Select Page

اعداد: صفوان داؤد* باحث مختص بالشأن السوري ـ سوريا

 المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

اعلنت الحكومة العراقية يوم 29 يونيو 2017 سقوط ما تسمى بـ”دولة الخلافة”، تنظيم داعش التي أعلنها زعيم تنظيم داعش في يونيو 2014، بعد استعادة جامع النوري بالمدينة القديمة لمدينة الموصل. وتمكنت القوات العراقية من السيطرة على جامع النوري الكبير في الساحل الأيمن لمدينة الموصل، وانجاز النصر.

بدا واضحا منذ بداية العام الماضي 2016 أن تنظيم داعش قد وصل الى ذروته من حيث الانتشار الجغرافي وقدراته العملياتية, ومنذ منتصف عام 2016 بدأ يخسر الجغرافيا التي يسيطر عليها تباعاً, ففي سوريا خسر مساحات شاسعة في ريفي حلب الشمالي والجنوبي لصالح كل من الجيش السوري وتنظيمي «فتح الشام» و«احرار الشام». وفي 2 مارس اذار الماضي 2017 خسر مدينة تدمر الاثرية الشهيرة ومحيطها في وسط البادية السورية, ثم جبال الشومرية في ريف تدمر الشمالي, ومنطقة شاعر في بادية تدمر الغربية.

وفي 20 مايو 2017 بدأ الجيش السوري وحلفائه هجوم ساحق على البادية السورية عُرف بإسم عمليات «الفجر الكبرى لتحرير البادية» استطاعوا من خلالها استرداد حوالى 13 الف كم مربع من بادية تدمر واقتربوا من الحدود العراقية.

خسر التنظيم ايضاً مساحات اخرى في شمال شرق سوريا على يد «قوات سوريا الديمقراطية»؛ قرية المشيرفة الاستراتيجية التي تبعد 30 كم عن مدينة الرقة في مارس اذار 2017 ،هذا العام, ثم بلدات أم التنك، بير جربا، جروة، والحتاش وحزيمة في ابريل نيسان, وفي الشهر الماضي مايو 2017 خسر اهم مواقعه في محافظة الرقة مدينة الطبقة الاستراتيجية التي تحوي على مطار عسكري وتسيطر وتتحكم جغرافياً بسد الفرات. لقد ادت الخسائر المتتابعة لتنظيم الدولة امام «قوات سوريا الديمقراطية» الى تفكير قادة التنظيم جديا بنقل عاصمتهم المزعومة من مدينة الرقة الى مدينة دير الزور على ماذكر موقع ايلاف (1), كما دفع مخططيه الى محاولة التوسع جنوبا نحو منطقة اللجاة السورية.

وبالتزامن مع معارك تحرير الموصل في العراق، انطلقت يوم 6 يونيو 2017 عمليات تحرير مدينة الرقة السورية، معقل تنظيم داعش في سوريا، انطلاقا من مبدأ فتح اكثر من جبهة ضد هذا التنظيم. وفي اطار العمليات العسكرية، أطبقت قوات سوريا الديمقراطية الحصار على مدينة الرقة السورية، بدعم من الولايات المتحدة.

وتشكل الرقة اهمية استراتيجية خاصة لدي تنظيم داعش، فهي عاصمته الأولي و بها مركز قيادته الرئيسي، طالما تحولت الرقة إلي منصة إنطلاق لعمليات التنظيم بداخل العمق السوري هذا فضلاً عن كونها عقدة وصل بين الموصل العراقية و باقي مدن الشرق السورية. وبذلك يمكن اعتبار مدينة الرقة، مفتاحاً لسلسلة مناطق تمتدّ على طول الجغرافيا السورية، فهي نقطة وصل بين مناطق وسط سورية وشرقها وشمالها، امتداداً على طول شريط المناطق الحدودية المرتبطة بالجانب العراقي والتركي.

في العراق حققت قوات مكافحة الإرهاب العراقية تقدم ميداني كبير ايضا على حساب «تنظيم الدولة» (2) بعد ان استكملت تحرير شرقي الموصل (الساحل الأيسر) وانتقلت الى غرب الموصل (الساحل الايمن), رافقه تدهور معنويات مقاتلي التنظيم وفقدانهم المبادرة على ارض المعركة وحصول عمليات هروب من جبهات القتال. وذكرت صحيفة العرب اللندنية أن تنظيم الدولة “لم يعد يسيطر سوى على نحو 30 بالمئة فقط من النصف الغربي للمدينة” (3).

العراق استطاع تحرير مدينة الموصل القديمة لاحقا بعد سيطرته على جامع النوري، ومنارة الحدباء، السيطرة على جامع النوري له دلالات كثيرة، كونه المكان الذي اعلن منه البغدادي زعيم داهش “خلافته” المزعومة، السيطرة على الجامع يعني انتهاء داعش على الارض. العراق يتجه نحو تحرير مدينة الموصل بالكامل.

وفي غرب العراق وصلت قوات الحشد الشعبي الى قرية ام جريص قرب الحدود السورية (4). وهناك غير مؤكدة وردت لكاتب هذا المقال أن قوات الحشد الشعبي مساء 31 مايو 2017 الى الاراضي السورية وسيطرت على قريتي القصيبة والبواردة الواقعتين جنوب شرق مدينة الحسكة.

مع ذلك لايمكن ان نستبق الامور ونعلن هزيمة هذا التنظيم اذ مازال يملك جغرافيا واسعة في ريف دير الزور وريف حمص الشرقي وريف الموصل وجيوب جغرافية فاعلة في مناطق الرطبة والرمادي في العراق واللجاة في سوريا, وهو قادر اذا ماتوافرت ظروف معينة ان يعيد ربطها كاملة او اقساماً منها.

لا يزال قياديي التنظيم قادرين على المناورة بفعالية, وفي العديد من العمليات قامت عناصرهم بهجمات معاكسة آخرها مثلا على ريف مدينة السلمية السورية (محافظة حماة) على خط قرى المبعوجة والسعن وجدوعة, ورغم أن الجيش السوري استعادها لاحقاً, روع عناصر التنظيم اهالي قرية عقاربب بمجزرة مروعة.

عادة ماتحصل هذه الاختراقات لعوامل عدة اهمها عدم وجود تنسيق بين القوات المحلية والجيش السوري, علما انه لولا تدخل الاخير لكان الوضع اكثر سوءاً. إن الهجوم المتكرر على مدينة السلمية –بالتزامن مع تراجعه في مناطق جغرافية أخرى- يعود الى السعي الجاد لقياديي التنظيم السيطرة على طريق الرقة-حمص, حيث يمكن من خلاله وصل مدينة الرقة بعدة جيوب جغرافية للتنظيم في وسط سوريا.

ومن الملاحظ  بان التنظيم صعد اهتمامه في الجنوب السوري “الفرع الجنوبي” حيث يسيطر عليه «جيش خالد بن الوليد» الذي تشكل في مايو ايار العام الماضي 2016 من اندماج كل من «لواء شهداء اليرموك» وحركتي «المثنّى» و«سرايا الجهاد», وهو يحتل مساحات واسعة من محافظتي درعا والقنيطرة السوريتين, وكان قداستطاع ان يفرض سطوته على بقية الفصائل الاخرى.

وهو حالياً يشكل خطرا كبيرا على الاردن على ماقال الناطق الرسمي باسمها وزير الدولة لشؤون الاعلام الدكتور محمد المومني. وللحفاظ على هذا الفرع يؤمن تنظيم داعش خط لوجستي هام بين “منطقة تدمر عبر بادية الشام إلى الضمير في ريف دمشق الشرقي، ثم إلى الجنوب باتجاه حوش حمّاد قرب اللجاة” (5).

مايجري الآن في معركة البادية السورية والارادة الشرسة للجيش السوري تحرير مثلث التنف- السبع بيار- السخنة الجغرافي يشبه صراع حلفاء كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة السيطرة على خط العرض 38 في الحرب الكورية عام 1950.

الرابح في معركة مثلث التنف سيكسب تحول استراتيجي في الحرب السورية لن يتكرر. مع كل ماسبق رغم تراجع التنظيم جغرافيا نلاحظ ان حيويته العسكرية وعقيدته الارهابية مازالت تقريباً , ربما يعدو ذلك الى انتشاره الافقي واستقلالية افرعه, ولم تتوقف عناصر التنظيم عن تنفيذ العمليات الارهابية في سيناء وبغداد وسوريا وغيرها من مناطق اخرى, مما يزيد الاعتقاد بأن التنظيم رغم خسارته لكل من الموصل والرقة سيبقى على المدى المتوسط تنظيما ارهابيا فاعلاً، بتنفيذ عمليات ارهابية في عواصم عربية وغربية اكثر من شن هجمات واسعة او مسك الارض.

التنظيم تم القضاء عليه عسكريا في الموصل وسيتم ملاحقته في مناطق صحراء الانبار ومدن عراقية وسورية اخرى،لكن التنظيم سيبقى فاعلا من خلال تنفيذه الى عمليات انتحارية في مدن عراقية وعواصم عربية اكثر من السابق، والتحرك على شكل افراد وليس جماعات او غزوات، والعودة الى المربع الذي بدا منه. القضاء على التنظيم يحتاج حزمة اجراءات ومقاربات عسكرية وسياسية واجتماعية وتربوية وتنموية واهمها المقاربة الفكري.

هوامش

(1): داعش ينقل مسؤوليه من الرقة الى دير الزور, موقع ايلاف, 26 ابريل 2017, www.elaph.com/Web/News/2017/4/1145141.html
(2): بدأت جغرافيا تنظيم الدولة بالانحسار حقيقة منذ عام 2015 اذا استطاعت القوات الحكومية العراقية تحرير سنجار في 13 نوفمبر تشرين الثاني 2015: الرمادي في 27 ديسمبر كانون اول 2015: بيجي 29 يونيو حزيران 2015 , ثم الفلوجة 26 يونيو حزيران 2016
(3): داعش يختنق في الموصل وخلاياه تستيقظ في مناطق مستعادة, صحيفة العرب, العدد 10626, 8 مايو 2017 لندن, ص3
(4): “العامري يعلن وصول قوات الحشد الشعبي إلى الحدود العراقية السورية”, تلفزيون روسيا اليوم. 29 مايو 2017

(5): «داعش الجنوب»: بين الحصار والطموح… حدود أردنية, صحيفة الأخبار, بيروت, العدد3143, 3 ابريل نيسان  2017

الباحث صفوان داؤد