المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
كيف تواجه ألمانيا التهديدات النووية الفضائية الروسية؟
تبرز ألمانيا ضمن الدول التي تعيد تقييم استراتيجياتها الدفاعية لحماية بنيتها الفضائية الحيوية. ويعكس ذلك اتساع دائرة التوتر بين القوى الكبرى حول السيطرة على الفضاء وأمنه. حيث يشهد الفضاء تحوّلًا متسارعًا إلى ساحة صراع جديدة تتداخل فيها الأبعاد العسكرية والتكنولوجية، في ظل تصاعد المخاوف من تهديدات نووية قد تستهدف الأقمار الصناعية.
الهجمات النووية الروسية على الأقمار الصناعية أمرٌ وارد
يرى قائد قيادة الفضاء التابعة للقوات المسلحة الألمانية في 15 يونيو من العام 2026، مايكل تراوت، أن الهجمات النووية الروسية على الأقمار الصناعية في الفضاء أمرٌ وارد. وتعتمد ألمانيا على نظام أقمار صناعية فعّال، ليس فقط للأغراض المدنية بل كذلك للأغراض العسكرية. وعليه، فإن القوات المسلحة الألمانية تستعد لهجمات فضائية محتملة أخرى. أعلنت الحكومة الأمريكية خلال العام 2024 أنها تمتلك معلومات تشير إلى أن روسيا تعمل على تجهيز بعض أقمارها الصناعية برؤوس نووية. وفي حال شنّ أحد هذه الأقمار هجومًا نوويًا، فإنه قادر على تدمير جزء كبير من البنية التحتية للأقمار الصناعية. وستكون القوات الأمريكية عرضة للخطر بشكل خاص، مما يزيد من احتمالية تصعيد التوتر بين القوتين العظميين.
التهديد النووي لألمانيا
يلعب الفضاء دورًا متزايدًا في الأهمية في السياسة الدفاعية الألمانية. وكجزء من مشروع SATCOMBw 4، تخطط برلين لإنشاء كوكبة اتصالات فضائية عسكرية خاصة بها. ويهدف هذا المشروع إلى تلبية الحاجة المتزايدة للقوات المسلحة الألمانية إلى اتصال آمن، وسيكون متاحًا أيضًا لشركاء ألمانيا. يقول مايكل تراوت، وهو كذلك لواء في سلاح الجو: “إذا حدث شيء مشابه لتجربة ستارفيش برايم اليوم، فقد يتعطل ما يصل إلى ثلث الأقمار الصناعية في المدار الأرضي المنخفض خلال الأسابيع والأشهر القادمة”. تضمنت التجربة النووية الأمريكية “ستارفيش برايم” عام 1962 تفجير قنبلة نووية على ارتفاع شاهق، مما تسبب في تأثيرات كهرومغناطيسية قوية وتداخل مع الأقمار الصناعية في الفضاء.
بحسب تراوت، تركزت النزاعات في السنوات الأخيرة بشكل متزايد على الأقمار الصناعية. وفي أدنى مستويات التصعيد، أصبح التشويش الكهرومغناطيسي والتشويش الليزري على الأقمار الصناعية أمراً شائعاً: “أفضل مثال على ذلك هو التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) في منطقة بحر البلطيق”، كما قال، مضيفًا أن هذا يؤثر على حركة النقل الجوي والبحري المدني.
القوات المسلحة الألمانية لمواجه روسيا
أكد اللواء أن رد ألمانيا يجب ألا يكون مقيدًا، قائلًا: “لا يمكنك دخول ساحة المعركة بدرع فقط”. وأوضح تراوت أن الردع الفعال يتضمن دائماً عنصرًا هجوميًا، حيث لا يعني “الهجومي” بالضرورة العدواني. ومع ذلك، يجب أن تكون ألمانيا قادرة على أخذ زمام المبادرة في أي نزاع، بما في ذلك اتخاذ إجراءات ضد أنظمة الفضاء الخاصة بالخصم. تابع تراوت إن ألمانيا ستشتري أجهزة تشويش وليزر. بالإضافة إلى ذلك، سيتم اقتناء أقمار صناعية للتفتيش، وعلى المدى البعيد، مركبات فضائية لحماية الأقمار الصناعية الألمانية، وتفتيش أنظمة العدو، واتخاذ الإجراءات اللازمة ضدها عند الضرورة.
الهجوم على الأقمار الصناعية سيكون بمثابة هجوم على البنية التحتية
بحسب تحقيقات وكالات الاستخبارات الأمريكية، فإن روسيا تسعى منذ سنوات إلى تطوير برنامج نووي مضاد للأقمار الصناعية. وفي عام 2025، كان قمر صناعي يدور في مناطق مشبوهة وغير مستخدمة من الفضاء، والذي، بحسب ما نقلته وسائل الإعلام الأمريكية عن مصادر حكومية، زُعم أنه مزود برأس حربي وهمي. تُستخدم الأقمار الصناعية عسكريًا بشكل أساسي لجمع المعلومات الاستخباراتية حول التضاريس وساحات المعارك، فضلًا عن التحكم في الطائرات المسيّرة. كما تعتمد الخدمات المدنية في مجالات الاتصالات والملاحة والخدمات المصرفية واللوجستية والتنبؤات الجوية على الأقمار الصناعية.
