اختر صفحة

المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات       

محو الفواصل بين الدنيا والآخرة

العرب اللندنية ـ 22 سبتمبر 2017 ـ مخطئ من يظن أن الشبكات الإرهابية تقوم بعملياتها خبط عشواء، دون تخطيط ودراسة ودقة في اختيار الضحية الأولى والتي هي المنفذ المغرر به ثم الضحايا المستهدفين في الزمان والمكان المحددين. ويعمد الإرهابيون إلى تجنيد عناصرهم وفق خطط مبنية على توخي أساليب نفسية دقيقة في الاختيار، فهي تستهدف أدمغة طرية متواضعة المعرفة والثقافة، ومؤسسة على عقل لا يعرف التحليل والمجادلة بل النقل والقبول، ويتم ذلك عبر تعبئته بمسلمات جاهزة مع التركيز على تغذية الشحنة العاطفية من خلال جدلية الشهادة كسعي نحو الخير المطلق من ناحية، ومحاربة الكفار وما يمثلونه من شر مطلق في ناحية أخرى.

قبل أن يخرج للمرة الأخيرة بلا عودة لتنفيذ الهجوم الإرهابي في قلب مدينة برشلونة شمال شرق إسبانيا يوم التاسع عشر من أغسطس الماضي، ترك سعيد علا، البالغ من العمر 18 سنة، رسالة على سريره لوالديه باللغة الإسبانية يلتمس فيها منهما العذر بسبب “المضايقات” التي سببها لهما، ويطلب منهما بيع مقتنياته الشخصية لسداد ديونه البالغ قدرها ألف دولار، ودفع الباقي صدقة إلى المحتاجين، لأن “كل شيء يغفر للشهيد، إلا الديون”، حسب ما ورد في الرسالة القصيرة.

الرسالة التي عثرت عليها قوات الأمن الكاتالونية “المُوصُوص” أثناء تفتيشها لبيت سعيد علا، مكتوبة بلغة إسبانية مليئة بالأخطاء، حسب ما نشرت أسبوعية “أنتيرفيو”، وفيها آيات قرآنية من سورة النبأ مكتوبة بخطه باللغة العربية هي “إن يوم الفصل كان ميقاتا، يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا، وفُتحت السماء فكانت أبوابا، وسُيرت الجبال فكانت سرابا”.

صاحب الرسالة لا يتعدى عمره الثامنة عشرة، وقد كان يعمل في حانة بمدينة خيرونا بإقليم كاتالونيا، والمستوى الذي تعكسه يفوق مستواه المعرفي بالتأكيد. وما يثير الانتباه أنه كتب الآيات القرآنية باللغة العربية بينما كتب الفقرة الأخرى بالإسبانية، وهذا تفكير ينم عن درجة عالية من الشحن الفكري إلى درجة غرس فكرة أن الآيات القرآنية يجب أن تكتب بالعربية، لأن كتابتها بأي لغة أخرى يعد كفرا.

 يعتمد الشحن الأيديولوجي والعقدي لعقول الشباب المجند في صفوف الجماعات الإرهابية على عنصر أساسي، وهو محو الفواصل بين الدنيا والآخرة، وجعل عملية “الاستشهاد” في سبيل الدفاع عن الدين أو قتل من تصفهم بالكفار والملحدين، قفزة سريعة من الدنيا إلى الآخرة، من دون إشغال الشخص المجند بالتفاصيل والحيثيات الفقهية: هل يجوز قتل أي شخص بدافع الجهاد؟ لماذا الجهاد في بلد يوفر سبل العيش والاندماج أمام المهاجرين الذين هم ضيوف؟ هل قتل الناس الأبرياء دون سبب يعد شهادة في سبيل الله؟ أليست عبارة “في سبيل الله” تفيد الإحسان إلى الآخرين أيضا؟ لأن هذه التفاصيل والأسئلة سوف تشكل عائقا أمام عملية التجنيد وتصرف المجند عن الإقدام على الجريمة.

وتستغل الجماعات الإرهابية فئة الشباب المهاجر من الجيل الثاني والثالث بسبب ما تلاحظه من ضعف في تكوينه الديني، مما يجعل من السهل شحن دماغه بأي شيء يمكن إسباغ الصبغة الشرعية عليه بعيدا عن أي تساؤل، فالجماعات الإرهابية تركز على التنفيذ لا على النقاش والتفكير.

كما تستغل حاجته إلى دعامة روحية في مجتمع ليبرالي رأسمالي يعتمد العمل أساسا للإنفاق والعيش، وافتقاده إلى الشعور بالأمن والأمان نتيجة بعض الممارسات الشاذة التي يقوم بها الأوروبيون تجاه المهاجرين، حيث يتم تضخيم الحدث الصغير وإعطاؤه طابعا دينيا يقسم الناس قسمين: كافر ومؤمن، كما تستغل الاقتلاع الثقافي لجيل المهاجرين الجدد، بهدف إقناعه بأنه يعيش في عالم معاد له ومستعد للبطش به في أي وقت.

إن نموذج الشاب المغربي سعيد علا هو نموذج واحد من عشرات النماذج التي تكشف المخططات الخطيرة للجماعات الإرهابية لاقتناص أبناء المهاجرين وغسل أدمغتهم وتلويث نفوسهم بأفكار عدوانية ترى أن الأصل في التعامل مع الآخر هو الحرب والقتال، لا التسامح والتعايش.

وخلال الأعوام الأخيرة الماضية، صار التركيز ينصب أساسا على اصطياد هذه الفئة ذات الهشاشة الدينية والثقافية من قبل الجماعات المتشددة والجماعات التكفيرية لتنفيذ أهدافها المتمثلة في خلق مواجهة بين المسلمين في أوروبا والمواطنين الأوروبيين، وذلك من خلال خلق الحواجز النفسية أولا لدى الشباب، والحيلولة دون اندماجهم الطبيعي في مجتمع يقبل بهم ويوفر لهم الحد الأدنى من الاعتراف بثقافتهم وخصوصياتهم.

وعندما تعلو هذه الحواجز يتحول النفور من المجتمع إلى هجوم، فيسهل من ثمة دفع الشاب المجند إلى التنفيذ، وهذا ما تبين في هجمات برشلونة، إذ اتضح أن المنفذين خضعوا للشحن الأيديولوجي والنفسي طيلة أربع سنوات على يد الإمام المغربي الذي قتل في انفجار داخل البيت الذي كان يحتوي على المتفجرات، والتي كانت معدة لتنفيذ عمليات أكثر خطورة.