
المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ بقلم د. سماء سليمان
مؤتمر ميونخ 2026 انطلاقة أوروبا نحو توازن القوة في النظام العالم
شهد مؤتمر ميونخ للأمن 2026 نقلة واضحة من النقاشات الأمنية العالمية، إذ بدا جليًا أن النظام الدولي التقليدي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة يواجه تحديات جوهرية، وأن أوروبا تسعى لإعادة تعريف دورها في إدارة أمنها واستقرارها الاستراتيجي. في هذا المؤتمر، اجتمعت القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، الدول الأوروبية، وروسيا وأوكرانيا، لتقديم رؤاها في إطار يزداد تعقيدًا بفعل التحولات الجيوسياسية المتسارعة. أرى أن المؤتمر لم يكن مجرد اجتماع سنوي روتيني، بل محطة فارقة تعكس التباين العميق في وجهات النظر بين الدول حول مستقبل الأمن العالمي، خاصة فيما يتعلق بالاعتماد على الولايات المتحدة مقابل تعزيز الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي. أوروبا بين تغيّر الحدود وتغيّر الدور ـ قراءة تاريخية، استراتيجية في تحولات القارة ومستقبلها.
أبرزت كلمات القادة الأوروبيين، وعلى رأسهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين، توجّهًا نحو تعزيز قدرة أوروبا على حماية نفسها والاستقلال في اتخاذ قراراتها الدفاعية. ماكرون دعا صراحة إلى إعادة تصميم الأمن الأوروبي، بما يشمل التعاون النووي الدفاعي بين الدول الأوروبية، مؤكدًا أن أوروبا لم تعد تستطيع الاعتماد بشكل كامل على الشركاء الخارجيين، وحتى على الولايات المتحدة في أحيان كثيرة. في المقابل، ركزت كلمات الولايات المتحدة على تأكيد دعم الحلفاء الأوروبيين، لكن مع إبراز الدور المركزي لأمريكا في ضمان استقرار النظام الدولي، وهو ما عكس فجوة واضحة بين التوجه الأوروبي المستقل والتوجه الأمريكي التقليدي القائم على الهيمنة والتحالفات عبر الأطلسي. هذه الفجوة لا تعكس عداءً، بل اختلافًا في الرؤية الاستراتيجية حول من يتحمل المسؤولية الكبرى في حماية أوروبا وتأمين مصالحها.
لم يغفل المؤتمر النزاع الروسي الأوكراني، حيث استغل الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي المنصة ليشدّد على ضرورة توحيد أوروبا في مواجهة العدوان الروسي واستمرار العقوبات، مؤكدًا أن أي تراجع قد يشجع موسكو على المزيد من التوسع. بالمقابل، الكلمات الروسية التي تمثل موقف موسكو، رغم تحفظها في التمثيل الرسمي، كانت تحذيرية وتحاول التأكيد على أن أوروبا بحاجة إلى فهم مصالح روسيا لتجنب أزمات كبرى مستقبلية. هذا التباين يعكس التوتر بين الأمن الأوروبي التقليدي ومفهوم الأمن القائم على تعددية القطبية.
فمن حيث القوات البرية التقليدية، تمتلك الولايات المتحدة حوالي مليون وثلاثمائة ألف جندي نشط، مدعومين بقوة آلية متطورة تقنيًا، بينما تمتلك الدول الأوروبية مجتمعة حوالي مليون وخمسمائة ألف جندي نشط، إلا أن هذه القوة موزعة على عدة دول بمستويات تجهيز متفاوتة، مما يحد من القدرة على التحرك بسرعة ككتلة واحدة. روسيا تمتلك حوالي مليون جندي نشط، لكنها تعوض النقص العددي نسبياً من خلال كثافة كبيرة في الدبابات والمدفعية. فعلى سبيل المثال، روسيا تمتلك حوالي اثني عشر ألف دبابة وأيضًا حوالي اثني عشر ألف قطعة مدفعية، وهو ضعف ما تملكه كل من أوروبا والولايات المتحدة على حد سواء، حيث تمتلك كل منهما نحو ستة آلاف دبابة وأربعة آلاف مدفعية، لكن الأسلحة الأوروبية والأمريكية أكثر تطورًا ودقة. حسابات جديدة لأوروبا بعيدا عن أمريكا، مزيد من الاستقلالية واستراتيجيات جديدة. بقلم د. سماء سليمان
أما القوة الجوية، فالولايات المتحدة تتفوق بشكل كبير مع ما يقارب ثلاثة عشر ألف طائرة نشطة، معظمها حديثة وتقنية عالية، بينما تمتلك الدول الأوروبية مجتمعة نحو ثلاثة آلاف وخمسمائة طائرة، ومستوى التجهيز التكنولوجي أقل توحدًا. روسيا لديها حوالي أربعة آلاف طائرة، وهي حديثة جزئيًا، لكن تواجه قيودًا في دقة الاستهداف والاستشعار مقارنة بالأمريكية والأوروبية المتقدمة. في مجال القدرات النووية، تمتلك الولايات المتحدة حوالي خمسة آلاف وخمسمائة رأس نووي، مع أكثر من أربعمائة صاروخ باليستي عابر للقارات وأربع عشرة غواصة استراتيجية. أوروبا نفسها لا تمتلك ترسانة نووية مستقلة، لكنها تعتمد على الناتو لتغطية هذا البعد الدفاعي، بينما روسيا تمتلك نحو ستة آلاف وخمسمائة رأس نووي، مع أكثر من أربعمائة صاروخ باليستي واثني عشر غواصة استراتيجية، ما يجعل أي صراع نووي محتمل بين الولايات المتحدة وروسيا متوازنًا نسبيًا، رغم التفوق النوعي الأمريكي.
بالنسبة للقوة البحرية، تتفوق الولايات المتحدة بشكل ساحق، مع إحدى عشرة حاملة طائرات وسبعين وحدة بحرية متقدمة، بينما تمتلك الدول الأوروبية حاملة طائرات واحدة فقط (فرنسا) ونحو مائة وحدة بحرية موزعة على عدة دول، فيما تعتمد روسيا على قوة بحرية عددية كبيرة، تشمل اثني عشر وحدة بحرية استراتيجية لكنها أقل تطورًا من الأمريكية.أما التكنولوجيا العسكرية والدفاع الصاروخي، فالولايات المتحدة تتفوق بوضوح، خصوصًا في الأقمار الصناعية العسكرية، الطائرات بدون طيار، الدفاع الصاروخي مثل THAAD وAegis، والذكاء الاصطناعي العسكري. أوروبا تتقدم تدريجيًا في بعض المجالات، خصوصًا في فرنسا وألمانيا، لكنها تعتمد جزئيًا على الولايات المتحدة، بينما روسيا تركز على الصواريخ الباليستية والدفاع الجوي المتقدم، مع قدرة محدودة في الطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي العسكري.
لمواجهة هذا التوازن الهش، تسعى الدول الأوروبية لتعزيز أمنها العسكري عبر عدة مسارات لتحقيق استقلال استراتيجي جزئي عن الولايات المتحدة: أولًا، من خلال زيادة الإنفاق الدفاعي المشترك، بما يشمل تطوير وحدات قتالية أوروبية متكاملة تعمل تحت قيادة موحدة عند الضرورة. ثانيًا، الاستثمار في أنظمة الدفاع الصاروخي الأوروبية المستقلة والتقنيات السيبرانية لمواكبة التهديدات الروسية الحديثة. ثالثًا، تعزيز التعاون في صناعة الأسلحة والتكنولوجيا العسكرية، مثل الطائرات المقاتلة، الذكاء الصناعي، والطائرات بدون طيار، لتقليل الاعتماد على الإمدادات الأمريكية. رابعًا، تطوير مفهوم الردع النووي الأوروبي التكميلي من خلال التنسيق مع الناتو، بحيث يكون لأوروبا صوت أكبر في أي قرارات تتعلق باستخدام القوة النووية. أمن دولي ـ حين لا تكون الحرب هي الهدف
من خلال هذه السياسات، تسعى أوروبا لتصبح قوة قادرة على الدفاع عن مصالحها الاستراتيجية بشكل أكثر استقلالية، مع الحفاظ على التعاون الضروري مع الولايات المتحدة، في حين تظل روسيا خصمًا قويًا يعتمد على العدد والكثافة والقدرات الصاروخية المتقدمة. بهذا الشكل، يحقق الاتحاد الأوروبي توازنًا بين الاعتماد المتبادل والاستقلال الاستراتيجي، ما يمكّنه من المشاركة الفاعلة في النظام العالمي متعدد الأقطاب.
يمكن القول أن مؤتمر ميونخ للأمن 2026 لم يكن مجرد منصة لتبادل التحليلات والتوقعات، بل كان مرآة تعكس التوترات الداخلية والخارجية حول مستقبل النظام العالمي. الكلمات الأوروبية عكست رغبة قوية في استقلال القرار الاستراتيجي، بينما كلمات الولايات المتحدة وأوكرانيا وضعت حدودًا لهذا الاستقلال ضمن سياق التحالفات القائمة. روسيا، بالمثل، ذكّرت الجميع بالوجود الاستراتيجي لتهديداتها وأهمية التعامل معها بواقعية.
من منظور استراتيجي، يمكن القول إن المؤتمر وضع الاستقلال الأوروبي والتعاون الدفاعي بين الدول الأوروبية على جدول الأعمال كإستراتيجية أساسية للأمن في العقود المقبلة، مع توقع أن يتبلور هذا المفهوم في شكل آليات دفاعية موحدة أكثر، سياسات نووية ودفاعية متقدمة، وتنسيق أمني متكامل يوازن بين الاعتماد المتبادل والاستقلال. في النهاية، يظهر مؤتمر ميونخ 2026 كنقطة تحول جوهرية في النظام العالمي، حيث بدأت أوروبا فعليًا صياغة نموذجها الأمني الخاص، متجاوزةً الأطر التقليدية، ومثبتةً أن الاستراتيجية المستقلة والقوية هي السبيل لضمان الاستقرار في عالم متعدد الأقطاب.
رابط مختصر .. https://www.europarabct.com/?p=115169
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
