المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بقلم الدكتور محمد أبوغزله ، مدير مكتب تريندز في ألمانيا – خبير في الشؤون السياسية د. محمد أبوغزله Dr. Mohammad Abu Ghazleh
كيف تعيد واشنطن هندسة نفوذها في أوروبا؟
كلما أعلنت الولايات المتحدة عن تقليص وجودها العسكري في أوروبا، يتجدد الحديث عن “أفول الناتو” أو “انسحاب واشنطن من القارة العجوز” … غير أن هذه القراءة، رغم تبنيها وانتشارها، تبدو أقرب إلى الانطباع السياسي منها إلى التحليل الاستراتيجي العميق. فما يجري اليوم لا يشبه انسحاباً بالمعنى التقليدي، بل يمثل تحولاً في أدوات القوة الأمريكية، وانتقالاً من نموذج يعتمد على الانتشار العسكري الواسع إلى نموذج يقوم على الهيمنة التكنولوجية والصناعية وفرض تقاسم الأعباء مع الحلفاء. التقارب الاستراتيجي تحت الضغط: أوروبا والخليج في أعقاب الحرب الإيرانية
قمة الناتو في انقرة، وتحول أولويات واشنطن
قمة حلف شمال الأطلسي التي تعقد في أنقرة 7 و8 يوليو الجاري تأتي في لحظة دقيقة. فالحرب في أوكرانيا لم تنته، والتهديدات الأمنية في أوروبا لم تتراجع، بينما تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث أصبحت الصين المنافس الاستراتيجي الأول في نظر صناع القرار الأمريكي. وفي ظل هذه المعادلة، لم يعد من المنطقي بالنسبة لواشنطن أن تستمر في تحمل العبء الأكبر للدفاع الأوروبي كما فعلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فمة انقرة للناتو
لكن تقليص القوات الأمريكية لا يعني التخلي عن النفوذ. على العكس، قد يكون وسيلة لإعادة إنتاجه بطريقة أكثر استدامة وربحية.
فالولايات المتحدة تدرك أن وجود عشرات الآلاف من الجنود في الخارج يفرض تكاليف مالية وسياسية متزايدة، بينما يمكنها تحقيق التأثير ذاته عبر تصدير منظومات التسليح، وربط الجيوش الأوروبية بشبكات القيادة والاتصالات الأمريكية، وجعل الصناعة الدفاعية الأوروبية أكثر اعتماداً على التكنولوجيا القادمة من واشنطن. هذا التحول يحمل دلالة مهمة. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس فقط بعدد الجنود أو القواعد العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدولة على التحكم في سلاسل الإمداد العسكرية، والبرمجيات، والذخائر الذكية، وأنظمة القيادة والسيطرة. ومن هذه الزاوية، قد تصبح الولايات المتحدة أقل حضوراً على الأرض، لكنها أكثر رسوخاً في البنية الدفاعية الأوروبية. أمن قومي
ومن اللافت أيضاً أن أنقرة أصبحت منصة لهذا التحول. فاختيار تركيا لاستضافة إعلانات تتعلق بمشاريع دفاعية وصفقات تسليح ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل يعكس إدراكا أمريكيا لمكانة تركيا المتنامية داخل الصناعة العسكرية الغربية. فخلال العقد الأخير، لم تعد تركيا مجرد مستورد للسلاح، بل أصبحت منتجا ومصدراً لتقنيات عسكرية أثبتت حضورها في ساحات متعددة. وهذا يمنحها موقعاً مختلفاً داخل الحلف. فبدلاً من أن تكون دولة تقع على هامش القرار الأطلسي بسبب خلافاتها مع بعض العواصم الأوروبية، تتحول تدريجياً إلى شريك يصعب تجاوز دوره في أي مشروع يتعلق بإعادة هيكلة القدرات الدفاعية للحلف. الأمن الدولي
