المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، ألمانيا وهولندا ECCI
بون ـ الدكتورة سماء سليمان، متخصصة في الإنذار المبكر وإدارة الأزمات الدولية
فخ استنزاف أمريكا
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تُقاس بعدد الصواريخ أو حجم الضربات المتبادلة، بل أصبحت تعكس صراعًا أوسع على إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، في ظل احتدام المنافسة بين القوى الكبرى على النفوذ والطاقة والممرات البحرية الاستراتيجية. فالضربات الأمريكية الأخيرة ضد أهداف عسكرية إيرانية لا يمكن فصلها عن معركة السيطرة على الجغرافيا السياسية للمنطقة، كما أن الردود الإيرانية وتحركات حلفائها لا تستهدف فقط مواجهة واشنطن عسكريًا، وإنما تسعى، وفق قراءة تحليلية، إلى رفع تكلفة وجودها في الشرق الأوسط ومنعها من تحقيق تفوق استراتيجي، بما قد يعيد تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي والدولي خلال المرحلة المقبلة.
لم تعد إيران مجرد قوة إقليمية تسعى إلى تعزيز نفوذها، بل أصبحت تمثل أحد أهم عناصر التوازن في مواجهة الوجود الأمريكي بالشرق الأوسط. ومما لاشك فيه أن هذا الدور يتقاطع مع المصالح الاستراتيجية الصينية، التي تستفيد من أي تراجع في النفوذ الأمريكي داخل المنطقة، بما يحد من قدرة واشنطن على التحكم في طرق الطاقة والممرات البحرية الحيوية، ويؤثر في قدرتها على التفرغ للمنافسة في آسيا.
ويأتي مضيق هرمز في قلب هذه المعادلة، باعتباره الشريان الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية. ولذلك، تدرك الولايات المتحدة أن امتلاك إيران قدرة عسكرية تمكنها من فرض سيطرة فعلية على المضيق أو تعطيل الملاحة فيه سيؤدي إلى تغيير جذري في ميزان الردع الإقليمي، وهو ما يفسر تركيز الضربات الأمريكية على أهداف عسكرية ومنشآت دفاعية وجزر ومواقع قريبة من المضيق، في محاولة لإضعاف القدرات الإيرانية ومنعها من امتلاك أوراق ضغط إضافية.
في المقابل، تعمل إيران على توسيع نطاق الضغوط الإقليمية، سواء عبر قدراتها العسكرية أو من خلال حلفائها في المنطقة، مع توجيه رسائل واضحة إلى الدول الخليجية بعدم السماح باستخدام أراضيها أو قواعدها في أي عمليات عسكرية تستهدفها، إدراكًا منها أن انخراط هذه الدول بصورة مباشرة سيؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة وزيادة تكلفة الصراع. وبالتالي الهدف هو ممارسة ضغط غير مباشر على الولايات المتحدة لإجبارها على إعادة حساباتها العسكرية، ومنعها من تحقيق انتصار استراتيجي أو فرض هيمنة كاملة على الشرق الأوسط.
وأيضا فإن إطالة أمد الصراع واستنزاف القدرات الأمريكية في المنطقة قد يخدم – بصورة غير مباشرة – المصالح الاستراتيجية للصين، التي تسعى إلى تقليص مساحة النفوذ الأمريكي على الممرات البحرية الحيوية ومناطق الطاقة، وإبطاء قدرة واشنطن على تنفيذ استراتيجيتها الرامية إلى تركيز ثقلها العسكري والسياسي في منطقة آسيا والمحيط الهادئ. فكلما ازدادت تكلفة الانخراط الأمريكي في الشرق الأوسط، ازدادت صعوبة إعادة توجيه الموارد نحو احتواء الصين في شرق آسيا.
ولذا، يكتسب التصعيد في اليمن أهمية خاصة، إذ إن فتح الحوثيين لجبهة تصعيد جديدة ضد السعودية يضيف بعدًا استراتيجيًا يتجاوز حدود الصراع اليمني، ليرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب، بما يخلق ضغوطًا متزامنة على أهم ممرين بحريين لنقل التجارة والطاقة في العالم، هما مضيق هرمز وباب المندب.
وهنا يبرز المأزق الأمريكي الحقيقي؛ فواشنطن تجد نفسها أمام تحدي إدارة عدة مسارح عمليات في توقيت واحد، بدءًا من الخليج العربي ومضيق هرمز، مرورًا بالبحر الأحمر وباب المندب، وصولًا إلى التزاماتها العسكرية في أوروبا وآسيا. وكلما اتسعت دوائر الاشتباك، ارتفعت التكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية لأي مواجهة طويلة.
ولذلك، قد لا يكون الهدف الأمريكي هو تحقيق نصر عسكري شامل على إيران، بقدر ما يتمثل في إضعاف قدراتها العسكرية، ومنعها من تغيير ميزان القوى في الخليج أو فرض سيطرة على مضيق هرمز. وفي المقابل، تراهن إيران على أن استنزاف الولايات المتحدة وتشتيت جهودها بين عدة جبهات سيجعل تكلفة استمرار المواجهة أعلى من مكاسبها، بما يدفع واشنطن في النهاية إلى الاكتفاء بسياسة الاحتواء بدلاً من الحسم.
ولا يقتصر أثر هذا الصراع على الحسابات العسكرية فقط، بل يمتد إلى الداخل الأمريكي أيضًا، إذ إن أي تعثر في إدارة الأزمة أو فشل في تحقيق الأهداف المعلنة قد يتحول إلى ورقة في الصراع السياسي الداخلي، خاصة مع اقتراب انتخابات الكونغرس، وهو ما يزيد من الضغوط على الإدارة الأمريكية في كيفية إدارة الأزمة وتحديد سقف التصعيد.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تبادل للضربات بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما هو فصل جديد من الصراع على مستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وعلى موازين القوى في النظام الدولي، حيث تتداخل الحسابات العسكرية مع المنافسة بين القوى الكبرى، لتصبح مضائق الطاقة والتجارة العالمية إحدى أهم ساحات الصراع الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.
رابط نشر..https://www.europarabct.com/?p=121016
*حقوق النشر محفوظة إلى المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات ـ ألمانيا وهولندا ECCI

