فرنسا:تدابير وخطط وطنية لمكافحة الإرهاب

فرنسا:تدابير وخطط وطنية لمكافحة الإرهاب

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا

قِراءةٌ في خُطَّةِ الحُكومةِ الفَرَنْسيًّةِ لمُكافحةِ التَّطَرُّفِ

مرصد الأزهر ـ 25 مارس 2018 ـ سيظَلُّ الفكرُ المتطرف أنجع الوسائل التي تُسْهِمُ في تشويهِ القيمِ الإنسانيةِ وتعطيلِ العقلِ بُغْيةَ عرقلةِ الحوارِ والتعايُش المشترك، والأدهى من ذلك والأمَرُّ أنَّ معتنقيهِ يسلكونَ دروبَ النزاعاتِ الطائفية ويتَّبعون سُبُلَ غلقِ المجتمعات على أنفسها وإغراقِ بيئَتِها في بحارِ الشذوذ والانحرافاتِ الفكرية – العقائدية، وهو ما يودي، لا محالةَ، بالفرد إلى الصعودِ فوق فوَّهَةِ بركانٍ والسقوط في هاويةِ الغيّ والوقوع في براثن الإرهاب.

لقد بات التَّطَرُّفُ والإرهابُ من الوباءات السرطانية التي ضربت العالمَ بأسره، وبطرقٍ شتّي، وباتت السياسات التي تتبعها الحكومات في شتّى بقاعِ العالم لمواجهة هذا الخطر، سواء من خلال تجفيف منابع التطرف والإرهاب أو من خلال فرض تدابير أمنية بحتة من شأنها حماية المجتمعات من هذا الخطر الذي بدأ في أكل الأخضر واليابس.

لا تؤتي ثمارها بشكلٍ كافٍ، لذا بدأت الحكومات باتخاذ تدابير تجريبية مختلفة للقضاء على هذا الخطر الداهم.إن تفشي ظاهرة التَّطَرُّفِ في العالمِ بأسره دفع العالم للبحث عن التدابير التي من الممكن أن تحميه من هذا الخطر السرطاني.ولكن السؤال الأهم الذي أضحى يفرض نفسه بقوة: هل ستؤتي هذه التدابير ثمارَها المرجوة؟ أم أنها ستصبح مجرد علاج مؤقت للعرَضَ وليس للمرض؟ وهل ستتفاقم تلك التدابير لتصير مُعَوِّقًا للحريات العامة بدلًا من أن تصبحَ داعمةً لها؟

وحينما نمعنُ النظرَ في المجتمع الفرنسي، نجدُ أنَّ فرنسا أمامَ تحديات كثيرة لفرضِ الأمن والأمان على أراضيها، من بين هذه التحديات: العائدون من مسارح القتال، لاسيما في سوريا والعراق، كما أنَّ هناك تحديًا أكبر يكمُنُ في العناصر المتطرفة المعتقلة بالفعل داخل السجون الفرنسية بتهمة الإرهاب، والتي أنهت أو قاربت على إنهاء مدة عقوبتها.

فهل عندما يخرجون إلى المجتمع الفرنسي سيكونون قد تخلوا عن عقيدتهم المتطرفة إلى الأبد وينخرطون في النسيج مجتمعِهِم؟ أم هل ساهمت المدة التي قضوها في السجن في زيادة تطرفهم وتحولوا إلى قنبلة موقوتة تهددُ الكيانَ الفرنسي داخليًا وخارجيًا؟

كما أنَّ هناك تحديًا آخر يكمُنُ في الفضاء الإلكتروني الذي يبُثُّ العديدَ من الدعايات التي تعمل على استقطاب الشباب، والذي ربما يصلُ إلى حَدِّ غسيل الأدمغة، فهل نجحت مراكزُ معالجةِ التطرف وإعادة التأهيل الفرنسية خلال السنوات الماضية ؟

الإرهاب يضرب فرنسا:

أمست فرنسا هدفًا للعمليات الإرهابية في الداخل والخارج، ففي الداخل على سبيل المثال أعلن وزيرُ الداخلية “جيرار كولومب” لوكالة الأنباء الفرنسية أنَّ سلطات بلاده أحبطت مخططين لاعتداءاتٍ إرهابية منذ مطلع يناير 2018م الجاري. كان المخطط الأول يستهدف منشأة رياضية كبيرة، والمخطط الثاني كان يستهدف القوات المسلحة الفرنسية.

وفي هذا الإطار لا بد أنْ نُشيرَ هنا إلى أنَّ التهديدات الإرهابية لا تقتصر على داخل فرنسا فقط، بل طالت المصالحَ الفرنسية في الخارج، فعلى سبيل المثال، تعرَّضَت سفارةُ باريس والمعهد الفرنسي في العاصمة البوركينية “واجادوجو” لهجومٍ إرهابي منذُ أيام.

ووفقًا لوزير الخارجية “جان إيف لودريان” فإنَّ هذا الهجوم كان يستهدفُ الدولةَ نفسها، والتي تُعَدُّ حليفًا لـ “بوركينا فاسو” في حربِها على الإرهاب.

كما لا يمكننا تغافل سلسلة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا في السنوات الأخيرة، والتي راح ضحيتها المئات بين قتيلٍ وجريح، الأمر الذي دفع الرئيس الفرنسي آنذاك “فرانسوا هولاند” ورئيس وزرائِهِ “مانويل فالس”، لفرض حالة الطوارئ في البلاد، وفرض العديد من التدابير التي تراعي الجانب الأمني فقط دونما أي اعتبار آخر، لا سيما بعد أحداث الثالث عشر من نوفمبر 2015م.

ومع مرورِ الوقت، بدأت تسعى الحكومةُ الفرنسيةُ للوصول إلى التدابير المناسبة لمواجهة هذا الخطر الداهم الذي بات يضربُ ربوعَ فرنسا.

لكن العديد من الساسة الفرنسيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والكثير من جمعيات المجتمع المدني الداعمة للحريات انتقدوا حالة الطوارئ التي تعيشها الدولة، بسبب العديد من المضايقات والانتهاكات للحريات الفردية والكرامة الإنسانية، لا سيما تلك التي واجهتها الجالية الإسلامية في كافة أنحاء فرنسا.إذ جرى تنفيذ العديد من المداهمات الإدارية دون إذن من القضاء، بالإضافة إلى إصدار الإقامات الجبرية بحق الأشخاص الذين يشكلون تهديدًا “محتملًا” للبلاد.

وبعد قرابة عامين من أحداث باريس الدامية، يدخل القانون الخاص بالأمن الداخلي ومكافحة الإرهاب – الذي لم يلق ترحيبًا من قِبَلِ الكثير من الجمعيات الحقوقية والمدافعين عن حقوق الإنسان – حَيّزَ التنفيذِ منتصف ليل الأربعاء الأول من نوفمبر 2017م بعد رفع حالة الطوارئ التي جرى مدُّها من قِبَلِ الجمعية الوطنية الفرنسية 6 مرات متتالية منذ أواخر عام 2015م.

وفي الأساس، كان يهدُفُ قانونُ مكافحة الإرهاب الذي أقرَّهُ البرلمانُ الفرنسي في 18 من أكتوبر 2017م إلى تعزيز صلاحيات السلطة الإدارية المتمثلة في (وزارة الداخلية والمسئولين المحليين) في فرض تحديد نطاق حركة أي شخص والقيام بعمليات تفتيش وغلق أماكن العبادة والاطلاع على الهويات عند الحدود.

كل ذلك من دون إذن قضائي، ليشبه بذلك إلى حَدٍّ كبير الإجراءات التي سبق أن تضمنتها حالة الطوارئ.

وسعيًا للحَدِّ من الخطر الإرهابي الذي يهددُ المجتمعَ الفرنسي بعيدًا عن التدابير الأمنية، تأتي “الخطة الوطنية لمكافحة التطرف”، التي كشف عنها رئيسُ الوزراء الفرنسي “إدوارد فيليب” لمكافحة التطرف لاسيما في السجون والمدارس والفضاء الإلكتروني والمساجد التي تنتشرُ فيها الدعايةُ الراديكالية، لما لهم من تأثير في نشر الأيديولوجيات المتطرفة. ويبدو أنَّ الحكومة الفرنسية تعتمد على “الوقاية من أجل الحماية”.

   من أهم تدابير خطة “إدوار فيليب” لمكافحة التطرف :

كشف رئيسُ الوزراء الفرنسي “إدوار فيليب” يوم الجمعة الماضية 23 من فبراير 2018م، من مدينة ليل (شمال فرنسا)، النقابَ عن “الخطة الوطنية لمكافحة التطرف”، لاسيما في السجون والمؤسسات التعليمية، والتي تتضمن نحو 60 تدبيرًا.والتي كان قد وعد بها الرئيس الفرنسي، “إيمانويل ماكرون” في أكتوبر الماضي. وقال في تصريحاته “إنَّ التطرف يَقِفُ في كلِّ مرة عائقًا أمام قوانين الجمهورية لإيجاد توازن بينها وبين التعاليم الدينية”. ويأتي على رأس هذه التدابير :

–  انشاء 1500 زنزانة لعزل المتطرفين وتوزيع السجناء الذين يحاكمون بسبب أعمال إرهابية على جميع أنحاء فرنسا. حيثُ تريدُ حكومةُ “إدوار فيليب” ضمانَ إحكامِ العُزَّل بينَ السجناء المتطرفين وغيرِهِم، ولهذا الغرض سيتِمُّ إنشاءُ 1500 مكان احتجازٍ داخل السجون لعزلِ هؤلاء السجناء، وسوف يتِمُّ إنشاءُ 450 مكان احتجازٍ من الآن وحتى نهاية العام الجاري.

كما سيتِمُّ توزيعُ السجناء الذين يُحاكَمون بسببِ أعمالٍ إرهابيةٍ على جميع أنحاء فرنسا. وفي مطلع عام 2018م، ووفقًا لإحصائيات إدارة مصلحة السجون، فمن أصل حوالي 70000 من السجناء هناك 512 حاليًا تَمَّ احتجازُهُم في قضايا تتعلق بالإرهاب، 60% منهم محتجزون في “إيل دو فرانس”.

–  إنشاء وحدتين معنيين بالتكفل بالمتطرفين خلال عام 2018م، على النموذج القائم في سجن ليل – أنيولين. إحدى هاتين الوحدتين سيفتح مركزًا إصلاحيًا في “فيندين لي فييل”، وهي بلدية تقع في إقليم “با دو كاليه” من منطقة “نور باد دو كاليه” في شمال فرنسا.

وهو مركز احتجاز من بين أكثر السجون أمانًا في فرنسا، حيث أدّى الهجوم على أحد الحراس من قِبَلِ أحد المحتجزين إلى نشوء حركة احتجاجية لم يسبق لها مثيل بين الحراس في يناير الماضي. كما تم تصنيف نحو 1139 سجينًا على أنهم “متطرفون”.

  انشاء ثلاثة “مراكز كفالة فردية”. تعتني هذه المراكز بشكل رئيس بالأشخاص الخاضعين للسيطرة القضائية، لاسيما “العائدين” من مناطق الصراع في سوريا والعراق.

–  مراقبة المدارس غير المتعاقدة مع الوزارة والتي تضم نحو 74000 تلميذًا. هكذا أبدى “إدوار فيليب” تأييده لمشروع قانون في مجلس الشيوخ من شأنه أن يُعَزِّزَ السيطرة على المدارس غير المتعاقدة مع الوزارة، والتي لا تضم سوى 74000 تلميذًا، ولكن الأعداد فيها في ازدياد. وأوضح أن هذا القانون سيعمل على توحيد وتحديث نظام الإخطار.

  تشديد الرقابة على الأجهزة الإدارية للدولة وإطلاق فريق لدراسة حالات العاملين والنظر في استبعاد المتطرفين الذين لهم تأثير محتمل على الجمهور.

  إعداد متخصصين للتعامل مع “أشبال الخلافة” حيث سيستفيد هؤلاء الأطفال من “رعاية طويلة الأجل، بما في ذلك تقديم المشورة النفسية، لتعزيز إعادة إدماجهم”.

ردود أفعال حول خطة “إدوار فيليب” :

يجب أن نشيد بالجهود المبذولة من قِبَلِ الحكومة الفرنسية للتصدي لظاهرة التَّطَرُّفِ التي لا تؤرق فرنسا فحسب بل العديد من دول العالم.ولكن البعض في فرنسا يرى أنه على الرُّغْمِ من إدراك الحكومة الفرنسية واقع الأوضاع على أراضيها، فلا تزال “الخطة الوطنية لمكافحة التطرف”، التي قدَّمها رئيس الوزراء الفرنسي “إدوارد فيليب” هشةً، لأنه من المستحيل الحكم على النتائج، بدون معرفة الأدوات والأساليب التي ستعتمد عليها الحكومة في تنفيذ تدابير هذه الخطة.

فعلى سبيل المثال، ماهي الأدوات والأساليب التي تُقَيّم “خطورة المتطرفين”، أو من هم في طريقهم للتطرف، فهل سيتم أخذ اختبارات مستوحاة أو تَمَّ تجربتها في أماكن أخرى كالجامعات الأمريكية مثلًا؟

كما لم ترد أي معلومة عن ميزانية هذه الخطة  وكيفية التحكم بها؟ فالتعديل الذي اقترحه  كلٌّ من “ناتالي جوليت” و”كاترين تروينفل”، والذي اعتمد أثناء مرور مشروع “قانون مكافحة الإرهاب” على مجلس الشيوخ، يتحكَّمُ بشكلٍ أفضل في الإعانات المقدمة إلى الجهات الفاعلة في التطرف.

لذا سيكون من الضروري، أن تُخْرِجَ لنا الحكومة الفرنسية نصًا مستقبليًا، يوضح محتوى “الخطة الوطنية لمكافحة التطرف”، ويوضح طريقة العمل بها وتسكين كل المهام على المهنيين بطريقة عرضية من خلال إشراك ممثلي كافة طوائف المجتمع الفرنسي.

ولكن هل عزل السجناء علاجٌ فاعِلٌ للتطرف؟

وفقًا للدراسة التي أجراها المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي(ICSR)، فإنَّ السجون الأوروبية باتت بمثابة “حضانة” للجهادين، علاوة على أنَّ ظهور تنظيم داعش عمل على تعزيز العلاقة بين الإرهاب والجريمة، حيث يمكن تجنيد أشخاص لهم بالفعل ماضٍ إجرامي، لذا يتزايد التطرف بشكلٍ سريع داخل السجون، لأنَّ الأشخاص المحتجزين بتهمة ارتكاب جرائم عنف يسهل تحوليهم إلى التطرف.

ولكي يدعم المركز دراسته بالأدلة قام بفحصِ ودراسة ملفات 79 جهاديًا، أوروبيًا منهم من سافر خارج البلاد من أجل القتال في صفوف تنظيمِ داعش ومنهم من تورَّطَ في أعمال إرهابية في أوروبا. وأصول هؤلاء بلجيكية أو دنماركية أو فرنسية أو ألمانية أو هولندية أو بريطانية.

وخلصت نتائج الدراسة إلى أنَّ 57% من الأشخاص الذين قام المركز بدراسة حالتهم قضوا فترة في السجن قبل تطرفهم، بينما أقل من 27% منهم وقعوا في براثن التطرف أثناء فترة وجودهم خلفَ القضبان.

وأضافت نتائج الدراسة أنَّ بعضَهم رأى في القتال في صفوفِ التنظيم وسيلةً (للخلاص). وبشكل خاص تذكر الدراسة حالة (علي المناصفي) وهو لندني من أصول سورية حيث يقول “أريد أن أفعل شيئا صالحًا ولو لمرة، شيئًا طاهرًا”.

كما أكَّدَ  “بيتر نورمان” مدير المركز الدولي لدراسة التطرف والعنف السياسي، أنَّ تنظيمَ داعش “يُمَثِّلُ لهؤلاء الشباب الوحشية والقوة والسلطة التي يسعون إليها، وهؤلاء الشباب في غالب الأحيان كانوا في السابق أفراد عصابات.فيؤكِّدُ تنظيمُ داعش لهؤلاء الشباب: يمكنكم الاستمرار في القيام بالأشياء التي قمتم بها من قبل، إلا أنكم  هذه المرة ستدخلون الجنة”.

ونشيرُ هنا إلى أنَّ الحكومةَ الفرنسية قد سَعَت من خلال “الخطة الوطنية لمكافحة التطرف”، التي كشف رئيس الوزراء الفرنسي “إدوار فيليب” النقابَ عنها إلى مكافحة التطرف في العديد من الأماكن، لاسيما السجون، نظرًا لما تمثله السجون من حضانة للتطرف.

ورأت الحَلَّ، كما ذكرنا آنفًا، في “إنشاء 1500 مكان احتجاز لعزل السجناء المتطرفين وتوزيع السجناء الذين يحاكمون بسبب أعمال إرهابية على جميع أنحاء فرنسا، وإنشاء وحدتين لرعاية المتطرفين “QPR” خلال عام 2018م”.

ولدراسة كون هذه التدابير كافية للوقاية من التطرف داخل السجون، استضاف تليفزيون “BFM” “مراد بن شيلالي” المعتقل الفرنسي السابق في “جوانتانامو” لمدة 30 شهرًا، و18 شهرًا أخرى في سجن “فيلوري – ميروجي” بتهمة دعم منظمة إرهابية.الشاب الفرنسي الذي دربته القاعدة في أفغانستان عام 2001م وقاتل مع التنظيم وهو في سن 19 عامًا، تحول بعد خروجه من السجن إلى ناشط في مكافحة التطرف للعمل على  ثَني الشباب الفرنسي عن اتِّباع دربَ التطرف.

تناول “مراد بن شيلالي” خلال هذا اللقاء فكرة الحكومة الفرنسية في عزل السجناء المتطرفين قائلًا: “فيما يخص فكرة عزل وتجميع السجناء الذين نصنفهم كمتطرفين، لقد عشت هذه التجربة على مستوى أكثر عنفًا، وذلك عندما كنت معتقلًا في “جوانتانامو” وكلما مَرَّ الوقتُ، لم يكن لدي شعور أنَّ السجناء كانوا أكثر هدوءًا “.

مضيفًا أنه “على العكس من ذلك، فإنَّ بعض السجناء تحولوا للفكر الإرهابي في “جوانتانامو” أو أصبحوا متطرفين بشكل متزايد. لذلك تُعتبر فكرة مسمومة ونتائجها عكسية، وهو أمر متناقض للسجن الذي يفترض أن يحاربَ الإرهاب”.

كما يرى “مراد بن شيلالي” أنَّ عزلَ السجناء ليس حلًا فاعِلًا على المدى الطويل، قائلًا : “عزل السجناء على المدى القصير يمكن أن يكون فاعِلًا لأننا سنتمكن من الحيلولة دون الاستقطاب وبعض الاتصالات الخارجية ونعلم أين هم.

إلا أنني لن أتمكن من التوقف عن التفكير على المدى البعيد. ما الحال الذي سيكون عليه هؤلاء السجناء عند إطلاق سراحهم، بعد أن مزجنا بعضهم ببعض لعدة أشهر؟ (…) سيتعارفون، وسيعيدون هيكلة أنفسهم… فعلى المدى الطويل أعتقد أن عزل السجناء سيمثل خطرًا”.

كما يدعو “مراد بن شيلالي” إلى مزج المعتقلين المتطرفين بغيرهم من السجناء، ويرى أنَّ السماحَ للمتطرفين بالاختلاط مع غيرهم من السجناء ليس بالضرورة نظرية ينبغي استبعادها.

“فلماذا لن يكون تفريقُهُم هو الحل؟ (…) أعتقد أننا في حاجة إلى جهاز استخباراتي خاص بالسجون يكون قويًا فاعِلًا، بحيث يستطيع معرفة مَن يقول؟ وماذا يُقال؟  فأنا عندما كنت معتقلًا في سجن “فليوري – ميروجي”، تمكنتُ من الذهاب إلى المدرسة، وممارسة الرياضة، والذهاب للمكتبة.

وكنت أختلط مع السجناء غير المتطرفين، وهذا ما جعلني على ما يرام”. متسائلًا: “ماذا لو عند عودتي من “جوانتانامو” وإيداعي سجن “فليوري – ميروجي” كانوا قد أنشأوا وحدات العزل تلك، وتَمَّ وضعي بها مع المتطرفين، فهل كنتُ سأخرج هادئًا كما هو حالي اليوم؟”.

ومن جانبها انتقدت “ليديا غيروس” الناطقة باسم الجمهوريين، خطة الحكومة ضد التطرف، لأنَّ هذه الخطة “لا تتناول سوى العواقب ولا تتناول الأسباب”. وقالت السيدة غيروس أنَّ الخطة التي قدمها “إدوار فيليب” في ليل “لا تعالج سوى العواقب وليس أسباب التطرف”. وأشارت إلى أنَّ “الحكومة لا تستوعب على الإطلاق تطور المجتمع الفرنسي.

التطرف ليس دافعًا للتنحية:

وكما أشرنا آنفًا، فقد تناولت خطة مكافحة التطرف أيضًا تشديد الرقابة على الأجهزة الإدارية للدولة وذلك لتحديد وتنحية الموظفين الذين يمثلون خطرًا على الأمن العام.وصَرَّحَ السيد “إدوار فيليب” في إطار عرض خطة المكافحة التي تشمل إجراءات تسمح باستبعاد العسكريين والموظفين بسبب التطرف قائلًا “إنَّ الدولة باعتبارها ربة عمل لم تسلم من مخاطر التطرف”.

كما نشرت الجريدة الرسمية، مرسومًا موقَّعًا من قِبَلِ رئيس الوزراء يقضي بتشكيل “لجنة مشتركة” تُكلَّف بالفصل في تنحية الموظفين “الذين يعملون في وظائف تمس السيادة أو تتعلق بالأمن والدفاع “.وتتكون اللجنة من ممثلين عن جهة العمل وآخرين يقوم رئيسُ الوزراء بتعينهم وتنعقد بعد تقرير يتم تحريره بعد عمل تحقيق إداري يصدر عن “الجهة التي تملك حق تعيين الموظف”.

ويوضح المرسوم أنه يجب على تلك الجهة عرض “دوافع عدم الصلاحية مع المهن الممارسة”. ولا يذكر النص بأي حال من الأحوال أنَّ “التطرف” هو دافع التنحية. بل يشير في المقابل إلى وجود “تهديد شديد” على “الأمن العام” تقوم الجهة التي عقدت اللجنة بعرضه.

أخذ القرار في الغرف المغلقة:

ويوضح المرسوم أنه يمكن للموظف قيد الاتهام ولجهة الدفاع عنه أن تتدخل “في أي مرحلة من الإجراءات وتطلب استدعاء الشهود”.

أما القرار النهائي فيوضح المرسوم أنه سيرجع إلى اللجنة التي ستقوم بالمداولة في “جلسة مغلقة” : ويجب عليها “بموجب أغلبية الأعضاء الحاضرين” إقرار رأي “مؤيد” لتنحية الموظف ولديها مهلة شهر قبل إصدار القرار “يتم احتساب المدة من اليوم الذي انعقدت فيه”.

كما أعلن السيد “إدوار فيليب” أيضًا عن استحداث بعثة علمية لدراسة حالات التطرف في الجهاز الإداري للدولة بشكل عام. حيث قال “يجب علينا امتلاك القدرة على سحب الوظيفة من الموظف الذي يتعامل مع الجمهور ويمكن أن يكون له تأثير عليه والذي يؤثر سلوكه على الحيادية واحترام مبدأ العلمانية بل يحمل مخاطر التورط في عمليات تطرف”.

ورُغْمَ هذه الخطة التي تحاول، بشكلٍ أو بآخر، تطويقَ التطرف وتجفيف منابعه، إلا أننا نرى أنَّ التصدي لظاهرةِ التَّطَرُّفِ لا تقتصرُ فقط على التدابير الأمنية، بل لابد من اتخاذِ خطوات وقائية للوقوف على الأسباب والدوافع التي تقودُ الأفرادَ إلى الوقوعِ في براثِنِهِ والسُّخْطِ على المجتمع المحيط.

فلابد من تضافُرِ كافة طوائف المجتمع للعمل على تعزيز ثقافة الحوار، لدى الشباب، وتقبل الآخر واحترام حقوقِهِ والتَّصدي لأعمالِ الكراهية. وعلى كافة الدول أنْ تتحملَ مسئوليتَها تجاهَ مواطنيها وتحافظ على الحريات الأساسية للأفراد. بهذا سينعمُ العالمُ بالسلام.

رابط مختصر :https://wp.me/p8HDP0-bzT

شارك المقال
Share on Facebook
Facebook
Share on Google+
Google+
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on LinkedIn
Linkedin
اخر المقالات