المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ جاسم محمد، باحث في الأمن الدولي والإرهاب ورئيس المركز الأوروبي https://x.com/jassim__press ECCI
أعادت موسكو ملف كالينينغراد إلى واجهة التوتر بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، بعدما وجهت تحذيرًا إلى الناتو من مغبة محاولة عزل الإقليم الروسي عن بقية الأراضي الروسية يوم 30 سبتمبر 2026، مؤكدة استعدادها لاستخدام كامل قدراتها العسكرية، بما فيها السلاح النووي، إذا تعرضت أراضيها لما تعتبره تهديدًا مباشرًا. ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه منطقة البلطيق تعزيزًا للوجود العسكري للناتو، وتزايدًا في عمليات المراقبة والاعتراض الجوي والتدريبات العسكرية. وتكشف التطورات الأخيرة أن كالينينغراد أصبحت أكثر من مجرد قضية جغرافية روسية؛ فهي نقطة اختبار لمعادلة الردع بين موسكو والناتو، ولقدرة الطرفين على إدارة المخاطر دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. الأمن والدفاع الأوروبي ـ “ممر سوالكي”، محور استراتيجي لأمن “الناتو”
كالينينغراد.. الجيب الروسي على بحر البلطيق
تُعتبر كالينينغراد إقليمًا روسيًا منفصلًا جغرافيًا عن الأراضي الروسية الرئيسية، يقع على الساحل الجنوبي الشرقي لبحر البلطيق بين بولندا وليتوانيا، ويبلغ عدد سكانه نحو مليون نسمة. وتعود أهميته التاريخية إلى مدينة كونيغسبرغ، التي كانت عاصمة بروسيا الشرقية، قبل أن تنتقل المنطقة إلى الاتحاد السوفيتي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وفق ترتيبات مؤتمر بوتسدام عام 1945، وتُعاد تسمية المدينة لاحقًا باسم كالينينغراد.
وخلال الحقبة السوفيتية تحولت المنطقة إلى موقع عسكري متقدم، واستمر هذا الدور بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، إذ أصبحت جزءًا من روسيا الاتحادية وقاعدة رئيسية لأسطول البلطيق، وتضم قدرات صاروخية ودفاعًا جويًا وطيرانًا عسكريًا.
ويمنحها موقعها المتقدم أهمية استراتيجية في الحسابات الروسية المتعلقة بأمن بحر البلطيق وشمال أوروبا، لكنه في الوقت نفسه يجعلها شديدة الحساسية في أي أزمة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي، نظرًا لانفصالها الجغرافي عن البر الروسي وإحاطتها بأراضي دول أعضاء في الناتو والاتحاد الأوروبي، ما يجعل قضايا الاتصال والإمداد والحركة العسكرية عناصر أساسية في التوازن الأمني المحيط بها.، أمن دولي
تمثل كالينينغراد قاعدة متقدمة للوجود الروسي في بحر البلطيق، وتضم عناصر مرتبطة بأسطول البلطيق وقدرات جوية وصاروخية ودفاع جوي. كما أن وجود منظومات صاروخية روسية قادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية يجعل الإقليم عنصرًا مهمًا في الحسابات الروسية للردع. ولهذا فإن أي محاولة لتغيير الوضع العسكري للإقليم بالقوة تحمل مخاطر تصعيد كبيرة، خصوصًا في ظل قربه من بولندا وليتوانيا وارتباطه الجغرافي بممر سووالكي.
التحذير الروسي
التحذير الروسي الأخير يوم 30 سبتمبر 2026 جاء في وثيقة دبلوماسية غير رسمية اطلعت عليها رويترز، وحذرت موسكو فيها من أن أي محاولة من دول الناتو لعزل كالينينغراد يمكن أن تؤدي إلى مواجهة عسكرية مباشرة، مع الإشارة إلى استعداد روسيا لاستخدام كامل ترسانتها، بما فيها الأسلحة النووية. ويجب قراءة هذا التهديد باعتباره تهديدًا نوويًا مشروطًا في سياق الردع، وليس إعلانًا عن قرار روسي باستخدام السلاح النووي أو مؤشرًا على مواجهة نووية وشيكة. في المقابل، أكد الأمين العام للناتو مارك روته أن الحلف دفاعي، ودعا موسكو إلى وقف التهديدات النووية، وقال إن تقييم الناتو للتهديد الروسي لم يتغير، ولا توجد حاليًا مؤشرات على تهديد وشيك لأراضي الحلف. الأمن والدفاع الأوروبي ـ “جيب كالينينغراد” نقطة ضعف استراتيجية لحلف الناتو
يضع المعهد الملكي للخدمات المتحدة RUSI كالينينغراد ضمن معادلة الردع والتصعيد الأوسع في أوروبا. ويشير الباحثان سيدهارث كوشال وماثيو سافيل إلى أن التصورات الخاصة بحرب محتملة في البلطيق غالبًا ما تتضمن لاحقًا التعامل مع قدرات كالينينغراد، لكن المشكلة الأساسية هي أن روسيا تحتفظ بخيارات تصعيد، بينها القدرات النووية التكتيكية، ما يجعل أي محاولة لتحويل الصراع إلى مواجهة مباشرة مع القدرات الروسية في الإقليم شديدة الحساسية. ويخلص التحليل إلى أن الردع الأوروبي لا ينبغي أن يقوم فقط على القدرة على هزيمة روسيا عسكريًا، بل على التأثير في حسابات موسكو ودفعها إلى إدراك أن التصعيد سيؤدي إلى نتائج أسوأ.
هل توجد خطة لدى الناتو لعزل “كالينينغراد”؟
لا توجد أدلة علنية على وجود قرار من الناتو لتنفيذ حصار أو عزل عسكري لكالينينغراد. ما يقوم به الحلف حاليًا هو تعزيز قدراته الدفاعية على الجناح الشرقي، بما في ذلك المراقبة الجوية والدفاع الجوي والوجود العسكري متعدد الجنسيات في دول البلطيق وبولندا.وتؤكد وثائق الناتو أن مهمة Eastern Sentry تعزز المراقبة والردع على الجناح الشرقي، من خلال مقاتلات وطائرات استطلاع وأنظمة دفاع جوي وقدرات بحرية، بينما يركز Baltic Sentry على حماية البنية التحتية الحيوية في بحر البلطيق. ويصف الناتو وجوده في المنطقة بأنه دفاعي ومتوافق مع التزاماته الدولية. وبالتالي، فإن الفرق مهم بين الاستعداد لاحتواء القدرات الروسية في حال اندلاع حرب وبين امتلاك خطة حالية لعزل الأراضي الروسية.
يرى تحليل لمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS أن أهمية كالينينغراد لا تقتصر على كونها قاعدة عسكرية روسية، بل ترتبط بدورها ضمن منظومة أوسع لمنع وصول قوات الناتو إلى منطقة البلطيق وعرقلة خطوط التعزيز والإمداد. ويشير المعهد إلى أن روسيا قد تعتمد في أي أزمة على مزيج من الصواريخ والدفاع الجوي والحرب الإلكترونية والطائرات غير المأهولة والألغام والعمليات البحرية لجعل بحر البلطيق بيئة شديدة الخطورة، بما يجعل كالينينغراد إحدى نقاط الضعف والحساسية الرئيسية في أي مواجهة محتملة. الناتو وروسيا ـ خيارات الردع والدفاع
ماذا يعني العزل العسكري نظريًا؟
في حال نشوب حرب مباشرة بين روسيا والناتو، يمكن أن تصبح كالينينغراد جزءًا من الحسابات العسكرية المتعلقة بالمجال الجوي والبحري وخطوط الاتصال والإمداد، إضافة إلى حماية دول البلطيق وممر سووالكي. لكن الانتقال من المراقبة والردع إلى قطع خطوط الاتصال الروسية بصورة فعلية سيكون خطوة مختلفة تمامًا؛ لأنها قد تعتبرها موسكو عملًا عسكريًا مباشرًا ضد أراضي الاتحاد الروسي. ولهذا فإن الحديث عن عزل كالينينغراد ينبغي أن يبقى في إطار السيناريو العسكري الافتراضي، لا باعتباره خطة أطلسية معلنة. دفاع
لماذا تعتبر منطقة البلطيق شديدة الحساسية؟
التطورات الجوية الأخيرة تعكس مستوى الاحتكاك في المنطقة. فقد أعلنت وزارة الدفاع الليتوانية أن طائرات الناتو اضطرت بين 21 و27 سبتمبر2026 إلى تنفيذ ست عمليات استجابة وتعريف ومرافقة لطائرات روسية مرتبطة بكالينينغراد، من بينها طائرات Su-30 وSu-35 وSu-24 وMiG-31، بسبب عدم تقديم خطط طيران أو إيقاف أجهزة التعريف في عدد من الحالات.وشهدت كالينينغراد خلال سبتمبر 2026 تدريبات روسية للطيران التكتيكي تضمنت طائرات Su-30SM2 وSu-24M وتدريبات على استخدام الذخيرة الحية، وفق تقارير روسية نقلتها مصادر متخصصة. هذه التطورات لا تعني بالضرورة استعداد الطرفين للحرب، لكنها تؤكد أن هامش الخطأ في منطقة البلطيق أصبح ضيقًا، وأن حادثًا جويًا أو بحريًا يمكن أن يفرض ضغوطًا سياسية وعسكرية متزايدة على الطرفين. أمن قومي
هل يأخذ الناتو التهديد الروسي بجدية؟
يأخذ الناتو مأخذ الجد ولكن بصورة مختلفة عن الاستجابة المباشرة للتهديد النووي. الناتو يتعامل بجدية مع القدرات الروسية، ولذلك عزز دفاعاته الجوية والبرية والبحرية على جناحه الشرقي، وأكد التزامه بالدفاع عن كل شبر من أراضي دول الحلف. وفي الوقت نفسه، لا يتعامل مع التحذير الروسي الأخير باعتباره دليلًا على هجوم روسي وشيك. وقال روته إن تقييم الحلف للتهديد الروسي لم يتغير، وإنه لا توجد حاليًا تهديدات وشيكة لأراضي الناتو. وهذا يعكس معادلة أساسية في الردع: رفع الجاهزية العسكرية من جهة، مع محاولة منع الخصم من تفسيرها باعتبارها استعدادًا لهجوم من جهة أخرى. أمن دولي ـ هل تتجه برلين نحو المواجهة المباشرة مع موسكو؟
ترى دراسة حديثة منشورة في الأكاديمية الأوروبية حول كالينينغراد Small Wars & Insurgencies، أعدها باحثون والأكاديمية الوطنية للدفاع في النمسا وجامعة فروتسواف، أن الخطر الاستراتيجي المرتبط بكالينينغراد لا ينتج فقط من موقع الإقليم أو القوات الموجودة داخله، وإنما من اندماجه مع المنظومة العسكرية الروسية الأوسع في بيلاروسيا ومناطق لينينغراد وموسكو. ولذلك تعتبر الدراسة أن التعامل مع التحدي الذي تمثله كالينينغراد يتطلب رؤية إقليمية منسقة بين ألمانيا وبولندا وبقية دول الناتو الأوروبية، بدل النظر إلى الإقليم بمعزل عن المسرح العسكري الأوسع. الأمن والدفاع الألماني ـ تعزيز دفاعات البلطيق عبر لواء ليتوانيا
قراءة مستقبلية
يمكن تصور مستقبل كالينينغراد عبر مسارات رئيسية، وهو الردع المتبادل، يبقى الطرفان في حالة تعزيز عسكري ومراقبة متبادلة، دون الانتقال إلى مواجهة مباشرة. وهذا هو المسار الأقرب إلى طبيعة المواقف المعلنة حاليًا. أو تصعيد المنطقة الرمادية،اي تزايد الاعتراضات الجوية، والمناورات، والحرب الإلكترونية، والضغوط على البنية التحتية والمجال البحري، دون الوصول إلى حرب مباشرة. وفي هذه الحالة يكون سوء التقدير هو الخطر الأكبر. أو ربما تكون أزمة عسكرية مباشرة، إذا اندلع نزاع روسي ـ ناتوي واسع، فإن كالينينغراد ستصبح على الأرجح إحدى أكثر النقاط حساسية بسبب موقعها وقدراتها العسكرية. عندها قد تدخل مسألة خطوط الاتصال والإمداد ضمن الحسابات العسكرية، لكن أي محاولة لعزل الإقليم ستكون شديدة الخطورة، خصوصًا مع وجود البعد النووي في الخطاب الروسي.
لا توجد، تصريحات موثوقة من الرئيس ترامب تؤيد قيام الناتو بعزل أو السيطرة على كالينينغراد. لذلك لا يمكن تقديم دعم أميركي مفترض لهذا السيناريو باعتباره موقفًا قائمًا. أما على المستوى الاستراتيجي، فقد واصل الناتو التأكيد على أن الولايات المتحدة ملتزمة بالدفاع عن أوروبا، في الوقت الذي تتحمل فيه الدول الأوروبية مسؤولية أكبر عن تعزيز قدراتها الدفاعية. وقال روته في 30 سبتمبر2026 إن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة بالدفاع عن أوروبا بالقدرات التقليدية والنووية.
لذلك، فإن السؤال الأكثر واقعية ليس ما إذا كان ترامب سيؤيد السيطرة على كالينينغراد، وإنما كيف ستتعامل واشنطن مع أي أزمة تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين الناتو وروسيا . وهذا قرار سياسي لا يمكن افتراضه مسبقًا دون موقف أميركي معلن.
“كلينينغراد” ليست مجرد جيب روسي على بحر البلطيق، وإنما عقدة استراتيجية تختبر حدود الردع بين روسيا والناتو. والتحذير الروسي الأخير، بما يحمله من إشارة إلى استخدام السلاح النووي، يمثل تصعيدًا في لغة الردع، لكنه لا يعني أن مواجهة نووية أصبحت وشيكة. وفي المقابل، لا توجد أدلة علنية على أن الناتو يستعد حاليًا لعزل الإقليم؛ بل يركز على تعزيز دفاعاته في دول البلطيق وبولندا وحماية المجال الجوي والبحري والبنية التحتية الحيوية.
ويبقى الخطر الأكبر في المرحلة المقبلة هو تراكم المناورات والاعتراضات والحوادث والتهديدات المتبادلة، بما قد يؤدي إلى سوء تقدير يحول كالينينغراد من أداة للردع إلى نقطة اشتعال في مواجهة روسية ـ ناتوية أوسع. ومن هنا تبدو الحاجة إلى الجمع بين الردع العسكري وقنوات الاتصال وآليات منع الاحتكاك، لأن الحفاظ على الاستقرار في بحر البلطيق لا يعتمد فقط على حجم القوات، وإنما أيضًا على قدرة الأطراف على إدارة الأزمات قبل أن تتجاوز عتبة السيطرة.
إن كالينينغراد ليست مجرد جيب روسي منفصل، بل عقدة استراتيجية مرتبطة بأمن بحر البلطيق وبمنظومة الردع الروسية في شمال أوروبا؛ كما أن التعامل معها في أي أزمة مستقبلية سيكون مرتبطًا بحسابات أوسع تشمل بيلاروسيا، ممر سوالكي، خطوط الإمداد، والقدرات الروسية بعيدة المدى، ما يرفع مخاطر سوء التقدير والتصعيد.
ممكن فهم التهديد النووي الروسي ضمن منطق الردع، رفع كلفة التصعيد وتحذير الخصم من تجاوز خطوط تعتبرها موسكو حيوية، وليس بالضرورة باعتباره إعلانًا عن قرار باستخدام السلاح النووي؛ لكن خطورته تكمن في أن الردع إذا أسيء تفسيره قد يتحول من أداة لمنع الحرب إلى عامل يزيد مخاطرها.
رابط نشر .. https://www.europarabct.com/?p=125346
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI
Sources – English
- Reuters — Russia sends nuclear warning to NATO as tensions rise in the Baltic
Reuters – September 30, 2026 - Reuters — Explainer: Why Russia’s Kaliningrad is a potential flashpoint with NATO
Reuters – September 30, 2026 - NATO — Strengthening NATO’s eastern flank
NATO – Eastern Flank Defence and Deterrence - NATO — NATO launches “Eastern Sentry” to bolster posture along eastern flank
NATO – Eastern Sentry - Lithuanian Ministry of National Defence — Data on interceptions of aircraft completed near the Baltic States’ borders, September 21–27, 2026
Lithuanian Ministry of National Defence – September 28, 2026 - IISS — The Military Balance 2026: Fortifying NATO’s eastern flank
International Institute for Strategic Studies (IISS) - “Beyond the bubble: Russia’s Baltic theatre-denial problem” – IISS
Read the IISS analysis - “Thinking Beyond the Baltics for Deterring Russia” – RUSI
Read the RUSI analysis - “Kaliningrad: the strategic challenge for NATO’s eastern flank and German–Polish perspectives” – Small Wars & Insurgencies, 2026
Read the full study

