اختر صفحة

كتب، الدكتور اللواء عماد علوّ ـ خبير في الشؤون العسكرية والاستراتيجية

المركز الاوروبي لمكافحة الارهاب والاستخبارات

جاء إعلان «الجبهة الإسلامية العالمية» و«تنظيم القاعدة» للجهاد ضدّ «اليهود والصليبيين»، ترجمة واضحة لعقيدة «الولاء والبراء» الممزوجة بالتنظير القطبي التكفيري. وتمثّل هذا التيار الجديد بالسلفي الوهابي السعودي أسامة بن لادن([1])، والسلفي القطبي المصري أيمن الظواهري([2])، وقبله عبد الله عزّام الإخواني الفلسطيني الذي تأثر به بن لادن كثيرًا، وكان له تأثير كبير على «الأفغان العرب»، في تحالف يُمثّل بشكل لافت امتزاج تيارين على «أرض الجهاد» العام 1998.

حيث يعود اسم تنظيم  (القاعدة) التي كان يتزعمها أسامة بن لادن إلى مقال كتبه عبدالله عزام في مجلة (القاعدة الصلبة) ([3]) ، التي كانت تصدر في أفغانستان ، والذي دعا فيه إلى ، تأسيس قاعدة للجهاديين في أفغانستان. الا أن تطور تنظيم القاعدة جاء مختلفاً عما أراده عبد الله عزام، الذي قتل في سيارة مفخخة عام 1989([4])، ولم يتبنى أحد مسؤولية اغتياله إلى الآن.

وبموازاة ذلك ظهرت فتاوى للجهاد حيث تدفقت أعداد هائلة من السلفيين الجهاديين الى افغانستان مجددًا, للانضمام الى تنظيم القاعدة ، الذي كان يستهدف (كما أعلن) إنهاء النفوذ الأجنبي في البلدان الإسلامية، وإنشاء خلافة إسلامية جديدة ، حيث تعتقد القاعدة أن هناك تحالفًا مسيحيًا – يهوديًا يتآمر لتدمير الإسلام([5]) .

وقد حصل الصحفي “بيتر بيرجن  Bergen، Peter ” على وثيقتين من سراييفو في مكتب المؤسسة الخيرية الدولية، تحتويان على محاضر الاجتماعات التي عقدت لتأسيس مجموعة عسكرية جديدة، وتحت اسم “القاعدة”([6]) ، بعد أن اتفق بن لادن مع المشاركين في تلك الاجتماعات في 20 أغسطس 1988، على أن “القاعدة” ستكون الجماعة الرسمية التي تجمع الفصائل الإسلامية التي هدفها رفع كلمة الله والانتصار لدينه. وكانت هناك قائمة بالشروط التي يجب أن تتوفر في العضو من أهمها : السمع والطاعة وحسن الخلق والتعهد بطاعة القادة([7]) .

ووفقا للورنس رايت  Wright، Lawrence ، أن القاعدة تشكلت في 11 أغسطس 1988، في اجتماع مع عدد من كبار قادة الجهاد الإسلامي المصري مثل سيد إمام الشريف وأيمن الظواهري وعبد الله عزام مع أسامة بن لادن، حيث اتفق على توظيف أموال بن لادن مع خبرة منظمة الجهاد الإسلامي، ومواصلة الجهاد في مكان آخر بعد أن انسحب السوفييت من أفغانستان([8])، فبدأت فكرة الجهاد العالمي، تشكل عنواناً رئيسا” لنشاط تنظيم القاعدة.

وبعد النصر على القوات السوفيتية في افغانستان عام 1992 ، بدأ الجهاديون يعودون إلى أوطانهم. فتشكل ما عرف بالأفغان العرب أو (العرب الافغان) ([9]) ، الذين وجدوا  مع عودتهم إلى بلدانهم ، أرضًا خصبة للعمل تحت عناوين وذرائع متعددة, اهمها «القمع» الذي تتعرض له بعض الحركات الإسلامية. فظهرت منظمة اصولية متعددة الجنسيات، تضمّ في صفوفها التكفيريين, وبقايا الإخوان المسلمين والمرتزقة من جماعات «جهادية», كان افرادها في السجون (من مصر إلى الجزائر إلى دول خليجية), لا سيما اولئك الذين انتهت مهماتهم في خدمة اجهزة مخابرات دولية، وباتوا يشكلون خطرًا على البلاد التي نشأوا فيها.

 البحث عن التمكين

مصطلح التمكين بالنسبة للسلفية الجهادية يعني السيطرة المسلحة على بلد ما أو منطقة ما ، منطلقين من قوله تعالى ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر )([10]) فيقولون الآن حصل التمكين ووجب علينا إقامة الشرع فيبدؤون بتأسيس دور القضاء ويشرعون في تطبيق الحدود ، التي تقود إلى ”التمكين”؛ أي إقامة “الدولة الإسلامية”، حسب الخطاب والمعتقد الجهادي …

ويمكن اعتبار نظام طالبان في افغانستان أول امارة اسلامية تقام من قبل جماعة سلفية جهادية متطرفة هي حركة طالبان الافغانية ، حيث لقب الملا عمر زعيم طالبان بلقب (أمير المؤمنين) ([11]).

و طالبان حركة عقائدية تقوم على الأخذ بمبادئ متشددة في تفسير الدين الإسلامي وتحليل النص كما في السلفية الجهادية القريبة من منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب ([12])، وقد اسقطت الولايات المتحدة حكم طالبان في عام 2001 بعد غزوها لأفغانستان في اطار الحرب على الارهاب التي شنتها واشنطن نتيجة هجمات تنظيم القاعدة بتاريخ 11/9/2001 على برجي التجارة العالمية في نيويورك وعلى البنتاغون في واشنطن.

وقد أدت هذه الحرب الى عزل قيادة تنظيم القاعدة جغرافيًا، في منطقة القبائل الحدودية بين باكستان وافغانستان والتي تعرف بـ(وزيرستان) ، وهي منطقة جبلية وعرة ، مما أدى إلى ظهور قيادات إقليمية للمجموعات السلفية الجهادية المختلفة، تعمل تحت اسم القاعدة ، للتطور في مراحل لاحقة وتعمل تحت مسميات أخرى ذات دلالات جغرافية أو إقليمية .

وتأثرا” بتجربة طالبان سعى الفكر السلفي الجهادي التكفيري  للتوسل بالقوة والبطش سبيلا” للتمكين من إقامه امارة اسلامية، وفق الفكر السلفي الجهادي التكفيري ، وهو المشروع الذي انخرط فيه معظم (الافغان العرب) الذين عادوا الى بلدانهم بعد تحرير افغانستان من الاحتلال السوفيتي .

وهذا المشروع عبرت عنه العديد من الطروحات الفكرية التي تناولت استراتيجية التمكين لإقامه الامارة الاسلامية السلفية الجهادية والمراحل التي تسبقها ، من قبل منظري السلفية الجهادية من أمثال: أبو محمد المقدسي صاحب كتاب ملة إبراهيم – نشر عام 1985 – المنظر الأول للسلفية الجهادية على مستوى العالم وصنف من حيث الأهمية ودرجة التأثير في المركز الأول قبل بن لادن نفسه الذي حل في مركز متأخر، والثاني هو أبو قتادة الفلسطيني وهو من أشهر المنظرين لأطروحات وخطابات السلفية الجهادية وأكثرهم أهمية أيضاً وذلك من خلال كتابه المثير والمهم الجهاد والاجتهاد: تأملات في المنهج – الذي نشر في عام 1999 – أما الثالث فهو أبو مصعب السوري([13]) الذي استأثرت تنظيراته الجهادية المبتكرة باهتمام جميع مراكز الأبحاث والدراسات المعنية بالظاهرة في العالم كله بالنظر إلى ما تنطوي عليه أفكاره ومساهماته من تميّز . وقد تجلى ذلك بوضوح في كتابه الضخم الموسوم (دعوة المقاومة الإسلامية العالمية) والذي وقع في أكثر من 1600 صفحة و نشر في عام 2004 ([14]) .

ومن الجدير بالذكر أن ما من خلية جهادية اعتقلت في السنوات الأخيرة في أي بلد من البلدان العربية إلا وجاءت سيرة هؤلاء الثلاثة في التحقيقات كمرجعيات فكرية لها ، فقد ذكرهم على سبيل المثال لا الحصر، (يوسف فكري) ، والملقب بـ(أمير الدم) ، مؤسس أولى الخلايا الجهادية في المغرب – في مدينة اليوسفية سنة 1998 – التي تم الكشف عنها في عام 2002 في رسالته الشهيرة التي نشرتها أسبوعية الصحيفة ([15]) .

كما ساهم عبد الله عزام من موقعه في أفغانستان في التأصيل لبعض الأساسيات الفكرية التي تقوم عليها السلفية الجهادية ، لإقامه وتأسيس امارة اسلامية تقوم على اسس افكار ومعتقدات ومنهج التكفير السلفي الجهادي وفي تبرير ذلك يقول ابو بكر ناجي في كتابه ادارة التوحش ” إننا الآن في أوضاع شبيهة بالأوضاع بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وحدوث الردة أو مثل ما كان عليه المؤمنون في بداية الجهاد فنحتاج للإثخان ونحتاج لأعمال مثل ما تم القيام بها تجاه بني قريظة وغيرهم ،أما إذا مكننا الله واقتربنا من السيطرة ونشر العدل فما أرق أهل الإيمان وقتها ، ووقتها يقول في أهل الإيمان للناس : ” اذهبوا فأنتم الطلقاء”([16]). ويعتبر طرح ابي بكر ناجي طرحا” متأخرا” في تناول استراتيجية التمكين للسلفية الجهادية التكفيرية وملخصا” للتحولات الإستراتيجية التي شهدتها الحركة السلفية الجهادية، وذلك بالتحول من مقاتلة “العدو القريب” المتمثل بالنظم السياسية العربية والإسلامية التي تنعتها “بالمرتدة”، إلى مقاتلة “العدو البعيد” المتمثل بالغرب عموماً والولايات المتحدة الأميركية خصوصا”.

لقد ساهمت مرحلة الجهاد الأفغاني، وكتابات أبي محمد المقدسي وأشرطة محمد المسعري([17]) في صياغة الفكر التكفيري للسلفية الجهادية ، التي تأثر بها تيار من الشباب المتدين في السعودية  ومصر وشمال افريقيا وسوريا والاردن واليمن  ودول الخليج العربي الذين استوعبتهم تنظيمات تتسم وتؤمن بالفكر التكفيري للسلفية الجهادية  ، و من ابرز التنظيمات المتطرفة و أهمها،: تنظيم القاعدة ، والجماعة المسلحة ، والجماعة السلفية للدعوة والقتال بالجزائر، والجماعة الإسلامية المقاتلة في ليبيا ، والجماعة المغربية المقاتلة في المغرب، وجماعه جند أنصار الله  وتنظيم الجهاد والتوحيد بغزه، وتنظيم دوله العراق الإسلامية بالعراق، جماعه التوحيد والجهاد بمالي.

وقد برز اسم الاردني محمد الخلايلة الملقب بـ( أبي مصعب الزرقاوي) السلفي الجهادي الأول في العراق  كعلامة من علامات السلفية الجهادية , وكان قد تتلمذ على ايدي شيوخ السلفية الجهادية مثل الشيخ أبو محمد المقدسي نزيل سجن السويقة اليوم  و الشيخ عبدا لله عزام

 

الهوامش

([1])   أسامة بن لادن (10 مارس 1957 – 2 مايو 2011) نجل الملياردير محمد بن عوض بن لادن وترتيب أسامة بين إخوانه وأخواته هو 17 من أصل 52 أخ وأخت. درس في جامعة الملك عبد العزيز في جدة وتخرج ببكالوريوس في الاقتصاد ليتولى إدارة أعمال شركة بن لادن. وتقدر ثروة عائلته بقرابة سبعة مليارات دولار  فمكنته ثروته وعلاقاته من تحقيق أهدافه في دعم المجاهدين الأفغان ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان. وهو مؤسس وزعيم تنظيم القاعدة بالاشتراك مع أيمن الظواهري وهو تنظيم سلفي جهادى مسلح أنشئ في أفغانستان سنة 1988. في فجر يوم الإثنين 2 مايو عام 2011 تمكنت قوة من العمليات الخاصة الأمريكية من مباغتة بن لادن في مسكنه قرب إسلام آباد وأردته قتيلاً برصاصة في الرأس ثم ألقت بجثته سراً في البحر من على متن حاملة الطائرات يو إس إس كارل فينسن.

([2])   أيمن الظواهري (مواليد 19 يونيو 1951) هو زعيم تنظيم القاعدة خلفاً لأسامة بن لادن بعد ما كان ثاني أبرز قياديي منظمة القاعدة عمل كجراح (تخصص جراحة عامة) وساعد في= =تأسيس جماعة الجهاد المصرية ويعتقد بعض الخبراء انه من العناصر الأساسية وراء هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة. وكان اسم الظواهري ثانياً ما بعد بن لادن في قائمة تضم 22 من أهم الإرهابيين المطلوبين للولايات المتحدة ما بعد عام 2001. ورصدت الحكومة الأمريكية مكافأة بقيمة 25 مليون دولار لمن يساعد في الوصول إليه.

([3]) تسلسل تاريخي: الحركات السلفية الجهادية ،http://www.bbc.com/arabic/middleeast.

([4]) هشام الهاشمي ، عالم داعش ، المصدر السابق ، ص17.

([5])   فؤاد حسين` الزرقاوي… “الجيل الثاني من القاعدة”، الجزء الرابع عشر، دار الخيال للطباعة والنشر ؛ وصحيفة القدس العربي ، بتاريخ  13 يوليو 2005.

([6])   Bergen، Peter (2006). The Osama bin Laden I Know: An Oral History of al Qaeda’s Leader (reprint). p. 75…

([7])   Wright، Lawrence (2006). The Looming Tower: Al-Qaeda and the Road to 9/11. New York: Knopf., pp. 133-134.

([8])   The Rebellion Within, An Al Qaeda mastermind questions terrorism. by Lawrence Wright. newyorker.com, June 2, 2008.

([9]) تسلسل تاريخي: الحركات السلفية الجهادية ،http://www.bbc.com/arabic/middleeast.

([10]) القران الكريم ، سورة الحج الآية 41.

([11])   ملا عبدالمجيد محمد عمر هو الزعيم الروحي لجماعة طالبان الأفغانية في فترة حكم طالبان بين 1996 و2001 قبل الغزو الأمريكي عام 2001 و يعدّ ملا عمر أحد أشهر المطلوبين للولايات المتحدة الأمريكية مثل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي تم اكتشاف مكانه في باكستان ومن ثم تم اغتياله. وتجدر الإشارة أن كلمة “ملا” في أفغانستان هو الطالب الذي يدرس العلوم الشرعية أما المولوي فهو الذي أتم دراسته بالفعل . ظل ملا عمر متواري عن الانظار حتى وفاته في  23 أبريل 2013 ، https://ar.wikipedia.org.

([12]) تاريخ جماعة طالبان وكيف نشأت ، http://ahmedwahban.com/aforum/viewtopic.php?f=27&t=44109 ؛ وكذلك ، ينظر ،معجم المشاريع الحسينيّة – الجزء الثاني: دائرة المعارف الحسينية ،https://books.google.iq/books?isbn   .

([13])   أبو مصعب السوري هو مصطفى بن عبد القادر بن مصطفى بن حسين بن أحمد المُزَيِّكْ الجاكيري الرفاعي. ولد في مدينة حلب عام 1958 ودرس في كلية الهندسة الميكانيكية في جامعة حلب. التحق أبو مصعب السوري بتنظيم “الطليعة المقاتلة” الذي عمل ضد النظام السوري في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. تفرغ بعد ذلك لإحياء العمل الجهادي في بلاد الشام، وقد قادته تلك المحاولات إلى أفغانستان حيث تعرف في بيشاور على عبد الله عزام الذي أقنعه بالانضمام إلى تجمع المجاهدين العرب؛ ليضع خبراته العسكرية في تدريب الوافدين الجدد إلى أفغانستان. التحق بتنظيم القاعدة في بداية تأسيسه وقد كان قبل ذلك من المقربين من أسامة بن لادن خلال مرحلة الجهاد الأفغاني. أسس في أفغانستان “معسكر الغرباء” في قاعدة “قرغة”= =العسكرية الشهيرة في كابل بتعاون مع وزارة دفاع طالبان.. أسس في أفغانستان “مركز الغرباء للدراسات الإسلامية والإعلام” وأصدر مجلة “قضايا الظاهرين على الحق”.

([14])   دراسة صدرت عن مركز مكافحة الإرهاب في أكاديمية “ويست بوينت” العسكرية في نيويورك، في سبتمبر 2006.

([15])   أسبوعية الصحيفة في 18 ــ 24 / 4 / 2003 م ،https://ar.wikipedia.org/wiki؛ وكذلك صحيفة الشرق الاوسط ، العدد 8974 بتاريخ 24 يونيو 2003.

([16])   ابو بكر ناجي ، ادارة التوحش ، ص32 .

([17])   محمد بن عبد الله بن سليمان بن عبدالرحمن المسعري الحسني الدوسري معارض من السعودية ومفكر إسلامي بارز، يحمل شهادة الدكتوراه في الفيزياء النووية جامعة فرانكفورت بألمانيا، مقيم في لندن. مؤسس وأمين عام حزب التجديد الإسلامي والناطق الرسمي له.

*حقوق النشر محفوظة للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات

الدكتور اللواء المتقاعد عماد علوّ