المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
الاستخبارات الألمانية الخارجية وتوسيع الصلاحيات، هل تدخل برلين عصر “الهجوم السيبراني” ؟
تستعد الحكومة الألمانية لإجراء إصلاح شامل لقدراتها في مجال الاستخبارات والأمن السيبراني للتصدي للمتسللين والجواسيس الأجانب منخلال عمليات سيبرانية هجومية خاصة بها. ويعمل المسؤولون على صياغة مشروعَي قانون، أحدهما يراجع صلاحيات أجهزة الاستخبارات الخارجية الألمانية للسماح لها بتنفيذ عمليات إلكترونية في الخارج، والآخر يمنح أجهزة الأمن مزيداً من الصلاحيات للتصدي للتهديدات الهجينة، وفقاً لوزارة الداخلية. تعرضت ألمانيا لموجة من الاضطرابات الرقمية والهجينة، بدءًا من اختراقات الطائرات المسيرة فوق مطاري برلين وميونيخ، وصولًا إلى هجوم إلكتروني على نظام مراقبة الحركة الجوية في البلاد. كما كانت ألمانيا هدفًا لبعض أبرز عمليات القرصنة السياسية التي نفذتها أجهزة الاستخبارات الروسية في التاريخ الأوروبي الحديث، بما في ذلك اختراق البرلمان الوطني عام 2015 واختراق الحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم عام 2024.
يجتمع رؤساء أجهزة الاستخبارات والأمن السيبراني في ألمانيا لحضور مؤتمر ميونيخ الأمني السنوي، حيث ستهيمن استجابة أوروبا للهجمات الهجينة المرتبطة بروسيا والتجسس السيبراني في الشبكات الحيوية على مناقشات الأمن السيبراني. أكد وزير الداخلية ألكسندر دوبريندت إن ألمانيا “سترد بقوة، حتى في الخارج. سنعرقل المهاجمين وندمر بنيتهم التحتية”. تمثل المبادرة الألمانية تحولاً كبيراً في أوروبا، حيث أبدت حكومات متعددة ترحيباً بفكرة شن عمليات هجومية إلكترونية، والمعروفة باسم “الهجوم المضاد”. وقد أدرجت كل من فرنسا وهولندا القدرات الهجومية الإلكترونية في استراتيجياتهما الإلكترونية الأخيرة، وفي العام 2025 صرحت وزيرة خارجية لاتفيا، بايبا برازي، بأن أفضل طريقة للدول الأوروبية للرد على الهجمات الإلكترونية من دول أجنبية قد تكون العمليات الهجومية. وقد تزايد الدعم للقدرات الهجومية بسبب الإحباط من أن التدابير الدفاعية وحدها لا توقف موجة الهجمات. يقول ماتياس شولز، الباحث في السياسات السيبرانية بجامعة هامبورغ، إن الحكومات أطلقت خطط استجابة دولية بشأن الدبلوماسية السيبرانية والتهديدات مثل برامج الفدية، “لكن كل هذه التدابير ليست كافية حقًا لأن أعداد الهجمات السيبرانية لا تزال في ازدياد”.
ضرب الأهداف في الخارج
شنت دول هجمات إلكترونية أكثر جرأة على دول أخرى لتعطيل عملياتها. وفي أوروبا، كثفت روسيا على وجه الخصوص هذه العمليات في السنوات الأخيرة. يشير مصطلح “الهجوم المضاد” إلى ردود فعل الحكومات حيث تستهدف أجهزة الاستخبارات أو الخدمات العسكرية أو الوحدات الإلكترونية البنية التحتية للدول الأجنبية رداً على هجوم إلكتروني. لسنوات، امتنعت برلين وغيرها من العواصم الأوروبية عن القيام بعمليات القرصنة المضادة هذه خوفاً من أن تؤدي إلى ردود فعل انتقامية وتصعيد، خاصة من موسكو. بدلاً من ذلك، روجت أوروبا لأجندة دولية لـ “سلوك الدولة المسؤول في الفضاء الإلكتروني”، مما يعني أنه ينبغي على الدول الامتناع عن الأنشطة الإلكترونية الخبيثة التي تقوض السلام والأمن والحقوق الأساسية. ما يزيد من صعوبة الرد على الهجمات الإلكترونية هو أن الدول مضطرة لتحديد هوية منفذيها قبل أن تتمكن من الرد. ولا يزال تحديد مصدر الهجمات الإلكترونية أمراً بالغ الصعوبة، إذ يُخفي المهاجمون مصادرهم.
مآزق قانونية
لا تزال الإصلاحات قيد الصياغة، ومن المتوقع أن تواجه عقبات قبل الانتهاء منها مع نهاية العام 2026. إحدى المشكلات هي أن تكييف قوانين الاستخبارات قد يتطلب تغييرات دستورية الأمر الذي يتطلب أغلبية ثلثي الأصوات في البرلمان الألماني (البوندستاغ) وكذلك في مجلس الولايات (البوندسرات) الذي يمثل الولايات الإقليمية الألمانية. لكن القانون الثاني الذي يمنح أجهزة إنفاذ القانون المزيد من الصلاحيات لتنفيذ “الدفاع السيبراني النشط” لا يتطلب تعديل الدستور، وفقًا لهينينج زانيتي، المتحدث باسم وزارة الداخلية الألمانية. يهدف الدفاع السيبراني إلى منع الهجمات أو إيقافها أو على الأقل التخفيف من آثارها إذا شكلت تهديداً خطيراً. وكما هو الحال مع الإجراءات الشرطية في حالات مماثلة، يتم ذلك مع التركيز على القضاء على التهديد القائم، بغض النظر عمن يتحمل مسؤوليته.
انفتاح أكبر على عمليات الاختراق المضادة
أكدت هيئة الإذاعة الألمانية Taggesschau إن مشروع القانون يسمح لأجهزة الاستخبارات بالاستجابة لـ “حالة وطنية خاصة” بصلاحيات متابعة عملياتية إذا تعذر الحصول على مساعدة مناسبة من الشرطة أو الجيش في الوقت المناسب أو إذا كان الإجراء سيتم تنفيذه في أراضي دولة أجنبية. أشار المشرعون من الحكومة الائتلافية برئاسة ميرز إلى انفتاح أكبر على عمليات الاختراق المضادة، طالما يتم الالتزام بضوابط صارمة. يوضح دانيال بالدي، المقرر الخاص بالأمن السيبراني للحزب الاشتراكي الديمقراطي في لجنة الدفاع بالبوندستاغ، إنه “بالنظر إلى البيئة الأمنية الحالية، أعتبر التوسع المخطط له في صلاحيات جهاز الاستخبارات الألمانية (BND) ضرورياً”، وأنه ينبغي أن يشمل “الأنشطة التشغيلية مثل عمليات الاختراق العكسي”، شريطة أن يكون للبرلمان رقابة على هذه العمليات.
تقول جين ديلشنايدر، العضو في حزب الخضر والمسؤولة عن لجنتي الدفاع والشؤون الرقمية: “وزير الداخلية الألماني دوبريندت يُكثر الكلام لكنه لم يُوضح بعد كيفية تطبيق الإصلاحات قانونيًا. وأضافت ديلشنايدر: “الأهم هو حماية السلطات والشركات، ولا يزال أمام الحكومة طريق طويل في هذا الصدد”. تنامت التحذيرات من أن كيفية تنفيذ مثل هذه العمليات فعلياً لا تزال من أصعب المسائل، وإنه طريق محفوف بالمخاطر، لأن مهاجمة دولة أجنبية في زمن السلم قد يؤدي إلى تدخلات دبلوماسية واسعة النطاق وكوارث.
النتائج
في ضوء التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتصاعد الهجمات السيبرانية المرتبطة بروسيا وغيرها من الفاعلين الدوليين، يبدو أن ألمانيا تتجه نحو إعادة تعريف دورها في الفضاء الإلكتروني من قوة دفاعية تقليدية إلى فاعل يمتلك أدوات ردع هجومية. هذه النقلة تعكس إدراكاً متزايداً بأن الاكتفاء بالدفاع لم يعد كافياً لاحتواء التهديدات الهجينة التي تستهدف البنية التحتية الحيوية والعملية الديمقراطية.
من المرجح أن يشهد الاتحاد الأوروبي تنسيقاً أعمق في مجال “الدفاع السيبراني النشط”، خاصة إذا مضت برلين قدماً في إصلاحاتها. وقد يؤدي ذلك إلى بلورة عقيدة أوروبية مشتركة للردع السيبراني، تقوم على مزيج من الردع بالعقاب الهجوم المضاد، والردع عبر تعزيز الصمود الرقمي. كما قد تتوسع آليات تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول الأعضاء، وربما إنشاء قدرات أوروبية مشتركة للعمليات السيبرانية.
ستواجه ألمانيا تحديات قانونية ودستورية داخلية، حيث إن توسيع صلاحيات الاستخبارات قد يثير مخاوف تتعلق بالرقابة البرلمانية وحماية الحقوق الأساسية. ومن المرجح أن تحتدم النقاشات السياسية حول حدود استخدام القوة في زمن السلم، خاصة إذا ارتبطت العمليات الهجومية بمخاطر تصعيد دبلوماسي مع موسكو أو قوى أخرى.
من المحتمل إذا نجحت الإصلاحات في تحقيق توازن بين الفعالية الأمنية والضمانات القانونية، فقد تتحول ألمانيا إلى نموذج أوروبي في إدارة الردع السيبراني. أما إذا أخفقت في ضبط الإطار القانوني والسياسي، فقد تجد نفسها أمام جدل داخلي حاد يحدّ من فاعلية هذه الاستراتيجية ويقوّض الإجماع الأوروبي حولها.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=114934
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
