اختر صفحة

منتدى أصيلة: ما الذي يمنع المسلم في الغرب من الاندماج

 العرب اللندنيةـ شكل موضوع اندماج المسلمين في الغرب والتحديات التي يواجهونها في ظل المتغيرات الراهنة محور الندوة الثانية لمنتدى أصيلة، حيث طرحت خلالها المسألة بكل جوانبها ورصدت مكامن الفشل في الاندماج وواقع التحديات، ليصل المشاركون في النهاية إلى تحديد ملامح المأمول والمطلوب من أجل تجاوز العوائق والإشكالات والمصاعب التي تعترض المجتمعات المسلمة في الغرب، ووضع تصورات ومقاربات تساعد على تطبيع وضعية المسلمين في المجتمعات الغربية، مع ضمان حقوقهم الدينية والقانونية والثقافية.

أصيلة (المغرب) – يواصل منتدى أصيلة الثقافي في دورته التاسعة والثلاثين إدارة فعالياته المتنوعة والتي تجمع الثقافي بالسياسي وتلامس فنون الشارع وتثري سهراتها بأرقى الحفلات الموسيقية؛ وتستحضر ذكرى أسماء تركت بصماتها في المدونة الثقافية العربية وتفتح منابرها الحوارية لشخصيات جاءت من مختلف أنحاء العالم لتحل ضيفة على أصيلة، مدينة الفنون، لتقارب مواضيع تلامس الواقع المعيش وتطرح بوضوح رهاناته وتحدياته، ضمن إطار يجعل من اختلاف الآراء والمواقف ميزة رئيسية للخروج بأفكار ومقاربات وحلول تساعد على حل المعضلات واستيعابها.

وتأتي الندوة الثالثة للمنتدى، والتي انتظمت من 17 إلى 19 مايو 2017، تحت عنوان “المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول”، كمكمّل للندوة التي سبقتها وحملت عنوان “الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة والديمقراطية”. فما يعيشه المسلمون اليوم في أوروبا وعموم العالم الغربي يأتي في صلب النزعة الشعبوية التي اجتاحت العالم.

 المسلمون في الغرب

اتسم واقع المسلمين بالغرب في العقود الأخيرة بنوع من التوتر والتعقيد. وتركزت العلاقة على ثنائية الغرب المسيحي والمهاجرين المسلمين.والتقى تصاعد الهجمات الإرهابية مع ما تعانيه بلدان العالم الغربي، وعلى رأسها البلدان الأوروبية، من بطالة وأزمات اقتصادية وقلق اجتماعي. وغذى كل ذلك نزعة الإسلاموفبيا التي التقت بدورها مع تصاعد الشعبوية.

وكشف هذا الواقع الجديد عن حالة عزلة يعاني منها المهاجرون، الذين ولئن نجح الكثير منهم في الاندماج داخل المجتمعات التي هاجروا إليها أو هاجرت إليها عائلاتهم، فإن القسم الأكبر ظل منقسما بين هوية وطنه الأم وهوية البلد الذي يعيش فيه.

وتفرض التحديات التي يواجهها المسلمون في الغرب اليوم الإحاطة الشاملة بواقعهم والنظر إلى المسألة من كل الزوايا، لا فقط من باب الإسلاموفبيا ورغبة المجتمعات الغربية التي تحاول المحافظة على نموذجها في العيش بل أيضا من جهة مدة اندماج المسلمين المهاجرين في هذه المجتمعات وتأقلمهم مع ثقافاتها وكيف يمكن خلق نوع من التوازن بين الزاويتين.

والإحاطة الشاملة بواقع المسلمين في الغرب، حسب محمد بن عيسى، أمين عام منتدى أصيلة، لن تنجح ما لم تكن مسنودة بأبحاث ميدانية متنوعة وعلى مراحل وفترات محددة وتشخيص دقيق لما يواجه المسلمين في الغرب من تحديات، سواء ما يتعلق بتحسين معيشتهم المادية أو الملاءمة بين دينهم وثقافتهم وبين المعتقدات السائدة في مجتمعات يبهرهم تقدمها لكنها في نفس الوقت توقظ فيهم مشاعر رفض غامضة إن لم نقل عداء.

ويصدم رضوان السيد، المفكر والكاتب اللبناني، الحضور بحقيقة أننا في أدنى قعر فساد العلاقات بين المشرق العربي الإسلامي وأوروبا، فهذه الشعوب الشرقية سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، كلها اندفعت نحو الغرب في حب شبه مرضي.

وحمّل السيد المسلمين أنفسهم مسؤولية هذا الوضع الذي يمرون به اليوم، وقال بشكل صريح ومباشر “كل ما يجري هو فشل في مجتمعاتنا الثقافية والسياسية”، وأضاف أنه رغم هذا الوضع إلا أنه لا يزال يحدونا ذلك الانجذاب المرضي نحو الغرب، وإلا لماذا يندفع أبناؤنا عبر قوارب الموت للوصول إليه بحثا عن الأمن والأمان.

هاجر المسلمون إلى الغرب لأسباب اقتصادية وسياسية بحثا عن الأمن وتحسين مستوى عيشهم. وأكد عزالدين عناية، أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة روما، أن المسلمين بإيطاليا يشكلون قرابة المليونين، مشيرا إلى أن هجرة المسلمين إلى إيطاليا حديثة، وهم جالية عمالية بالأساس.

ويوجد بإيطاليا سياقان اجتماعيان يتعلقان بالإسلام، هناك الإسلام في الغرب والإسلام الغربي. ويقول عزالدين عناية، إننا لا نزال في طور الإسلام في إيطاليا ولم نصل بعد إلى الإسلام الإيطالي. فالجالية الإيطالية كما يشير عزالدين عناية إسلامها بسيط ولكن داخل هذه الشبكة هناك ما يعرف باتحاد الجمعيات الإسلامية وهو الأكثر نشاطا وهذا الاتحاد يأتمر بخلفية إخوانية سياسية، ولهذا تنظر إليه السلطات الإيطالية نظرة شك وريبة.

وفي فرنسا لم يقدر للإسلام هناك أن يبقى منسجما ومنمطا، ولا أن تكون صورة التعايش بين المسلمين ومضيفيهم متماسكة حسب الكاتب والروائي المغربي المقيم بباريس أحمد المديني. وذلك بفعل العديد من الأسباب الاقتصادية أولا التي تتعلق بسوق العمل وانعكاساته، وأيضا أسباب ثقافية وهي عبارة عن نشوء رغبة متنامية لديهم بالتميز، وهوياتية حيث كانت العقيدة حاضرة فيها باستمرار فزادت تعمقا ليصبح الدين عبارة عن طقوس هوية، وعنوانا أكثر منه بالضرورة قناعة.

الهجرة والتطرف

شكلت ثنائية الهجرة والتطرف خيطا ناظما في العديد من الدراسات والأبحاث التي تؤصل لعلاقة المسلمين بالغرب قانونيا وسياسيا واجتماعيا، فالخلفية التي كانت تتحكم في المشرع الأوروبي لظاهرة الهجرة في البداية هي أن المهاجرين ماضون وليسوا بماكثين، وحسب خالد حجي، الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة، ورئيس منتدى بروكسل للحكمة والسلم العالمي، فقد تعامل معهم المشرع على أساس أنهم سيذهبون ويعودون من حيث أتوا.ويضيف خالد حجي أنه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 تغيرت الفلسفة التشريعية في مجال الهجرة، من ذلك أنه في العام 2005 صدرت مجموعة من القوانين الجديدة بأوروبا التي تحاول أن تدمج المهاجرين المسلمين بسلطة القانون.

وفي آخر لقاء بالاتحاد الأوروبي مع وزراء العدل طرح إشكال حول كيفية تطويق ظاهرة التطرف الديني بالقوانين والذي يتم ربطه بالإسلام والمسلمين.ويقول خالد حجي إن المشكلة التي واجهتهم هي إما أن تسن قوانين خاصة بالمسلمين وهنا سيدخلون في إطار الفصل العنصري وازدواجية المعايير أو أن يتم التعامل مع المسلمين كبقية المجتمع، وهناك منزلقات أيضا حيث أنه توجد إمكانية أن يسقطوا في المس بالحريات والقوانين الأساسية، وبالتالي فالحضور الإسلامي يطرح مشكلة في أوروبا.

وقال خالد حجي “لسنا مسؤولين عن ظاهرة التطرف الديني بأوروبا لوحدنا فهناك خطاب ديني لا يوائم مقتضيات العصر وروحه، هذا شيء مفروغ منه لكن هناك أيضا هؤلاء الشباب الذين لا يشعرون إطلاقا بالانتساب والانتماء إلى أوروبا ولا أحد يناقشهم كظواهر سيكولوجية ولا أحد يمدهم بالإحساس بأنهم مرحب بهم وأنهم ينتمون إلى السياق الأوروبي”.

أسباب ومسؤوليات

تركزت تدخلات المساهمين في ندوة “المسلمون في الغرب” حول تفكيك خيوط جريمة الإرهاب والتطرف وعلى من تقع المسؤولية. وقال محمد بن صالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بجامعة غرناطة، إنه بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر قيل إن من الأسباب الرئيسية لما وقع الاستبداد في العالم العربي وغياب الديمقراطية.

وبالتالي تم تشكيل عقيدة تبناها المحافظون الجدد محورها تصدير الديمقراطية إلى العالم العربي بل ذهب بعضهم إلى حد فرضها، وفي خضم الحرب على الإرهاب تراجع الغرب عن قرار تصدير الديمقراطية. وأكد محمد بن صالح أن الكثير من الخلايا الإرهابية التي تعتقل بالعالم العربي يتم إنتاجها في الغرب. وأضاف متسائلا “صحيح أن أعضاء هذه الخلايا يعتنقون الإسلام لكن لماذا يراد لنا أن نتحمل مسؤولية أشخاص ولدوا في الغرب وتربوا في مجتمعاته وكانوا ضحية التهميش”.

الغرب هو الذي يجب تحمل تلك المسؤولية، كما يرى محمد بن صالح، بعدما فشل في الهندسة الاجتماعية التي تؤطر وتقوم وتضبط سلوكات مواطنيه من المهاجرين، أي أن المسألة اجتماعية بالدرجة الأولى وبالتالي لا ينبغي من الناحية المنهجية والعلمية أن نتحدث عن التطرف الإسلامي ولكن أن نتحدث عن أسلمة التطرف.

والذين يقومون برد فعل “مجنون” على تلك السياسات الاجتماعية الغربية ويلبسونها رداء الدين، تحركهم عدة عوامل اجتماعية وسيكولوجية واقتصادية، وفق بن صالح، الذي أضاف أنه في فرنسا مثلا وحسب دراسات ميدانية أن بين ربع وثلث الذين ينضمون إلى الجماعات المتطرفة كداعش هم من الطبقات المتوسطة الوسطى والعليا وأغلبهم من المعتنقين الجدد للإسلام.