في المقابل، تبدو ألمانيا أمام واقع جديد. فمنذ عقود كانت برلين تمثل مركز الثقل العسكري الأمريكي في أوروبا، لكن التحولات الأخيرة توحي بأن واشنطن لم تعد ترى في تركيز قواتها في دولة واحدة الخيار الأمثل. فإعادة توزيع القدرات العسكرية، وتوسيع دوائر الإنتاج الدفاعي، وربط مزيد من الدول الأوروبية بشبكات التسليح الأمريكية، يمنح الولايات المتحدة مرونة أكبر ويقلل اعتمادها على نقطة ارتكاز واحدة. الدراسات
الإنفاق الدفاعي الأوروبي
أما الخلاف الأوروبي حول رفع الإنفاق الدفاعي، فهو يكشف عن أزمة أعمق من مجرد أرقام في الموازنات. فالدول الواقعة على الحدود الشرقية للحلف تنظر إلى روسيا باعتبارها تهديداً مباشراً، بينما ترى دول أخرى أن أولوياتها تتمثل في النمو الاقتصادي، وأمن الطاقة، والهجرة غير النظامية. وهذا التباين يجعل الحديث عن “موقف أوروبي موحد” أكثر تعقيداً مما توحي به البيانات الرسمية. ومن هنا، فإن مطالبة واشنطن للحلفاء بتحمل مسؤولية أكبر ليست مجرد رغبة في تخفيف الأعباء المالية، بل أيضاً محاولة لاختبار مدى استعداد أوروبا للتحول من مستهلك للأمن إلى منتج له. غير أن هذا التحول يواجه عقبة أساسية تتمثل في غياب رؤية استراتيجية أوروبية مستقلة. فالدول الأوروبية تتفق على ضرورة تعزيز الدفاع، لكنها تختلف حول طبيعة التهديدات، وأولويات الإنفاق، وحتى مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة. التقارير
في الوقت نفسه، لا ينبغي إغفال البعد الاقتصادي. فكل زيادة في الإنفاق الدفاعي الأوروبي تفتح أسواقاً جديدة أمام شركات الصناعات العسكرية، التي تمتلك الولايات المتحدة فيها تفوقاً واضحاً. وبذلك، يتحول الضغط السياسي لرفع الموازنات الدفاعية إلى فرصة اقتصادية تعزز مكانة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وتضمن استمرار النفوذ الأمريكي حتى مع تقليص الوجود العسكري المباشر. الدفاع ـ الناتو
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية هو: هل يؤدي هذا التحول إلى استقلالية أوروبية أكبر؟
الإجابة ليست بسيطة. فمن جهة، يدفع تقليص المظلة العسكرية الأمريكية الدول الأوروبية إلى الاستثمار في قدراتها الذاتية. لكن من جهة أخرى، إذا بقيت هذه القدرات معتمدة على التكنولوجيا والذخائر والأنظمة الأمريكية، فإن الاستقلال سيظل جزئياً، وسيبقى النفوذ الأمريكي قائماً وإن تغيرت أدواته. الاتحاد الأوروبي
في النهاية، ربما لا يوجد خلاف كبير على أن الولايات المتحدة في انحدار على المستوى العالمي٬ وإن كانت تملك كل مكونات القوة الشاملة-باستثناء الأخلاقية طبعا- إلا أن دورها في أوروبا لا يتراجع كثيراً بقدر ما يشهد إعادة تعريف له. النفوذ لم يعد مرتبطاً فقط بعدد الجنود المنتشرين أو حجم القواعد العسكرية، بل بالقدرة على صياغة خيارات الحلفاء وربط أمنهم بمنظومات يصعب الاستغناء عنها. وهذه هي المعادلة التي تحاول واشنطن ترسيخها اليوم: وجود عسكري أقل، وتأثير استراتيجي أكبر. لذلك، فإن قمة أنقرة قد لا تُذكر مستقبلاً بسبب ما سيعلن فيها من صفقات أو مبادرات، بل لأنها تعكس بداية مرحلة جديدة في العلاقات عبر الأطلسي، حيث تتغير أدوات القيادة الأمريكية من دون أن تتخلى عن جوهرها. فالولايات المتحدة لا تغادر أوروبا، وإنما تعيد رسم الطريقة التي تبقى بها القوة الأكثر تأثيراً في أمنها.
رابط نشر … https://www.europarabct.com/?p=120531
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
