تابعنا

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

النشرة الأسبوعية

bulletin

آخر المشاركات التلفزيونية

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

Loading ...

خريطة الموقع

لبنان ـ إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي

أغسطس 25, 2026

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا  ECCI

بون ـ علي خليل ترحيني مٌدونة الكاتب علي خليل ترحيني

لبنان ـ إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي

يمر الشرق الأوسط بأكثر مرحله التاريخية حرجاً، حيث تشير المعطيات الميدانية والتحليلات الصادرة عن كبرى الصحف السياسية العالمية ومراكز الدراسات الاستراتيجية إلى تفكك كامل للنظام الإقليمي القديم الذي قام عقوداً على فرضية الجبهات المجمدة والردع المتبادل. وتكشف القراءات التحليلية المعاصرة لصحف عالمية ومؤسسات بحثية مرموقة أن المنطقة دخلت في طور إعادة هيكلة قسرية مدفوعة بصدام مباشر متعدد الجبهات. وفي قلب هذا التحول الكبير، تبرز الساحة اللبنانية، ولا سيما جبهة الجنوب، كمركز ثقل استراتيجي تتداخل فيه الأطماع التوسعية والأمنية مع خطوط الإمداد الحيوية وتوازنات التفاوض الدولي. ولم تعد الأزمات الراهنة مجرد جولات تصعيد محدودة، بل تحولت إلى صراع حول بنية التوازنات الأمنية المحيطة بممرات الطاقة والملاحة ومستقبل الاستقرار في المنطقة.

في قلب هذا التحول الكبير، تبرز الساحة اللبنانية، ولا سيما جبهة الجنوب، كمركز ثقل استراتيجي تتداخل فيه الأطماع التوسعية والأمنية مع خطوط الإمداد الحيوية وتوازنات التفاوض الدولي

تُجمع القراءات الاستراتيجية على أن الرهانات السياسية السابقة حول إمكانية عزل القضايا المحورية ودمج التحركات الإقليمية دون حلول جذرية قد واجهت انهياراً بنيوياً حاداً. وتشير الأدبيات السياسية والدراسات المتقدمة إلى تراجع قدرة النفوذ التقليدي على حماية الحلفاء أو تأمين الممرات المائية الحيوية بشكل مطلق دون الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة ومكلفة.

وتتجلى هذه التحولات في تقويض أدوات التهديد والردع عبر ضربات مركزة ومتلاحقة استهدفت القيادات وشبكات الاتصال، مما غيّر طبيعة المعركة من استنزاف بطيء إلى مواجهة مكشوفة الهياكل. يضاف إلى ذلك تحول الطائرات المسيرة والصواريخ غير التقليدية إلى سلاح استراتيجي منخفض التكلفة وعالي التأثير، مما نقل التوتر إلى مضايق حيوية وممرات الملاحة الدولية، وفرض تكلفة باهظة على حركة التجارة العالمية وأمن الطاقة، ودفع القوى المعنية للبحث عن أطر جديدة لحماية مصالحها الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، يتصاعد التنافس الجيوسياسي حول إدارة الأزمات، حيث أظهرت التطورات أن البنية التحتية للطاقة تظل رهينة لأي تصعيد عسكري واسع النطاق.

وفي مقابل هذه التحركات والاستراتيجيات الدولية، تبرز رؤية قوى المقاومة في فلسطين ولبنان للواقع الميداني والسياسي، إذ تنطلق في مواجهتها للمشاريع التوسعية من اعتبار الصراع مع العدو الإسرائيلي صراعاً وجودياً حول الأرض والسيادة والحق في الشرف الوطني. وترى هذه القوى أن خطط فرض المخططات الأمنية أو إقامة مناطق عازلة اقتطاعية ليست سوى استمرار لعقيدة التوسع وتجريد الشعوب من مقومات دفاعها الذاتي.

ومن هذا المنظور، ترى المقاومة أن أدوات الصمود الميداني وتطوير القدرات الدفاعية تشكل الرادع الحقيقي والوحيد القادر على إفشال مخططات التهجير والتمدد، مؤكدة على حق الشعوب التلقائي في مقاومة الاحتلال والذود عن الأراضي والمقدسات، وأن أي ترتيبات سياسية تتجاهل الجذور الحقيقية للقضية الوطنية وحق تقرير المصير ستبقى صيغاً هشّة غير قابلة للاستمرار أمام إرادة التشبث بالأرض.

تشكل قراءة واقع الدولة الوطنية في بيروت المدخل الأكثر عمقاً لفهم التوازنات الداخلية، إذ يظهر جلياً كيف يتحمل هذا الوطن باستمرار ضريبة موقعه الجغرافي كمساحة لتأرجح التوازنات السياسية بين القوى المتصارعة.

وتتداخل في هذا المشهد عدة مستويات مترابطة؛ فمن جهة معضلة حصرية السلاح وبسط السيادة، تؤكد التحليلات أن التطورات العسكرية المتسارعة وضعت المؤسسات الرسمية أمام واقع يتطلب تعزيز بسط السيادة الكاملة، حيث يبرز التأكيد على أهمية حصرية السلاح بيد المؤسسات الشرعية، وعلى رأسها الجيش اللبناني، ليكون قرار السلم والحرب محصوراً في مؤسسات الدولة الرسمية وحدها من أجل صيانة الاستقلال الوطني وقطع الطريق أمام المحاولات الخارجية للتدخل في الشأن الداخلي.

ومن جهة ثانية، فإن التغيرات العاصفة في الجغرافيا السياسية المجاورة وسقوط الصيغ الأمنية القديمة أدت إلى قطع الشرايين الحيوية وخطوط الإمداد اللوجستي، مما جعل المناطق الجبهوية تقف أمام وضع استراتيجي دقيق ومواجهة مباشرة مع الضغوط والمخاطر العسكرية التوسعية. أما على المستوى الإنساني والاجتماعي، فتتجلى الكلفة البشرية والاقتصادية الباهظة في نزوح أعداد ضخمة من المواطنين وتدمير البنى التحتية والمرافق الحيوية، بالتوازي مع أزمات مالية ونقدية خانقة. هذا الواقع يضع التماسك الاجتماعي أمام اختبار حقيقي، متجاوزاً قدرة الأطر التقليدية على العلاج ما لم تتدخل الدولة بفاعلية وتستعيد زمام المبادرة البنيوية.

وأمام هذا الانسداد العسكري والدمار الميداني، تحركت المسارات التفاوضية والأمنية في محاولة لاحتواء تداعيات الانفجار الشامل في المنطقة عبر أبعاد متقاطعة. يبرز في هذا السياق المسار التفاوضي الدولي والإيراني الأمريكي، حيث تشكل اللقاءات والمشاورات المباشرة وغير المباشرة، القائمة على التفاهمات والدبلوماسية، المحرك الأساسي لمحاولات خفض التصعيد.

وتتضمن هذه التفاوضات أبعاداً ترتبط بالملف النووي ورفع العقوبات ومعالجة أزمات الملاحة في المضايق الحيوية، فضلاً عن السعي لضمان سلامة الأراضي اللبنانية وسيادتها، حيث يشكل التوصل إلى وقف شامل للعمليات العسكرية مدخلاً أساسياً لأي اتفاق مستدام. غير أن هذا المسار يواجه تعثراً مستمراً بسبب الخلافات حول الرقابة والترتيبات الأمنية والشروط المتداخلة تحت وطأة الضغوط العسكرية.

