دراساتمحاربة التطرف

كيف أعاق التضخم والضخ الأيديولوجي المتطرف تقدم الدول العربية؟

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

إعداد:د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب- أستاذ بجامعة أم القرى بمكة

منذ أن أشرق نور الإسلام حرر الإنسان من كافة القيود إلا لعبادة الله وحدة دون إكراه، وانتقد الغلو، وحذر أمة الإسلام من السير على غلو من سبقهم ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل).

أي لابد من التوازن بين كليات الدين، وأخذ جانبا منه وجعله الدين كله غلو، والغلو معناه مجاوزة الحد والحد هو النص الشرعي ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا )

( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ) ( فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) لأن الإسلام ليس فقط قناعات فعن العباس رضي الله عنه أنه سمع الرسول صلى الله عليه وسلم يقول ( ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا ) رواه مسلم.

الغلو في الدين نوعان اعتقادي وهو الأخطر وغلو عملي، وهذا الغلو الخفي والخطر الذي يتسبب في الانحراف عن وسطية الإسلام والدخول في مرحلة التطرف، وقد حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله ( يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) سنن ابن ماجة.

بعد انهيار الخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، واستعمرت المنطقة العربية، كان هناك فريقان، فريق سعى لتحرير الأراضي العربية، بينما سعى الفريق الآخر لاستعادة الخلافة الإسلامية، واعتبرها ثابتا من ثوابت الدين، ودخلت جماعة الإخوان المسلمين مع جمال عبد الناصر صاحب مشروع القومية العربية في صراع مرير حتى مجئ الصحوة الإسلامية التي تزامنت مع الثورة الخمينية في إيران والجهاد في أفغانستان.

تلك مشاريع متداخلة أرادات أن يتصدر العرب والمسلمين حركة التاريخ وصناعته من جديد، لكن كانت الآليات مختزلة ومقتصرة على أسلمة الحياة دون الأخذ بأسبابها، هذا من جانب.

والجانب الآخر الدخول في صراع حضاري بدلا من سباق حضاري عندما أكسبت الأدبيات الإسلامية ودعمتها بنظرية المؤامرة عندما أولوا قول الله سبحانه وتعالى ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ) ولم يعيدوا تلك الآية إلى الآية المحكمة الأخرى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم )

والآية الأخرى التي لا تبيح قتال إلا من يقاتل المسلمين مع القدرة ( وقاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) وأغفلوا الأخذ بقول الله سبحانه وتعالى ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ).

هناك تعسف في التأويل واعتبار أن آراؤهم مقدسة وكذلك مراجعهم، واتهام كل من يخالفهم الرأي بالعلمانية بل والزندقة وربما الخروج من الملة وهدر دمه كمرتد إن لم يتوب.

لم يستوعب مثل هؤلاء المؤدلجون غير الواعين في جلب أجواء الاستقطاب والعداء، وعندما فند القران الكريم آراء المشركين ورد عليها بل وجه القران الكريم نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) لم ينسب الرسول صلى الله عليه وسلم الحق له والضلال لهم وهو تشريع لنا.

أي أن الإسلام يحرص على كسب ود غير المسلمين دون إفراط في إذكاء الخلاف، ودون تفريط في الثوابت، لكن القران الكريم الذي لا ينطق عن الهوى يضع نفسه بمساواة المشركين على طاولة الحوار ( وإنا أو إياكم )، لكن أدبيات التطرف أدت إلى بث روح الكراهية والعدائية ورفض الآخر مثل حمل شعارات الموت لأمريكا رغم أنها مجرد شعارات دعائية لتجييش الشعوب لكنها ساهمت في عزلتهم واستهدافهم وتصبح مجتمعاتهم أيضا مستهدفة.

و بعد ما تسمى بثورات الربيع العربي في عام 2011 أتى خطاب رئيس الوزراء التونسي الأسبق حمادي الجبالي أمام أنصار حزب النهضة في كلمة حماسية قائلا ( يا إخواني أنتم الآن أمام لحظة تاريخية، أمام لحظة ربانية حضارية جديدة، في الخلافة الراشدة السادسة إن شاء الله مسؤولية كبيرة أمامنا والشعب قدم لنا ثقته ليس لنحكم لكن لنخدمه) بعدها بشهور أطيح بحكومة النهضة الإخوانية.

لم يختلف عن هذا الخطاب الذي كرره صفوت حجازي أمام جماهير محتشدة في أحد المؤتمرات في مصر قائلا إن حلم دولة الخلافة سيتحقق على يد هذا الرئيس وسنؤسس الولايات المتحدة العربية وأن دولة الخلافة سيؤسسها مرسي، ستكون عاصمتها القدس، لكن قبل أن يكمل مرسي عامه الأول في السلطة خرجت الملايين مطالبة بانتخابات رئاسية مبكرة إثر انتفاضة 30 يونيو 2013.

حال حلم الخلافة لم يكن حلم جماعة الإخوان المسلمين حصريا بل كان حلم يعشعش في العقلية الجمعية لكثير من الإسلاميين عموما على اختلاف مشاربهم والتي تشربتها أيضا الشعوب التابعة التي تمثل حواضن لتلك الجماعات، تسبب هذا الحلم في أزمتين، الأزمة الأولى تتعلق بفهم وقراءة التاريخ.

والثانية تتعلق بعلاقة الإسلاميين الذين يؤمنون بهذا الحلم بالعالم ومدى احترامهم للنظام الدولي الذي وقعت عليه دولهم وهو بمثابة احترام للعهود والمواثيق التي أكد عليها الإسلام مما يحرج دولهم أمام العالم.

الغريب أن الإسلاميين يغفلون رد الجويني على الماوردي في القرن الخامس الهجري حين توقع الجويني أن الخلافة اختفت ولن تتكرر في القرون اللاحقة وهي مرحلة من مراحل نظم الحكم بل هناك من يرفض تسمية الدولة العثمانية بالخلافة.

بسبب تمسك الإسلاميين بتوريث الخلافة غيب تطبيع مشاعرهم مع الواقع الجيوسياسي  الذي سيترتب عليه غياب الخلافة، ونظرة الإسلاميين للخلافة بأنها تتمتع بالطهرية الموروثة من عهد الصحابة التي مكثت 34 عاما فقط، لكنهم تغافلوا عن أحاديث كثيرة ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم عن نظم الحكم المتوالية عبر العصور.

كما في حديث النعمان  تقسيم الرسول صلى الله عليه وسلم الزمان إلى نبوة ثم خلافة راشدة ثم ملكا عاضا ثم ملكا جبريا ثم تعود خلافة راشدة ثم سكت الرسول صلى الله عليه وسلم وكما في الأحاديث عودة الخلافة عند مجئ المهدي رغم أن الألباني ضعف حديث خروج المهدي.

لذلك هيمن على العقل الإسلامي السياسي أفكار ونظريات وممارسات خلال العقود الماضية ما جعله يتخلى عن الإنسان بعدما سحقه وقصره لصالح الدولة أو نظامها السياسي المؤدلج.

أيضا استطاع الخطاب الجهادي المتطرف تفوقه على بقية أشكال المواجهة التقليدية، خصوصا ونحن نسمع عن تجديد الخطاب الديني منذ عقدين من الزمن منذ عام 2001 بعدما أطلق عليه القاعدة غزوتي واشنطن ونيويورك، رغم ذلك اتسعت دائرة التشدد منذ ذلك الحين.

وولد التطرف الذي بدوره ولد العنف الفكري والتشدد الذهني الذي أنتج للمنطقة وللعالم الإرهاب الذي استخدم كأهم أداة من قبل استخبارات دول إقليمية ودولية، وتم استخدامهم كخناجر في خواصر يراد بها أهداف سياسية تخدم الاستراتيجيات الكبرى للأقطاب الدولية.

لكن بعدما أصبح الإرهاب خطره غير محدود وشمل جميع أنحاء العالم، عندها بدأت هناك ملامح إرادة دولية للقضاء على الإرهاب، وعلينا أن نكون نحن المبادرين حتى لا نستمر في دائرة الاستهداف بحجة محاربة الإرهاب في دولنا بعدما ترك الإرهاب ينمو وتم دعمه من قبل دول عديدة ما دامت الدول العربية نفسها لم تواجه التشدد والتطرف الذي يتحول إلى بيئات محفزة للإرهاب وترمي باللائمة على الغرب ويرمي الغرب في المقابل باللائمة على العرب.

يجب أن يتصل مراجعة خطاب التشدد بمؤسسات التنشئة يمكن أن نطلق عليه عملية الضبط الاجتماعي، لأن العملية التلقينية التي اتبعت في العقود الماضية أنتجت أجيالا تابعة تستجيب لخطاب التشدد دون التمعن في محتواه.

بسبب أن العملية التلقينية قللت كثيرا من إعمال العقل في النقل وفي النصوص التي يعتمد عليها خطاب التشدد والتي توقفت عند تفسير النصوص وفق مدرسة واحدة، من أجل فقط أن يكون تابعا وإيجاد جموع شعبية تابعة لفكرهم خصوصا إذا كان هناك دعاة يجيدون فنون التجييش والحشد التي تجري عبر وسائل الإعلام المتنوع والتي يتعاملون معها بعواطفهم لا بعقولهم حتى تخلق فرصا تشجع على بروز جماعة أو جماعات من الساخطين المتعصبين الغاضبين والمتشددين.

لكن إذا كانت هناك أجيال تجيد فنون الإبداع فيصعب عليهم تطويعهم، لأنهم بذلك يرفضون الخطاب المتشدد والمتعصب للرأي الواحد، لأنه يعتبر آراء المدارس الأخرى غير صحيحة، ولأنه يحتكر الحق والصواب، وينصب من نفسه حكما وقاضيا على سلوك الآخرين، وكأنه يمتلك باب الجنة وربما مفاتيحها.

حتى ولو كانت مخالفة للفهم الواسع المرن للدين الإسلامي، ويرفض حالة الآحادية الفكرية في الاختيار التي تنزع نحوها التيارات المتشددة، وهي لا تخدم طرحا إنسانيا أو تعايشا إيجابيا بل يولد فتنا ويقود إلى كوارث مجتمعية واقتصادية.

يجب أن تضطلع مؤسسات الضبط الاجتماعي بعدما تبدأ بالنشء ومنظومة التعليم ثم تنتقل إلى منظومة الإعلام والثقافة من أجل إعادة ضبط هذا الخطاب بعدما كان مستهدفا من قبل الخطاب الديني المتشدد وتوجيهه الوجهة التي يراد لها من خلال فرض الوصاية عليه.

الأيديولوجية تأتي من الدور الخطير للمعلم والواعظ والإعلامي والمثقف المفخخ بالأيديولوجيات المتشددة، بينما يفترض كل من لديه علاقة بالمجتمع أن يتم التحقق من هويته الفكرية والحركية ومنعهم من استغلال فقه النوازل.

علينا أن نكون أكثر جرأة بان خطاب التشدد والتطرف الحركي ارتبط ارتباطا مباشرا بالإرهاب، ولا ينفع مع هذا الخطاب سوى الخطاب الإنساني حتى وإن تأخرنا في المواجهة، لأن الخطاب الإنساني الذي هو محور هذا الدين الذي يدعو إلى نشر قيم التسامح والتعايش بين بني البشر عبر الأخوة الإنسانية دون أدنى التفاتة للفروقات الطبيعية ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ).

حتى الغرب منذ القرن السابع عشر كانت لديه مراجعات فكرية، وتوصل إلى العلمانية من أجل وقف النزاعات بين الجموع، وأراد أيضا تنزيه الدين ورفع مقامه عن النزاعات، وإيجاد مناخ أكثر دنيوية، لذلك يعتبر برناد لويس أن الإسلام دين تواصلي وليس انفصالي كما هو حال المسيحية التي وجدت الحل في العلمانية التي تفصل الحياة عن الدين، في حين أن بنية الدين الإسلامي لا تعاني من تلك الإشكالية بحكم أنه يراعي تلك العلاقة، ويضع لها حدود.

ففي العلاقات الدينية فقال الله سبحانه وتعالى ( فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) لكن في أمور الحياة فقال الله سبحانه وتعالى ( فاسأل به خبيرا ) ( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا )، أي أن الإسلام يحترم توزيع السلطات وفق هذه الآيات التي تم ذكرها.

حاولت أوربا توزيع السلطتين الروحية والزمنية بين البابوات والأباطرة في عهود الإمبراطوريات المقدسة الرومانية والبيزنطية والجرمانية ثم بين البابوات والملوك ثم انبلاج فجر الحداثة بعد الحروب الدينية في مؤتمر وستفاليا في 1644 وضم 135 عضوا بما فيهم رجال اللاهوت والفلاسفة أنهت حرب الثلاثين عاما في الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وحرب الثمانين عاما بين اسبانيا ومملكة الأراضي المنخفضة المتحدة، وهو أول اتفاق دبلوماسي في العصور الحديثة أرسى نظاما جديدا في أوربا الوسطى مبنيا على مبدأ سيادة الدول ( الدولة القومية ).

وكانت مراجعة الغرب في القرن الثامن عشر في عصر سيادة فلسفة عقلية تجريبية مادية، ترفض الدين وتهتم بالرياضيات والفلسفة وعلوم الطبيعة، وتثق ثقة مطلقة بالعقل البشري، لكن دعا جان جاك روسو إلى العودة للجوهر الروحي إلى الحياة الأخلاقية، فرفض أن تستقي مبادئ إلزام خلقي عامة من وحي مذاهب الفلسفة في عصره وفي غيره من العصور.

ووجد أن الأخلاق في تلك الغريزة الربانية التي حبتها الطبيعة للناس أجمعين، ولابد أن يقوم به النشاط العقلي في العملية الشاملة لبناء حياة أخلاقية، وفي رسم ملامحها على المستويين الفردي والجمعي النظري والعملي.

فجان جاك روسو وضع الأخلاق فوق العلم وأفهم الغرب أن العلم دون أخلاق أو ضمير أو نزعة إنسانية لا يساوي شيئا، وهذا ما انحرفت عنه الحضارة الغربية لاحقا، وفقدت بريقها ومصداقيتها في أعين الشعوب الأخرى لذلك هي في فرح شديد عندما تجد أن لدى فئات من المسلمين مثل هذا التشدد وهي ترعى مؤسساته منذ زمن طويل بحجج حرية الفكر.

بسبب أنها أيضا فشلت في السير على خطى كانط عام 1784 الذي قاد كيفية الخروج من الفهم المتزمت والظلامي للدين المسيحي، وإيمانه بالله حرره من الخوف من القلق من النهاية القصوى أو الخوف من الموت، وكان يؤكد على أن العقل لا يمكن إلا ظواهر العالم المادي والقوانين التي تتحكم بالكون، وهذا ليس بالشيء القليل .

ولكن لا يمكن للعقل أن يفهم العالم الموجود خلف الظواهر المادية المحسوسة أو ما يطلق عليه اصطلاحا بالعالم الميتافيزيقي وذلك على عكس ما توهم الفلاسفة السابقون واعتبر العقل المتوهم الذي يعتقد أنه قادر على فهم كل شىء بما في ذلك العالم الآخر، وهذه المشكلة لا يعاني منها المسلمون.

فهل بعدما عانى العالم من ضخ الأيديولوجيات نحو المنطقة العربية فهل يتوقف عن دعمها وتدخله في المنطقة من اجل ذريعة مواجهة الإرهاب؟ وعلى المنطقة العربية أن تكون جادة لوقف تضخم هذه الأيديولوجيات أو ضخها في منطقتها؟.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

رابط مختصر :https://wp.me/p8HDP0-bOH

د.عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب

Dr_mahboob1@hotmail.com

3

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق