثل هؤلاء الذين لا يجدون مجالا لإشباع رغباتهم في هذه الإسقاطات ذات الطابع الاجتماعي، والذين يتوقون إلى الاختلاف وإلى ما هو جديد، فئة لا يستهان بها من الشبان حتى لو كانت فئة غريبة أو شاذة. ينتسب البعض منهم إلى جماعات نضال أو جماعات دفاع عن القضايا الإنسانية، أو الدفاع عن قضايا تخص الحيوانات، صراعات من أجل الحفاظ على البيئة، التخلي عن الممارسات الاجتماعية العادية، أنماط حياة جديدة، كالالتزام بالنظام الغذائي النباتي أو بالتضامن الاقتصادي، إلا أن بعضهم الآخر قد يختار الالتزام بحركات نضالية عنفية.

في فرنسا مثلاً لم تتمكن الروابط التقليدية ولا حتى الأحزاب السياسية أن تؤلف بين السكان ولا أن تدمجهم بشكل كاف. وحتى نبرهن على فشل هذا الاستثمار العام للسكان، لنأخذ مثلاً مستقى من الاستقصاءات التي تجريها وسائل الإعلام، والتي تشير وقبل شهرين على إجراء الانتخابات الرئاسية (أبريل 2017) أن 54 بالمئة من الفرنسيين لم يقرروا بعد اختيار مرشحهم.

والشبيبة التي تعتبر أكثر حساسية من البالغين، ستجد نفسها معدومة الاستقرار جراء الجو العالمي، وجراء الجو السائد أيضاً في مجتمعها الخاص. وهكذا تستفيد الجماعات الإرهابية مثل القاعدة أو داعش أكثر فأكثر من القوة على الإغراء والجذب، ذلك أنها تجعل واسطة عقد دعايتها الطبيعة الانصهارية للحياة الجماعية (بين إخوة وأخوات) والتزاما كليا بخدمة قضية تعتبر من أكثر القضايا نبلاً وشرعية: قضية الله، والعالم الجديد النقي الخالي من كل الانحرافات وكل الدناءات الموجودة في المجتمعات الحديثة المعاصرة.

تلعب الدعاية وأقراص الفيديو التي تنشرها الحركات الإرهابية إلى جانب العديد من الرسائل الإعلامية المتلاطفة التي يتناوبون على استخدامها، دور المشجع على هذه النظرة المثالية إلى حد ما. إن الرعب الناجم عن ما يقترف من أعمال لا يكفي لحجب الإغراء الذي يمارس والذي يظهر بجلاء، ذلك أن الملابس والأسلحة والمعارك التي تمثل بطريقة ألعاب الفيديو، أي بطرق أبعد ما تكون عن الواقع، ستوقظ في الشبيبة منظور المغامرة “دون خطر”، حيث يصار إلى نفي الخطر، أو دفعه إلى صعيد خلفي من خلال مخيلة ترفض أن تأخذ بالاعتبار المخاطر على حساب الرغبـة في المشاركـة. ما نشهده هنا هو كناية عن واقع متميز لما يعيشه مراهق يسعى في الآن نفسه للبحث عن أصالته وعن وحدته.