اختر صفحة

كتب بشير الوندي، باحث متخصص في العلوم الامنية

المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات
مباحث في الاستخبارات (55)

مدخل

اجهزة الاستخبارات في كل دول العالم هي اجهزة شرعية حكومية  تعمل بوسائل لاغنى عنها الا انها مشروعة وغير مشروعة , وهي تخرق يوميا الكثير من الانظمة والقوانين في بلدها وفي محطاتها الخارجية .
وأحد مظاهر اعمالها غير المشروعة الهامة (والتي لاغنى عنها لإستتباب الامن) هو التنصت لاسيما في بداية خيوط القضايا (هنالك التنصت القانوني الذي يتم بأمر القضاء في مرحلة العمل الأمني الشرطوي التحقيقي).
وبرغم ان التنصت عمل غير قانوني , الا انه في داخل الاستخبارات يحتاج إلى قرارات إدارية صارمة وموافقات من القيادة الاستخبارية لاسيما فيما يخص التنصت داخل البلد سواء على شخصيات أو مسؤولين،اوالتنصت على السفارات والأجانب .
والتنصت عمل فني من صلب العمل الاستخباري ، له تداعيات خطيرة اذاما تم تسييسه (كما في فضيحة ووترغيت), ومن هنا أهمية تحييد العمل الاستخباري عن أية ميول حزبية , كما يعد التنصت من اقدم اعمال الاستخبارات والتجسس والتي (برغم التطور التكنولوجي الهائل) لم تتغير في ان تكون احد ابرز منتجات الاستخبارات في العالم واصبحت لها اساليب وآليات وخدمة تكنلوجية كبيرة .
ان  الاستخبارات الفنية في اجهزة الاستخبارات تعمل على ستة محاور هي :الاستشعارية والاشارة والالكترونية والرقمية والاعتراضية واستخبارات النظم , والتي توفر 20% من مجموع المعلومات الاستخبارية (راجع الحلقة 11 من هذه السلسلة ), ومايهمنا هنا هي استخبارات الاشارة .

انواع ومحاورالتنصت

ينقسم التنصت من حيث الاداء الى نوعين اساسين هما :
1- تنصت بشري : وهو معمول به منذ القدم من خلال وجود شخص بأية صفة كانت على مقربة من الهدف كالسائق او الخادم او المرافق او احد المستشارين او المساعدين,  وهو عبارة عن عنصر بشري أياً كان منصبه صغيراً اوكبيراً ,ويكلف بالاستماع لكل الحوارات والحديث الخاص واللقاءات وما يدور من كلام في المجالس الخاصة , وهذا العمل من اعمال (الخدمة السرية).
2- تنصت تكنولوجي : يتم من خلال التكنولوجيا وهو الآن الاكثر شيوعاً وهو من اهم واجبات الذراع الفني (وليس الخدمة السرية), وينقسم الى مجموعة انواع منها زرع الميكرفونات في المكاتب والعجلات والمنازل او التنصت على الهاتف الارضي اوالنقال او التنصت على الاتصالات العسكرية او الهواتف الخاصة المرمزة في قيادة البلد او التنصت عن بعد من خلال اجهزة حديثة تلتقط الكلام عن بعد , وكلها تدخل في الجهد الالكتروني والتكنلوجيا الفنية , وهو من اكبر اذرع الاستخبارات لكسب المعلومات.
وبالطبع فإن رسائل الموبايل تزيد كثيرا على الاتصالات , ومن هنا فان اعمال التنصت التقني تشمل هنا الرسائل الالكترونية استثناءا عن التجسس على الصوت ضمن اعمال الدوائر الاستخبارية الفنية .
ويتم  التنصت بثلاث محاور هي :

1- التنصت المهدّف :على نبرة الصوت.
2- التنصت النقطوي: اي على رقم هاتف معين.
3- تنصت قاموس المفردات : من خلال وضع مجموعة من الكلمات المهمة التي ماإن تقال في اية مكالمة فإن اجهزة التسجيل تدور اوتوماتيكياً مثل ( البيت الابيض ,داعش, اسرائيل , اسماء القادة والزعماء , تفجير , تزوير , قتل , اغتيال , وغيرها )ويتم اختيار المفردات في كل بلد وفق معطياته .
وقد تحولت عملية التنصت من التنصت الفردي النقطوي الى التنصت الشامل والعام فكل الدول تتنصت على جميع المكالمات الخارجية , فبمجرد ان تضغط على الارقام الاولى الخاصة بالاتصال الخارجي ( الصفرين ) فإنّ الاتصال يخضع للتنصت مباشرةً.
وبحسب اخر تقديرات فان المكالمات والاتصالات الهاتفية وبكل اشكالها تقدر بحوالي مليار ونصف اتصال ومكالمة يوميا يضاف لها الحجم الهائل من  الرسائل النصية ,لذا طورت الاستخبارات المحترفة عملها في مجال التنصت من مراقبة كل الاتصالات (وهي عملية غير قابلة للتنفيذ) الى تخصيص المراقبة, فاصبحت الاجهزة تتنصت على نبرة الصوت للشخص المستهدف ايا كان هاتفه او شكل اتصاله او الوسيلة التي يتصل بها.
وعمدت الدول المتقدمة هيكليا الى تأسيس دائرة  فنية كبيرة في جهاز استخباري واحد فقط او جعلها جهازا استخبارياً مستقلا لتحصر الاهداف والامكانيات والتقنيات والفنيين فيها بشكل متمركز وتمنع تكرار المراقبة الفنية او تشعبها او تداخلها.
=
تقنيات التنصت ومحاذيرها

ان تنوع اجهزة التنصت عالم كبير حيث استطاعت الشركات المختصة بالتكنولوجيا الامنية صناعة انواع واحجام واشكال متنوعة في هذا المجال , قد لايصدقها العقل من حيث الامكانية والتطور وصغر الحجم , واصبح زرع المكرفونات من الماضي تماما.
ومن هنا كان لابد من خضوع كل القادة والآمرين العسكريين والأمنين لضوابط التبليغ عن كل هدية تقدم لهم خوفاً من وجود اجهزة تنصت او كاميرات فيها , فتعمد الاجهزة الفنية الاستخبارية لفحص الهدايا ( الملابس ,احذية , ساعة, هاتف نقال , نظارة , حقيبة , قلم , تلفزيون , جهاز منزلي ,  كتاب ,الخ) .
كما تتخذ الدول مجموعة صارمة من الاجراءات الاخرى خشية سرقة اسرارها , منها انها تُخضع الدول مشترياتها العسكرية للفحص والتدقيق خوفاً من وجود اجهزة تنصت وتسجيل فيها , وتقوم الاجهزة العسكرية والامنية باستخدام اجهزة لاسلكي ضمن المديات المحدوده لتجنب التنصت عليها , كما تُستخدم الهواتف المشفرة الارضية في غرف العمليات المهمة , ويحظر على الموظفين (واحياناً المسؤولين ) ادخال اجهزتهم النقالة الى الاجتماعات الهامة.
وتخضع كل غرف القادة الامنين والعسكريين والاستخبارات وكبار رجال الدولة للمسح الامني الدوري لتشخيص اية خروقات او تصنت, وفي ذات الوقت تقوم الاستخبارات بزرع مايتيح لها المراقبة المستمرة , كما يمنع استخدام ارقام هاتف متسلسلة في مؤسسات الدولة لتجنب مراقبتها , وتسجل الاستخبارات كل المحادثات الصادرة من اجهزة الاسلكي التي يستخدمة القادة في العمليات العسكرية لتدقيقها وتحليلها فيما بعد , وغالبا ماتكون هذه المراقبة معلومة للقادة لملاحظة الاوامر ودقتها واسلوب تنفيذها.
ونلفت الانتباه هنا الى مغالطة علمية كثيرا ماتتكرر على الاسماع , وهي  ما يتصوره البعض من ان اجهزة النقال مزروع فيها اجهزة تنصت من قبل الشركات المصنعة , وهذا ليس صحيحاً .
فتلك الشركات تبحث عن المال والزبائن والربح وليس التجسس , وهي تمنع اي استثمار لسوقها من قبل اجهزة الاستخبارات , لكن بنفس الوقت, فإنّ الاستخبارات تطور (من خلال شركات متخصصة ) تقنيات تتناسب مع حجم الاتصالات والتطور الفني فيها , مما يمكنها من السيطرة او الاستفادة من تكنولوجيا الاتصالات لصالحها.

التنصت ومكافحته في العراق

التنصت في العراق يفوق التصور , ولايستبعد ان تستطيع مخابرات اية دولة ان تتنصت على العراقيين بحكم فوضى ملكية شركات الاتصالات.
وحتى الخدمة المحدودة التي اقامتها بعض اجهزتنا الاستخبارية في مجال التنصت , فهي في الغالب مُستثمَرة للتجسس السياسي على المنافسين السياسيين فقط وليست لحفظ الامن , مما شجع وزيرا لوزارة خدمية ان يهدد المدراء العامين ووكلائه بأنه يستمع لكل مالكالماتهم بحكم صداقته مع رئيس احد اجهزة الاستخبارات.
توجد في العراق اكثر من 18 مليون شريحة اتصال والهاتف الارضي وأكثر من اربعة ملايين اشتراك نت , تنتج عنهم ملايين الاتصالات الداخلية والخارجية , فمن يراقب هذا البحر الهائج؟؟ واية جهة مسؤولة عنه ؟؟ومن

يستمع لهذا الكم من الاتصالات ؟؟ومن المستفيد؟؟ وهل الحكومة تعي الخطر؟؟ وهل هذه الفوضى لصالح البلد وامنه ؟؟!!!.
لقد اكدت اجهزة استخبارات عالمية متقدمة ان داعش يستخدم التكنولوجيا والهكرز بشكل خطير , ولانستبعد استطاعتهم اختراق الكثير من الاتصالات العسكرية والحكومية الحساسة بالاضافة الى استخدام التكنلوجيا لنقل اموال وتنظيم شبكات معقدة من خلال الاستعانة ببعض خبراء الإنترنيت والتكنلوجيا, بينما  لا نستطيع نحن كحكومة واجهزة استخبارات من استخدام التقنيات الفنية المهمة للسيطرة على فوضى الاتصالات والمعلوماتية والتجسسية.

وللاسف, فان البرلمان العراقي لازال يمنع اي قانون للتنصت بحجة تعارضه مع حرمة الناس والحرية , وهو عاجز عن حفظ حرمة الدم العراقي المستباح مما جعل اجهزتنا الاستخبارية تضع القسم او المديرية الفنية شكلاً لاستكمال الملاك, فإلى اليوم, لا تعرف الدولة الجهة الاستخبارية المعنية بمكافحة التنصت او بالتنصت .
ولاشك ان حجة البرلمان واهية لان المقصود هو التجسس لحفظ المواطنين وليس التجسس على المواطنين كما كان في عهد القبضة الامنية الصدامية.

كما ان التخوف من عدم التشريع  البرلماني للتنصت هو الاخر واهٍ , فعليهم ان يتذكروا ان اغلب اجهزة استخباراتنا تعمل بلا تشريع البرلمان , حتى ان اصل المؤسسة غير مشرعة بقانون ,واغلب المناصب الامنية والعسكرية والاستخبارية هي بلا تصويت البرلمان .
بل ان هنالك رجل هو بمثابة سوبرمان يحكم ثلاث مؤسسات امنية منذ ما قبل سقوط الموصل والى الآن وهو بلا تصويت من البرلمان وبرغم ذلك يعطى صلاحيات اعلى من وزير الداخلية والدفاع ويرأس اجتماعات يكون اعضائها وزيري الداخلية والدفاع وياليته كان يفقه في الامن او الاستخبارات او في فن الحرب .
ويوميا يطل علينا مسؤول حكومي يطالب زيادة الجهد الاستخباري ولايعلم كيف يتم زياده الجهد , فعدم وجود مؤسسة فنية مختصة بمراقبة الاتصالات والتنصت والمكالمات والرسائل يعيق التطوير الاستخباري ويصيبه في مقتل, لاسيما في فوضى استخبارية لاحدود لها .
فالسجون عندنا تدخل اليها الهواتف ويتصل الارهابي المجرم من داخل السجن ويدير العمليات ولم نجد حلاً الى الان لمنع رشوة السجانين بينما يكفي شراء جهاز صغير لا يكلف اكثر من 500 دولار لقطع كل امكانية الاتصالات داخل السجون .

اما المسؤول العراقي فيتكلم عن كل شيء على الهاتف بشكل مفتوح بلا خوف او محاسبة ,  ويتحدث بكل صغيرة وكبيرة سواء كانت معلومات امنية وسياسية دونما حذر من تنصت العدو او محاسبة الامن , بينما يدرك زعماء الارهاب المخاطر التقنية فهم لا يقتربون من الاتصالات والتكنولوجيا حفظا لأمنهم .
وقبل عامين فقط ,نشرت قناة البغدادية اتصالات القادة اثناء سقوط الموصل , وكانوا يستخدمون الهاتف النقال وليس الاجهزة العسكرية الخاصة ويتكلمون بلا شفيرة او رموز بكل وضوح وصراحة , وهذا يكفي في الدول المحترمة ان يحال الضابط الى المحاكم المختصة خاسرا كان او منتصرا , لانه لم يراعِ اصول الامن في الاتصالات.
ان قوات مسلحة كجيشنا بهذا الحجم الذي يزيد عن مليون ونصف المليون مقاتل بلا رقابة فنية وتنصت على اتصالاتهم بكافة المستويات , مما يعني انفلات وفساد وخيانة وبيع مناصب وبيع معلومات وتجسس وفوضى وانتاج للعصابات والتكتلات داخلها.

فلو دققنا في الهدايا التي تلقاها القادة الامنيين والعسكريين ورجالات الدولة فقط لتم الكشف عن ان الكثير من تلك الهدايا فيها اشارات GPS  واجهزة تنصت وحتى تصوير  , وحتى بيوت كبار المسولين وعجلاتهم لا تخضع للتدقيق الدوري من قبل جهاز امني لغرض الكشف عن لاقطات وكاميرات.
حتى مشتريات اجهزة الاتصالات العسكرية والشرطوية لا تخضع لأية رقابة فنية , ويكفي ان تشتري جهاز اتصال من الاسواق لتستمع الى نداء الشرطة والنجدة والاجهزة الامنية وانت في البيت , وكل العاملين في مراكز النداء ومراكز البرقيات العسكريه والامنية ايضا بلا رقابة وكذا الامر مع الاتصالات الخارجية .

والغريب ان شركات الاتصالات في العراق ايضا لاتخضع لاية رقابة , بالاخص غرف العمليات, وحتى كبار المهندسين العاملين فيها يحملون جنسيات بلدان مختلفة , اي ان شركات الاتصال تربح اموالا هائلة ولاتخضع لرقابة امنية او اية محددات تمنع التنصت او التجسس او اية رقابة على متعددي الجنسية او الفنيين او التقنيين العاملين فيها داخل البلد.
كما لانستغرب ان  تكون لبعض السفارات الاجنبية وقنصلياتها في بغداد والمحافظات قدرات تنصت تفوق قدرات جميع اجهزتنا الامنية.,

خلاصة

لقد كانت اجهزة  صدام تتنصت على الجميع من القادة حتى المواطن العادي , وكانت التسجيلات تشمل عوائلهم , بالرغم من ان الهواتف كانت ارضية فقط والتسجيل ورقي ومرهق , الا انه كان حريصاً على الايغال بالتجسس على المواطنين والمشكوكين والقادة وزوجاتهم واهالي المعدومين والهاربين , فكان تجسساً بالضد من المواطن لتقييد حريته.
اما مانعنيه فهو عمل من نوع اخر يشمل التوقي من تنصت العدو على اسرارنا وفي ذات الوقت التنصت على العدو والعدو المحتمل وعلى الاتصالات المشبوهة واتصالات القادة العسكريين والاجانب والعصابات وغيرها , وهو تنصت في صالح المواطن.
ان العراق قادر على ان يمتلك جهازاً فعالاً للتنصت او بناء مؤسسة فنية حقيقية اذا ما كانت الدولة جادة في تطوير الجهد الاستخباري , فبعض الدول هي دول فقيرة وتعدادها السكاني ضخم لكنها لاتستغني عن رقابة وتنصت ومكافحة للتنصت افضل من العراق بمراحل , ومثال ذلك مصر.

فالاستخبارات بلا تنصت يعني انها  استخبارات فاقدة للمعرفة, والله الموفق.