وفي تحول استراتيجي بارز على مستوى العلاقات العربية والإقليمية، برزت اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان، لتمثل خياراً إقليمياً متوازناً يهدف إلى ملء الفراغ الأمني ومواجهة التحديات المستجدة. يهدف هذا التفاهم الدفاعي إلى تعزيز الردع المشترك وحماية أمن الدول المشاركة، مع التركيز على التعاون العسكري والتكنولوجي وتأمين الممرات البحرية والتجارة في البحر الأحمر وخليج عدن. وتعد هذه الخطة خطوة نحو بناء نظام دفاعي يسعى لتحقيق الاستقلالية الاستراتيجية وصياغة شبكة قادرة على كبح الجماح التوسعي وتحييد الاقتصادات الوطنية عن الصراعات الهادمة، مع التأكيد على فتح آفاق التعاون والتكامل بين دول المنطقة على أسس متكافئة.

وعلى المسار المباشر الخاص بالترتيبات الأمنية في الجنوب، برزت التفاهمات الإنسانية والأمنية ورعايات الأطراف الدولية كآلية دبلوماسية لوقف التدهور العسكري. وتتضمن هذه الترتيبات مقترحات تمكين الجيش اللبناني من الانتشار المكثف والعملاني في الجنوب، وتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة وفي مقدمتها القرار ألف وسبع مئة وواحد، بما يضمن انسحاب القوات الغاصبة من الأراضي المحتلة وتثبيت الحدود البرية. إلا أن الالتزام بهذه الترتيبات يتطلب إرادة جادة ومنع أي خروقات قادرة على تفجير الأوضاع مجدداً.

تخلص القراءة الجيوسياسية والجغرافيا السياسية الشاملة إلى أن المنطقة تعيش مرحلة انتقالية كبرى تتداخل فيها التوافقات الدبلوماسية مع واقع الميدان. وتتحدد معالم المستقبل بناءً على قدرة الدولة القومية في المشرق العربي على استعادة دورها البنيوي والتكامل مع جوارها. وفي هذا الإطار، يظل الجنوب اللبناني ساحة دقيقة تفرض على الدولة اللبنانية العمل على تحقيق مسارين متلازمين: استكمال بسط السيادة الوطنية الشاملة عبر الجيش اللبناني والمؤسسات الشرعية، وتأمين حماية المواطنين وإعادة الإعمار، وربط الترتيبات الأمنية بوقف شامل لإطلاق النار يحترم الاستقلال والحدود الوطنية، بعيداً عن سياسات فرض الإملاءات أو الاقتطاع.

وفي هذا الصدد، تشير التوقعات والاستنتاجات الاستراتيجية الواقعية إلى أن الاعتماد الصرف على الحلول العسكرية والأدوات القسرية دون الانخراط في مفاوضات سياسية جادة ومنصفة لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد هذه الحرب ونزيفها القائم. إن الجغرافيا السياسية للمنطقة وثبات المعطيات السكانية والتاريخية تؤكدان أن الحسم العسكري المطلق مجرد وهم استراتيجي؛ إذ إن تغليب القوة يولد دورات متجددة من المواجهة والكر والفر، وتستنزف الطاقات البشرية والاقتصادية لكل الأطراف.

إن الأفق الوحيد للخروج من دائرة الاستنزاف المفتوحة يكمن في تغليب الحلول الدبلوماسية المتوازنة التي تعترف بالحقوق المشروعة، وتوفر الضمانات السياسية المتكافئة، وصياغة بيئة أمنية وتنموية قائمة على الحوار والتفاهم بين المكونات الوطنية، بعيداً عن منطق الإملاءات أحادية الجانب، بما يصون الكرامة والسيادة ويعيد إرساء قواعد الاستقرار الدائم لشعوب المنطقة.

رابط نشر ..https://www.europarabct.com/?p=123501

*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا  ECCI

تابعنا

الإشتراك في نشرتنا الإخبارية المجانية

 

تابعنا على تويتر

تابعنا على فيسبوك

النشرة الأسبوعية

bulletin

استطلاع رأي

هل المركز مصدر موثوق في البحث ؟

Loading ...

خريطة الموقع