Select Page

اعداد : صفوان داؤد، باحث مختص بالشأن السوري ـ سوريا
باحث في المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

تقع مدينة جوبر في المحيط الشمالي الشرقي للعاصمة دمشق, تحدها بلدة عين ترما جنوباً وزملكا شرقاً. تتكون جوبر من ثلاثة احياء كبيرة هي جوبر الشرقي وجوبر المأمونية وجوبر الغربي. في احصاءات 2010 وصل عدد سكان مدينة جوبر نحو 320 الف نسمة نزح معظمهم ولم يتبق منهم سوى بضعة الاف. تكمن أهمية حي جوبر الدمشقي بقربه من ساحة العباسيين وسط العاصمة السورية دمشق والتي تحمل أهمية رمزية كبيرة، كما تحتوي على مواقع إستراتيجية. حي جوبر الدمشقي الذي يقع بين حيي القصاع غربا والقابون شمالا، وبلدتي زملكا شرقا وعين ترما جنوبا، شهد في السنوات الماضية أعنف المعارك التي دمرت معظم أبنيته وبناه التحتية، كما هجر عشرات الآلاف من سكانه.

في منتصف مايو  2017،انهى الجيش السوري تمشيط حي القابون (1) المحاذي لمدينة جوبر ومضيقاً الخناق على «جبهة النصرة» و«فيلق الرحمن» والفصائل المسلحة المتحالفة معها في الغوطة الشرقية. وفي 20 مايو 2017  أطلق الجيش السوري وحلفاؤه عملية واسعة للسيطرة على مدينة جوبر من ثلاثة محاور, اثنان من مدينة جوبر والثالث من بلدة عين ترما.

 

 

انطلقت العملية بقصف جوي من سلاح الطيران السوري وغزارة غير مسبوقة من المدفعية, كما تم استخدام صواريخ ارض-ارض على منطقة حزة المتاخمة لمدينة زملكا, تبعها هجوم بري للجيش السوري على المحاور الثلاثة السابقة: محور المناشر في وادي عين ترما ومحورين من الشمال والشمال الشرقي لحي جوبر هما محور جسر زملكا ومحور حي طيبة.

كما شمل الهجوم محيط بئر القصب وأراضي الروابي وتل رينبة ورجم الصريحي في الغوطة الشرقية، واتبع الجيش السوري خطة تتكون عدة مراحل بشكل مشابه لما حصل في مدينة داريا اكبر مدن الغوطة الغربية في وقت سابق. ونشير هنا إلى إن المعارك على جبهة جوبر لم تهدأ منذ عام 2013، وإنما كان يتخللها هدوء نسبي او مناوشات روتينية.

ادى الضغط الكبير الذي تعرض له «فيلق الرحمن» الى دخول عدوه اللدود «جيش الاسلام» على خط التعاون والتنسيق معه ضد الجيش السوري, رغم ان الطرفان مازالا يتصارعان عسكرياً حتى هذه اللحظة على منطقة حوش الأشعري (2).

ولتخفيف الضغط ايضاً فتح مقاتلون تابعون الى «أحرار الشام» جبهة منطقة الزيات وضهر اسود وتل مروان في الغوطة الغربية, لكنها همدت كليا مع نهاية الشهر المنصرم دون تعديل يذكر خطوط التماس.

ترافق مع هذه العمليات اشتعال معارك عنيفة بين الجيش السوري و«جبهة النصرة» والفصائل المتحالفة معها في ريف القنيطرة, اطلقت عليها غرفة عمليات «جيش محمد» تسمية معركة “مالنا غيرك يالله”, غير ان الهجوم لم يحقق بعد مرور حوالى اسبوع من المعارك النتائج المرجوة منه, رغم ان هجوم «جبهة النصرة» قد تلقى دعما عسكرياً مباشراً من الجيش الاسرائيلي (3).

وفي تطور اخر، قصفت مروحية للجيش الاسرائيلي أهدافاُ تابعة للجيش السوري. هذا يعزز مااوردته صحيفة هآرتس الفكرة التي ناقشها الكاتب تسفي برئيل ان إسرائيل تدخل تدريجياً في الازمة السورية بشكل مخالف لما كانت تريده وهو عدم التدخل المباشر في الحرب، حيث يعكس ذلك تخوف اسرائيل من ان (القطاع العربي) من سوريا قد يتحول تدريجياً الى عبئ استراتيجي على اسرائيل (4).

في تحليل معركة جوبر الحالية فان فرضية انتهاز النظام السوري لتوتر العلاقات غير المسبوق بين قطر والمملكة العربية السعودية ودخوله في معركة يعرف ان خصميه فيها «جيش الاسلام» و«فيلق الرحمن» منقسمان وتابعان الاول الى العربية السعودية والثاني الى قطر يبقى ضعيف وغير مقنع.

ولايمكن لنا الا ان نؤكد ارتباط هذه الجبهة ارتباطاً وثيقا بما يحصل في منطقة التنف ودرعا والقنيطرة, أو بالأحرى فيما يحصل على كامل الجنوب السوري, حيث تاخذ المعركة هناك برأس حربتها منطقة جوبر سمة اعادة توازن القوى داخل ساحة الصراع السورية, بعد افضلية واضحة للجيش السوري حققها خلال الاشهر الثلاثة الماضية في هزيمته «تنظيم الدولة الاسلامية» واجباره على التقهقر بعد ان حرر بطريقة (الاجتياح) مساحات واسعة من وسط وشرق سوريا قاربت الـ 30 الف كم مربع او مايعادل مساحة مملكة بلجيكا، وتأسيسه لطريق بري يربط العراق بسوريا.

بالتالي سيشكل بقاء (القطاع العربي) – بالمعنى الجغرافي وليس القومي- من سوريا في يد النظام السوري صعوبة ظهور وتبلور كيانات أخرى على كامل المشرق وليس في سوريا, اضافة الى استمرار قدرة النظام مع حليفه حزب الله في المبادرة العالية على الحدود الشمالية لاسرائيل, يأتي هذا بعدما تعهد الامين العام لحزب الله ارسال الاف المقاتلين الى اسرائيل (5).

إن الحرب السورية منذ عام 2011 قد انطلقت اساسا من ارادة غربية بقيادة الولايات المتحدة إنهاء الدور السوري في المشرق العربي الذي نشأ أساسا على الموقع الجغرافي لها, والذي اصبح أكثر خطورة مع التمدد الايراني نحو البحر المتوسط.

إن كسر التوازن الذي تحقق لمصلحة الجيش السوري سينعكس لصالح التصعيد, والتخوف هو عودة النظام السوري الى بنيته الكلاسيكية شبه شمولية والقمعية والمرتبطة ارتباطا وثيقا بنظام المحاور بقيادة حليفه الروسي. هنا في هذه النقطة في حال لم تتبن روسيا مشروع سياسي مستند الى القاعدة الشعبية الواسعة في سوريا في التغيير السياسي, فإن صيغة وجودها في سوريا ستنتهي الى صيغة دولة محتلة بشكل مماثل لصيغة الوجود الاميركي الاحتلالي الحالي في الشمال السوري.

 

المراجع

(1) استمرت معركة القابون حوالى الثلاثة اشهر وانتهت بهزيمة مسلحي هيئة «أحرار الشام» والفصائل المتحالفة معها, وخروج من تبقى منهم الى ريف ادلب في اطار اتفاق تسوية مع الحكومة السورية. انظر: “استكمال اتفاق إجلاء مقاتلى المعارضة من حي القابون بدمشق”, صحيفة اليوم السابع, الإثنين، 15 مايو 2017

(2): تطورت العمليات القتالية التي قادها «جيش الإسلام» ضد «فيلق الرحمن» و«جبهة النصرة»، في مناطق بيت سوى وبيت الأشعري خلال الشهر الماضي. وسط استياء لدى أهالي الغوطة الشرقية وبخاصة المناطق القريبة من محاور القتال. يُذكر ان «جيش الإسلام»  تقدم في القطاع الأوسط للغوطة الشرقية بين 28 و30 ابريل نيسان الماضي, مسيطراً على بلدات عربين وحمورية والأفتريس وحزة وبيت نايم وكفر بطنا والمحمدية. واستولى على أكبر مستودعات الأسلحة التابعة الى «فيلق الرحمن» وعلى معظم مخزن اللواء ٤٥ التابع الى «جبهة النصرة», قبل أن يتمكن هذا الاخير لاحقاً من استرجاع كفر بطنا وحزة والأفتريس.

(3): الطيران الإسرائيلي يقصف أهدافا تابعة للجيش السوري في ريف القنيطرة. وكالة سبوتنيك الروسية.  25 يونيو 2017. https://sptnkne.ws/eJhf

(4): بعد ضرب الجيش الاميركي مطار الشعيرات التابع للقوات السورية النظامية, والذي كان يشكل أكبر تهديد لتنظيم الدولة الاسلامية في البادية السورية ومحيط مدينة تدمر. ثم فشل الولايات المتحدة قطع كامل المعابر الحدودية السورية العراقية القريبة من منطقة التنف والمرشحة لالتقاء الجيش السوري مع الحشد الشعبي العراقي. تبدو الاستراتيجية المحتملة للولايات المتحدة تصعيدية في الجنوب السوري والغوطة الشرقية عبر السماح لانخراط اكبر لاسرائيل في الحرب السورية وربما لدول الخليج لاحقاً.

(5): “نصرالله: إذا هاجمت إسرائيل سورية أو لبنان ستفتح الأجواء لمئات آلاف المقاتلين للمشاركة”. صحيفة الحياة, 24 يونيو حزيران 2017

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الباحث صفوان داؤد