عواقب الانفجار النووي في الفضاء
تختلف عواقب الانفجار النووي في الفضاء اختلافًا كبيرًا عن عواقب الضربة النووية على الأرض. فبما أنه لا يوجد غلاف جوي في الفضاء لامتصاص الإشعاع، فإن النبضة الكهرومغناطيسية والإشعاع المنبعث من الانفجار سينتشران دون عوائق عبر مدار الأرض المنخفض. إلى جانب الأضرار الإشعاعية المباشرة، يُشكل الانفجار النووي في المدار خطرًا يتمثل في إطلاق ما يُعرف بمتلازمة كيسلر. وهي سيناريو نظريٌّ تكون فيه كثافة الأجسام في المدار الأرضي المنخفض عالية جدًا لدرجة أن تصادم الأقمار الصناعية مع الأجسام الأخرى يُؤدي إلى سلسلة من التفاعلات.
من شأن الحطام الناتج أن يزيد من كمية النفايات الفضائية، وبالتالي يرفع بشكلٍ كبيرٍ من خطر وقوع المزيد من التصادمات، الأمر الذي قد يجعل السفر إلى الفضاء مستحيلًا لعقود. تصاعد التوترات في الفضاء مع مخاوف من تهديدات نووية تستهدف الأقمار الصناعية يدفع ألمانيا والقوى الأوروبية لإعادة صياغة استراتيجياتها الدفاعية وحماية البنية التحتية الفضائية.
دعوات ألمانية فرنسية لمناقشة كيفية حماية الأسلحة النووية الفرنسية لأوروبا
يشعر الاشتراكيون الديمقراطيون الألمان SPD بالقلق إزاء دعوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشار الألماني فريدريش ميرز لمناقشة كيفية حماية الأسلحة النووية الفرنسية لأوروبا. ويقول نيلز شميد، المتحدث باسم السياسة الخارجية في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، خلال زيارة إلى باريس في العام 2025 “إن الردع النووي يعتمد في المقام الأول على المصداقية، وبالتالي ليس من الحكمة مناقشته علنًا”.
أبدى ميرز في فبراير 2025، اهتمامه بحماية ألمانيا بالأسلحة النووية الفرنسية، بعد أن جدد ماكرون سعيه للحديث عن البعد الأوروبي للردع النووي الفرنسي. ويأتي هذا نتيجةً للقلق المتزايد في أوروبا بشأن موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية في ظل رئاسة دونالد ترامب. لكن الحزب الاشتراكي الديمقراطي من يسار الوسط، وهو جزء من الائتلاف الحاكم بزعامة ميرز إلى جانب حزبه الديمقراطي المسيحي من يمين الوسط CDU/CSU، يزعم أنه ليست هناك حاجة للبحث عن بدائل للولايات المتحدة لأن ترامب لم يشر إلى خططه للانسحاب من حلف شمال الأطلسي والتخلي عن أوروبا.
أضاف شميد “نحن لا نشك في الردع النووي الذي يتمتع به حلف شمال الأطلسي، لأن هناك التزامات رسمية تعهد بها مسؤولون في الحكومة الأميركية لدعمه”. وحذر النائب الألماني من أن المظلة النووية الفرنسية التي تحمي فقط بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من شأنها أن تخلق حالة من عدم الاستقرار، وأكد أنه “لا يمكن أن تكون هناك منطقتان أمنيتان مختلفتان في أوروبا”.
وأضاف أنه “عندما يتعلق الأمر بالدفاع، هناك موضوعات تتطلب اهتمامنا بشكل أكثر إلحاحًا من الردع النووي قدرات الدفاع التقليدية على وجه الخصوص”. حيث أعرب ماكرون مرارًا عن انفتاحه على بدء حوار مع شركائه الأوروبيين بشأن الردع النووي. وبينما أبدت دول مثل الدنمارك وبولندا وليتوانيا اهتمامها بالفعل، تُصر دول أخرى مثل لاتفيا على أن يكون حلف الناتو الإطارَ المُناسب للأسلحة النووية.
على عكس المملكة المتحدة، فرنسا ليست عضوًا في مجموعة التخطيط النووي التابعة لحلف شمال الأطلسي. ومع ذلك، فإن قواتها النووية مستقلة عن الولايات المتحدة، مما يجعلها مفيدة في حال انسحاب أمريكا من أوروبا في عهد ترامب. في حين أنه من غير الواضح ما تعنيه فرنسا بالضبط عندما يقول ماكرون إن المصالح الحيوية لفرنسا لها بعد أوروبي، فإنه أوضح دائمًا أن أي قرار باستخدام الأسلحة النووية الفرنسية سيظل في أيدي الرئيس الفرنسي. إن إبقاء المحفز المحتمل للرد النووي غامضًا عمدًا يشكل جزءًا من العقيدة النووية الفرنسية.
رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=119690
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات
