داعش والجهاديون

ماذا بعد نهاية تنظيم #داعش؟

سؤال «النهايات»… وما بعد «داعش»

الشرق الأوسط ـ يمكن الحديث عن نهاية تنظيم كـ«داعش» لكن قد يستحيل التأكيد على نهاية فكرة كفكرته وآيديولوجية كآيديولوجيته بالإمكانية ذاتها، وهو ما يثبته الواقع والوقائع كل يوم؛ فرغم التراجع الكبير للتنظيم في العراق والتقدم المحرَز في معركة الموصل، وكذلك الانتصار المأمول في الرقة، فإن العمليات الإرهابية من لندن في عملية الدهس، الأربعاء قبل الماضي، إلى عمليات سيناء المتصاعدة تثبت أن سؤال النهاية ليس قريباً وسؤال الـ«ما بعد»… ما زال هناك الكثير قبله، وأن الفكرة – الحالة التي تستلهمها الفروع و«الذئاب المنفردة» تظل هي الخطر الأبقى الذي ينبغي ألا نستهين به.

شرقاً وغرباً، يولع البعض من مراقبين حركات التطرف والإرهاب المتزيَّيْن بزي الدين بحديث «النهايات»، وهو حديث الانتصار والحسم. وهذه ليست حمى ما بعد حداثية، يمكن تفسيرها فلسفياً أو منهجياً فقط، في ظرفها ما بعد الحديث، ولكن تعلقاً بواقعة هنا أو هناك، دون استيعاب كلية الظرف والسياق بشموله، ودون ربط محطات التطور التنظيمي والآيديولوجي، نشأة وصعودا وهبوطا بحسم النهاية مرة واحدة.

بدايةً، لم يكن «داعش» مجرد تنظيم انبعث فجأة في فراغ، بل كان مسارا من المحطات ترتبط بمسار القاعدة وتنظيمات العنف في المنطقة بعموم، والعراق وسوريا بالخصوص، سواء بعد اندلاع الانتفاضات العربية عام 2011 أو بعد سقوط نظام صدام حسين واحتلال بغداد عام 2003.لقد استمر صعود التنظيم وتوسعه باستمرار في سياقات الأزمة والتوحش، من مجرد تنظيم أسسه الراحل «أبو مصعب الزرقاوي» عام 2004 باسم «تنظيم التوحيد والجهاد» الذي اعتبره المنظر الأردني المتشدد «أبو محمد المقدسي» تيمنا باسم موقعه الحركي الراديكالي حينئذ، ولكن أنكره «الزرقاوي» في مناظرته الشديدة مع شيخه السابق عام 2005.

ثم توسع هذا التنظيم إلى «مجلس شورى للمجاهدين» ضاما إليه سائر التنظيمات الراديكالية الأخرى، بما فيه تنظيم كان أحد أعضائه إبراهيم البدري السامرائي – أو «أبو بكر البغدادي» – «أمير» تنظيم داعش و«خليفته» المزعوم في ما بعد.واستثمرت «القاعدة في بلاد الرافدين» – كما سمت نفسها – أحسن استثمار في سياق نشأتها وصعودها حينئذ، سواء عبر جذب المقاتلين الأجانب من بقايا الأفغان العرب، إلى التركيز على مقولة «التمكين» و«الدولة»، لا «الإنهاك والاستنزاف» الذي كان محل تركيز القيادة المركزية لـ«القاعدة» وفروعها الأخرى.

نؤكد على أن بقاء الأسباب والأزمات التي أنتجت «داعش» يعني بقاءها وتجددها، سواء كانت حالة الترهل التي شهدتها بعض الدول بعد الانتفاضات العربية عام 2011، أو مبررات وجوده كالتدخل الإيراني والحماة الطائفية أو بقاء بشار الأسد. وبالتالي، يبقى شرط اختفاء النتائج أو النهايات قائما ومرتبطا باختفاء الأسباب والبدايات.و يبقى الأمر الأكثر خطورة هو تحوّل التنظيم إلى حالة يستلهمها كثير من المتشددين و«الذئاب المنفردة» ليقوموا بعملياتهم في «لا مركزية» واضحة تضيف للتنظيم زخما وحضورا بعيدا عن حصاره في بؤر الصراع بسوريا أو العراق أو غيرهما.

من جهة أخرى، ما زالت جهود مكافحة الإرهاب – رغم اختلافها وتنوعها بين بلد وآخر – بحاجة إلى المزيد على الجانب النظري والفكري والتوعوي، إذ تمثل الجماهير ومشاريع التجنيد التربة الخصبة لحياة التنظيم الذي يعمل عليها. وهذا الجانب لا يزال عشوائيا وغير منضبط وغير استباقي شأن عمليات المكافحة الأمنية نفسها. ويغلب على التعاطي الفكري والفقهي مع تنظيرات التطرف العنيف تحاشي الاشتباك النقدي مع نصوصها وأدبياتها، وبقاء كثيرين من المتعرضين للمسألة يلامسونها بالخارج.

وهنا يوظف «داعش» وأخواته خطابات وأزمات المؤسسة الدينية لصالحه، وهو ما يستدعي وقفة طويلة في هذا السياق تقوم على عدد من المراجعات لما يلي: أزمة بعض خطابات الإصلاح الديني نفسه،غياب الشجاعة الكافية في نقد بعض مرجعيات وشعارات التنظيم من الخلافة والحاكمية والتمكين… إلى مفاهيم الدولة والوطنية والمواطنة وغيرها من مبادئ الدولة الحديثة التي يوجبها المنطق ولا يرفضها العقل، متابعة «داعش» للآخرين وعدم متابعة الآخرين لـ«داعش»، إذ إن كثيراً من الكتاب والباحثين ينتقد التطرف من الخارج دون النقد من الداخل من متنه، فيقع في غرائب أحياناً، كما يظل نقده سطحياً لا ينفذ لعمق آيديولوجية التنظيم.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق