داعش والجهاديوندراسات

#علم_الأعصاب وجدل إعتماده كرافد من روافد أدوات تحليل #السلوك_الإرهابي

كتب : حلمي مليان، خبير شؤون الأمن والمخابرات التونسي
المركز الاوروبي لدراسات مكافحة الارهاب والاستخبارات

قد يبدو الموضوع طريفا شيقا أو غامضا للجمهور العريض ,وقد يبدو مقبولا إلى حد ما لدى أطباء ومحللي وأخصائي علم النفس إذ طالما طوعت أدوات علم النفس لدراسة السلوك العدواني لدى الشخص والسلوك الإنحرافي الإجرامي وكذلك تعرض علم النفس وعلم الإجتماع لدراسة السلوك الإرهابي .ولكن أن يقع جدل علمي على مستوى مختبرات أجهزة المخابرات الغربية المتقدمة على مخابراتنا ومناهج تعليم أكاديمياتنا العسكرية في البلدان العربية بسنوات ضوئية فهنا تكمن الطرافة ,فالأمر حقيقة وليس بالخيال العلمي وقد رصدت له ميزانيات سخية لإنجاز البحوث والدراسات اللازمة .

ولا يعرف حاليا أي شئ عن المسارات العصبية والكهربائية داخل دماغ الإرهابي وهل أن دماغه شبيه بدماغي ودماغك وأدمغة الأخرين إذا ماوضعت على طاولة التشريح الطبي ؟ وذلك في تفسير لماهية ودوافع وطبيعة هاته الوحشية والدموية المفرطة واللاإنسانية عند الإرهابيين ,كيف يعمل وكيف ينشط دماغ الإرهابي وهل من صورة لتخطيطه الكهربائي ؟هذا النقص في المعرفة العلمية العصبية موجود بإعتبار حداثة السؤال على الحقل العلمي والمعرفي أي اليوم في 2017 لكنني أيضا أختلف شخصيا بعض الشئ مع منظري هذا المشروع الطبي العلمي المخابراتي / إمكانية إعتماد علم الأعصاب كرافد من روافد دراسة دماغ الإرهابي /  وقلت في كتاب لي بالإنجليزية أنتهيت منه مؤخرا ,أولا هذا البرنامج البحثي يجب أن يبقى داخل إطار علمي طبي ومدني مبدئيا  ولا يجب طبخه أو تناوله داخل دهاليز المخابرات…

كما وقع في سنوات مضت عندما كلفت جهة حكومية لن أذكرها هنا ,كلفت طبيبان في علم النفس من الولايات المتحدة بإنجاز دراسة مشروع كيفية معاقبة ومعاملة نزلاء معسكر قوانتنامو مقابل140 مليون دولار لكل واحد منهما أي صرف 280 مليون دولار على دراسة نفسية كانت نتائجها كارثية…

ثانيا قلت أيضا أن السؤال الجوهري للموضوع أعتبره شخصيا قديم/جديد إذ تناوله في الإربعينات أساتذة ألمان إبان الحكم النازي الذي كان يعزل مجرمي الحق العام والشواذ والمرضى ويعتبرهم حاملي جينات خاصة وذوي إعاقات عصبية ….وأوقفت برامج البحث وعوقب بعد سقوط النازية من تورط فيها وأعتبرت جريمة في حق الإنسانية , بحوث حاول ايضا الإتحاد السوفياتي إحيائها ثم وضعت في الدرج ونسيت ويبدو اليوم أن هنالك من يحاول نفض الغبار عنها وإذا سلمنا جدلا بأن الإرهاب مثل السرطان يجب معرفة المزيد عنه حتى تقع إستباقته وعلاجه فإن تناوله كحالة مرضية عصبية يعتبر موضوعا شائكا ومعقدا ويحاول البعض إخراج الموضوع من زاوية الإضطراب الدماغي لدى الإرهابي ويقدم هنا علم الأعصاب بعض الأجوبة المحدودة تقتصر على شريحة معينة من الإرهابين وهم فئة المراهقين وصولا إلى عمر العشرين .

فتركيبة الدماغ ومنظومة الأعصاب لدى هذه الفئة العمرية تختلف عن الشخص البالغ والراشد .فدماغ المراهق يعتمد بشكل كبير على اللوزة  المسؤولة عن العواطف وبدرجة أقل على قشرة الفص الجبهي  أي مركزالحكم على الأشياء وصنع القرار وصنع القرار هي عملية معقدة تتطلب تزامن النظم العصبية المتعددة مع بعضها البعض وكذلك تعتمد على إشراك مناطق من الدماغ تشارك في المشاعروفي الذاكرة وتختلف حالة المراهق عن حالة الشخص الراشد من حيث التأثير إذ يمكن التأثير في مشاعر المراهق بالخطاب الديني والحماسي والتحريضي والتكفيري ..

ولا خوف من ذاكرته فهي محدودة لحداثة عهده بالحياة ولا وجود لترسبات ماضوية فيها…إذا وعليه فإن هنالك أجزاء وأماكن في دماغ المراهق يمكن لها الإستجابة للإرهاب ويؤثر الإرهاب فيها .كما أن تقنيات دراسة السلوك البشري تتفق مع علم الأعصاب في مسألة التأثير في مشاعر الشخص المراهق والفرق بينه وبين الشخص البالغ هل نحن حقا بحاجة إلى دراسة أدمغة الإرهابيين من أجل فهم أفعالهم هل تشهد الساحة العلمية والمعرفية عامة ميلاد إختصاص جديد مستحدث هو علم أعصاب الإرهاب ؟

وهل أن مقاربات علم أعصاب الإرهاب كفيلة بمنع فظائع الإرهاب ؟

هي أسئلة في مجملها تراوح مكانها وسط هذه المقاربة العلمية الجديدة ,أسئلة تضع على المحك علم أعصاب الإرهاب في مدى نجاح أطروحاته وصمودها أمام الدرس والنقد وسؤال الفاعلية كما أنه يتعين علينا أن نميز بين المناهج النظرية والعملية لهذه المسألة .وهل أن مجرد فحص دماغ شخصين بواسطة المسح الإشعاعي أحدهما عادي والثاني إرهابي يقدم دليلا إكلينيكيا ملموس على جريمة الإرهاب ؟؟؟

إن علم الأعصاب بإمكانه تقديم أجوبة حول الدماغ البشري ولكن عندما يتعلق الأمر بالإرهاب فالذي يهمنا هو الإدراك والسلوك نريد أن نفهم كيف يفكر الإرهابيون لماذا يتصرفون بالطريقة التي يتصرفون بها ؟ فعندما نقول نريد أن نفهم الإرهاب فذلك يعني قطعا نريد أن نعرف ونفهم ما الذي يجعل الإرهابي يختلف أو تميز عن أي شخص أخر ؟ ولكن الجواب أيضا لا يكمن في صورة المسح الإشعاعي لدماغ هذا الإرهابي يسلمها لنا طبيب أو ممرض قسم الأشعة ,حتى مع وجود نقاط نشاط عصبي في مناطق دون غيرها من الدماغ لا يخول لنا ذلك الجزم قطعا بحدوث عمل إرهابي قريبا على يدي ذلك الشخص أو محاولة قراءة وتفسير تفاصيل حياته اليومية.وحتى وإن كنت مختصا في علم الأعصاب فإن تركيزك على البحث على نقاط النشاط العصبي في أجزاء معينة من أدمغة البشر لن ينفع المجتمع في شئ أمام معضلة الإرهاب.

فلنقل أن الدماغ البشري ينقسم إلى نوعين الأول عادي والثاني إرهابي ,فإن اليوم مجمل العلوم والمعارف الطبية والإكلينيكية لم تصل بعد إلى فهم مجمل أجزاء وكيماويات وتفاعلات الدماغ البشري وكذلك شبكة الأعصاب حتى يأتيك أحدهم ويطلب منك الإقتناع بوجود دماغ سليم سوي وأخر إرهابي أو إجرامي

فإلى أن يحسم الجدل بشأن وجود دماغ بشري سليم وأخر إرهابي ,أرى أنه من المستحسن مواصلة دراسة الظاهرة الإرهابية والتعامل معها من خلال أدوات علم الجريمة والنفس والإجتماع والتقنيات الأمنية المختصة من مراقبة وإحتواء وإختراق وإستباق …كما أن إستعارة مرض السرطان في غير محلها للحديث عن النشاط العصبي داخل مناطق بعينها داخل الدماغ ,كما أنه على المستوى العملي لا تقدم إلى حد الأن مقاربات علم الأعصاب أي فائدة محسوسة في مقاومة الإرهاب ربما بعد عقود أخرى من الزمن كما أن إستخدمات تقنيات علم الأعصاب في أمريكا الشمالية لاتفيد القضاء والعدالة في شئ…

فأن يقع عرض صور أطفال على مشتبه به في الإعتداء على الأطفال وتسجيل نشاط دماغه عند الإستجابة لتلك الصور لا يفيد القاضي في شئ في بحثه على أدلة ملموسة تدين المعتدي…كما أن تسجيل تفاعلات حاسة الشم ونشاط الدماغ عند تعريض مشتبه فيه بصنع المتفجرات لمواد قابله للإنفجار وقع خلطها حديثا لن ينفع القاضي في تجريم وإدانة الإرهابي. كل ما في الأمر أنه وقع الإلتجاء إلى تكنولوجيا عالية الجودة في إختبارات جنائية جانبية لاتزال خارج نطاق الإعتماد القانوني الفعلي وليست محددة في نطاق الإرهاب .وفي النهاية قد تقدم العلوم العصبية مصدرا جديدا للمعلومة ولكن يتوجب علينا إعطاء معنى ما أو عملي لهذه المعلومة

 

tunisia.strategic.consulting@gmail.co

الخبير حلمي مليان

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى